النهار
الجمعة 3 يوليو 2026 02:50 صـ 16 محرّم 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
نبيل فهمي يدين الإنفجار بالقرب من القصر العدلي في دمشق ..ويؤكد دعم الجامعة العربية لسوريا في مكافحة الارهاب خلال مناقشة الخطة الاستثمارية لجهاز شئون البيئة للعام المالي الجديد .. دعم وحدات تغير المناخ سلامة الغذاء تواصل العمل خلال العطلات الرسمية لدعم الصادرات المصرية وتسريع نفاذها للأسواق العالمية مفتي الجمهورية يؤكد: التأويل المنضبط ضرورة لُغوية وشرعية لصيانة فهم النصوص وحماية العقيدة المركز الإعلامي للأزهر يحذر من التعامل مع أي جهة تنتحل اسم الأزهر أو اسم فضيلة الإمام الأكبر حين تعجز الخوارزميات عن فهم الروح.. مأساة الذكاء الاصطناعي في العلوم الإنسانية صندوق تكافل الصحفيين يدعو إلى جمعية عمومية غير عادية 27 يوليو لاعتماد زيادة الميزة التكافلية دون أعباء إضافية د. أحمد عوض يطرح رؤية علمية لإعادة هيكلة منظومة التسميد الأزوتي للموالح في مصر السفير صالح شن: التجارة المصرية التركية تتجه إلى 9 مليارات دولار واستثمارات جديدة خلال 2026 النائب أسامة شرشر يهنئ المحاسب أشرف شرشر والأستاذ محمد الشيخ خالد بمناسبة عقد قران المهندس إسلام والآنسة زينب لإنهاء حملها وإخفاء زواجه الثاني.. جلسة على الكورنيش انتهت بفقدان جنين واتهام زوج بتسميم زوجته وفاء صادق: لا يوجد «نمبر وان» في الفن.. وعادل إمام حبيب قلب مصر والعالم العربي

ثقافة

حين تعجز الخوارزميات عن فهم الروح.. مأساة الذكاء الاصطناعي في العلوم الإنسانية

صورة مصممة بالذكاء الأصطناعي "العلاقة بين الذكاء الأصطناعي والأنسانوية"
صورة مصممة بالذكاء الأصطناعي "العلاقة بين الذكاء الأصطناعي والأنسانوية"

يشهد العالم في السنوات الأخيرة توسعًا غير مسبوق في الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حتى باتت جزءًا أصيلًا من عمليات البحث والكتابة وإنتاج المحتوى، سواء في المجال الصحفي أو الأكاديمي أو العلمي. وأصبح من المعتاد أن تُنجز مقالات، وأوراق بحثية، وموضوعات كاملة بمساعدة هذه التطبيقات، في وقت لم يعد فيه النقاش مقتصرًا على المتخصصين، بل امتد إلى النخب الثقافية، ثم إلى الجمهور العادي الذي بات يتعامل مع هذه الأدوات بوصفها إحدى حقائق العصر.

ورغم كثافة الحديث عن الذكاء الاصطناعي ومستقبله، فإن أغلب النقاشات انصبت على قدراته التقنية، وتأثيره في سوق العمل، ومستقبل التعليم، وأخلاقيات استخدامه، بينما بقي سؤال أكثر عمقًا على هامش الحوار: هل يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة الحقيقية على التعامل مع العلوم الإنسانية بالمعنى الذي يجعل منه شريكًا في إنتاجها، وليس مجرد وسيط يعيد تنظيم ما هو موجود بالفعل؟

هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة عندما ننتقل إلى مجالين شديدي الخصوصية، هما الفلسفة والتصوف؛ إذ لا يتعلق الأمر هنا باستدعاء المعلومات أو إعادة ترتيبها، وإنما بفهم التجربة الإنسانية نفسها، وما يحيط بها من معانٍ وتأويلات وأسئلة لا تعرف الإجابات النهائية.

إن الذكاء الاصطناعي، مهما اتسعت قاعدة بياناته، يظل محكومًا بما وصل إليه من نصوص ومعارف مدونة. فهو يستطيع أن يستعرض المذاهب الفلسفية، ويقارن بين المدارس الفكرية، ويحلل النظريات، ويعرض تاريخ الأفكار بدقة لافتة، لكنه في النهاية يتحرك داخل حدود المعرفة التي تلقاها، ولا يغادرها إلى فضاء التجربة الإنسانية الحرة التي كانت دائمًا مصدرًا لولادة الفلسفات الكبرى.

فالفلسفة لم تتقدم يومًا بمجرد جمع المعلومات، وإنما عبر العقول التي امتلكت الجرأة على مساءلة المسلمات، وتجاوز ما هو قائم، وصياغة أنساق جديدة تغير طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه وإلى العالم. وهذه القفزات الفكرية لم تكن نتيجة معالجة كمية للبيانات، وإنما ثمرة تجربة إنسانية كاملة، امتزج فيها العقل بالحدس، والمعرفة بالمعاناة، والشك بالرغبة في الوصول إلى الحقيقة.

ولهذا، فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشرح فلسفة سابقة، لكنه لا يملك الوعي الذي يؤهله لتأسيس فلسفة جديدة. ويمكنه أن يعرض نظرية قائمة، لكنه لا يعيش الأزمة الفكرية التي تدفع الفيلسوف إلى ابتكار نسق مختلف. إنه يحلل، لكنه لا يختبر، ويستنتج، لكنه لا يعايش.

وقد يبدو الأمر أكثر وضوحًا إذا انتقلنا إلى العلوم الطبيعية. فالذكاء الاصطناعي قادر على تحليل كم هائل من البيانات الفيزيائية أو الكيميائية، وقد يقترح فرضيات أو احتمالات مبنية على ما لديه من معطيات، لكنه لا يستطيع، بمفرده، أن يبتكر قانونًا علميًا جديدًا أو يحسم صحة فرضية دون تجربة واختبار وإبداع إنساني يقود العملية العلمية. وإذا كان هذا هو حاله مع العلوم التجريبية، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا في الفلسفة، التي لا تخضع أصلًا لقوانين الحسم المادي، بل تقوم على الجدل والتأويل وإعادة إنتاج المعنى.

ومن هنا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي، بطبيعته، يميل إلى التعامل مع الواقع باعتباره منظومة من البيانات القابلة للتحليل، وهو ما يجعله أقرب إلى المنظور المادي أو البرجماتي في فهم المعرفة. فهو يبحث عن الأنماط، ويربط بين المعلومات، ويولد إجابات تبدو منطقية، لكنه لا يمتلك ذاتًا واعية تخوض التجربة الفكرية أو تعيش القلق الوجودي الذي كان دائمًا أحد أهم منابع الفلسفة.

أما التصوف، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا. فالتصوف لا يقوم على المعرفة بوصفها معلومات، وإنما بوصفها تجربة داخلية يعيشها الإنسان بنفسه. إنه علم الذوق، والمجاهدة، والسير في مدارج النفس، ومحاولة الاقتراب من المعنى الذي تعجز اللغة نفسها عن الإحاطة به.

وهنا تقف اللغة بوصفها أداة التعبير أمام حدودها الطبيعية؛ فالمتصوفة استخدموا الكلمات وهم يدركون أنها قاصرة عن احتواء التجربة الروحية كاملة، لذلك لجأوا إلى الرمز، والإشارة، والاستعارة، والإيحاء، لأن ما يعيشونه يتجاوز قدرة الألفاظ على الوصف.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو لا يتعامل إلا من خلال اللغة ذاتها، بوصفها بيانات قابلة للتحليل. ولذلك، مهما بلغت دقته في تفسير النصوص الصوفية أو تصنيفها أو المقارنة بينها، فإنه يظل عاجزًا عن إدراك التجربة التي أنتجت تلك النصوص من الأساس. إنه يستطيع أن يصف الحب الإلهي كما ورد في الكتب، لكنه لا يختبره. ويستطيع أن يشرح معاني الفناء أو البقاء كما كتبها المتصوفة، لكنه لا يعيش الحالة التي جعلت تلك الكلمات ممكنة.

فالروح ليست معلومة تُخزن، ولا القلب معادلة يمكن تحليلها، ولا الإلهام نتيجة حسابية تنتجها الخوارزميات. وهذه ليست نقيصة في الذكاء الاصطناعي، وإنما هي نتيجة طبيعية لاختلاف المجالين؛ فالآلة تعمل داخل حدود البرمجة، أما الإنسان فيتجاوزها بخبرته ووعيه ووجدانه.

ومن هنا تبدو المخاوف الحقيقية في غير موضعها. فالفلسفة والتصوف ليسا مهددين بالذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما بالخطر الأكبر الذي يصنعه الإنسان عندما يتخلى عن الاهتمام بهما. إن المشكلة ليست في وجود آلة تجيد إعادة إنتاج المعرفة، وإنما في تراجع الإنسان عن إنتاج المعرفة الجديدة، وفي انصرافه عن تنمية عقله وروحه، وانشغاله بما هو سريع وعملي وقابل للاستهلاك.

إن الحضارة لا تُبنى بالتقنيات وحدها، مهما بلغت درجة تطورها، وإنما تحتاج أيضًا إلى الفكر الذي يمنحها الاتجاه، وإلى الفلسفة التي تراجع مسارها، وإلى الروح التي تحفظ إنسانيتها. وإذا أهمل الإنسان هذه الجوانب، فإنه قد يمتلك أكثر الأدوات تطورًا، لكنه يفقد القدرة على طرح السؤال الأهم: لماذا نفعل كل ذلك؟

إن الذكاء الاصطناعي سيظل أداة بالغة القوة، وربما يصبح أعظم مساعد عرفه الإنسان في تاريخ المعرفة، لكنه لن يكون بديلًا عن العقل البشري، ولا عن التجربة الوجدانية، ولا عن التأمل الفلسفي، ولا عن الإشراق الروحي. فهذه المجالات لا تُقاس بحجم المعلومات، وإنما بقدرة الإنسان على تجاوزها نحو آفاق جديدة من الفهم والوعي.

ولعل الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً، بل في أن يكتفي الإنسان بما تنتجه له، ويتوقف عن التفكير، ويتنازل طواعية عن دوره في البحث، والتأمل، والإبداع، واكتشاف المعنى. وعندها لن تكون الأزمة أزمة ذكاء اصطناعي، بل أزمة إنسان فقد صلته بعقله وروحه، واختزل المعرفة في مجرد إجابات جاهزة، بينما كانت قيمتها الحقيقية دائمًا في الأسئلة التي لا تنتهي.
مخطط الموضوع - محمد هلوان

موضوعات متعلقة