محمد هلوان يكتب| ”المعرفة أمانة”.. حين يصبح نشر الفكر مسؤولية لا ترفًا
علّمني أساتذتي في الكلية أن المعرفة لا تُكتسب لتظل حبيسة صاحبها، وأن نقلها إلى الآخرين ليس مجرد فعل إضافي يمكن القيام به متى توافرت الرغبة والوقت، بل هو جزء أصيل من مسؤولية من تعلّم وتخصص وامتلك أدوات التفكير.
علّموني أن أنقل المعرفة، أيًّا كان شكلها؛ كتابًا، أو معلومة، أو فكرة، أو حتى إشارة صغيرة قد تقود شخصًا إلى طريق جديد من البحث والفهم. وعلّموني كذلك أن أستمر، وألا أتوقف لمجرد أن الطريق أصبح أكثر صعوبة، أو لأن الاهتمام بما أقدمه لم يعد كما كان، أو لأن المحيط من حولي لا يمنح المعرفة دائمًا ما تستحقه من تقدير.
ومن أهم ما تعلمته منهم أن الفلسفة ليست مجموعة من النصوص القديمة التي نعيد قراءتها في قاعات الدراسة، ولا تاريخًا للأفكار ينتهي بانتهاء المحاضرة والامتحان. الفلسفة في جوهرها فكر، والفكر لا ينبغي أن يتوقف عند فرد، ولا أن يبقى أسير جيل بعينه. الفكرة الحقيقية يجب أن تنتقل من جيل إلى جيل، وأن تجد طريقها من عقل إلى عقل، ومن تجربة إلى تجربة، حتى لا تتحول المعرفة إلى شيء جامد يعيش في الكتب بينما يبتعد المجتمع عنها يومًا بعد آخر.
لقد تعلمت أن المعرفة أمانة. والأمانة لا تكتمل بمجرد امتلاكها، وإنما تكتمل بالمحافظة عليها ونقلها وإتاحتها لمن يبحث عنها. لذلك أرى أن كتمان المعرفة، أو الاستسلام للملل من نشرها وتبسيطها، من أكبر صور الخيانة التي يمكن أن يرتكبها الإنسان في حق ما تعلّمه، وفي حق الأجيال التي تأتي بعده.
وفي زمن تواجه فيه العلوم الإنسانية تحديات متزايدة، ليس فقط من جانب غير المتخصصين، وإنما أحيانًا من داخل دوائر المتخصصين أنفسهم، تصبح الحاجة إلى من يقرّب هذه العلوم من الناس أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
نحن بحاجة إلى أشخاص، وإلى مجموعات ومشروعات معرفية، تعمل على شرح المفاهيم للجمهور بلغة واضحة، من دون أن تفقدها عمقها، وتساعد الناس على فهم الأفكار بدلًا من الاكتفاء بترديد المصطلحات. نحتاج إلى من يعلّم الناس كيف يفكرون تفكيرًا منطقيًا، وكيف يميزون بين الحجة والادعاء، وبين المعلومة والانطباع، وكيف يستخدمون اللغة في موضعها الصحيح؛ لأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما أداة أساسية للتفكير والفهم وبناء الوعي.
والارتقاء بالوعي الجمعي لا يحدث بالخطابات الكبيرة وحدها، ولا بالشعارات التي ترفعها المجتمعات ثم تنساها. الوعي يتشكل بالتراكم؛ فكرة وراء فكرة، وكتابًا بعد كتاب، ونقاشًا يتبعه نقاش، وسؤالًا يفتح الباب أمام سؤال جديد. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون للعلوم الإنسانية حضور حقيقي في المجال العام، وأن تخرج من حدود المؤسسات الأكاديمية إلى فضاء المجتمع، حيث تصبح جزءًا من الحوار اليومي حول الإنسان والفكر والقيم والمعرفة.
ولهذا كانت صدمتي كبيرة حين وجدت دكتورًا أزهريًا يحض على ترك الدراسات العليا، وكأن البحث العلمي طريق يمكن الاستغناء عنه، أو أن مواصلة الدراسة والتخصص أمر لا يستحق أن يبذل الإنسان من أجله سنوات من عمره. وازدادت دهشتي أمام بعض التوجهات الحكومية التي يبدو فيها تهميش العلوم الإنسانية واضحًا وفجًّا، وكأن المجتمعات تستطيع أن تتقدم بالعلوم التطبيقية وحدها، من دون حاجة إلى الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وسائر المجالات التي تدرس الإنسان وأفكاره ومجتمعه وتحولاته.
لكن، رغم كل ذلك، لا أعتقد أن هذه التحديات قادرة على إيقاف الباحث الحقيقي الذي أحب العلم، وآمن بقيمة المعرفة، واختار طريق التنوير عن اقتناع.
قد تتغير الظروف، وقد تتراجع مكانة بعض التخصصات في لحظة من اللحظات، وقد يواجه الباحث إحباطًا أو شعورًا بأن ما يفعله لا يجد الصدى الذي يستحقه، لكن كل ذلك لا ينبغي أن يكون سببًا للتوقف. فالمعرفة بطبيعتها مشروع طويل، وأثرها لا يظهر دائمًا في اللحظة التي تُقدَّم فيها. ربما تكتب فكرة اليوم، ولا تعرف أين ستصل غدًا. وربما تشير إلى كتاب لا يقرأه صاحبه إلا بعد سنوات. وربما تفتح أمام شخص سؤالًا يغير طريقه بالكامل.
لهذا أقول لكل من اختار طريق العلم والمعرفة: استمروا في شغفكم. لا تجعلوا صعوبة الطريق سببًا للتراجع، ولا تجعلوا ضعف التقدير الخارجي مقياسًا لقيمة ما تفعلونه. اقرأوا في أوقات فراغكم، وابحثوا، واسألوا، ووسّعوا دوائر اهتمامكم، ونمّوا ثقافتكم الشخصية باستمرار.
لا تنتظروا دائمًا أن تأتي المعرفة إليكم في صورة محاضرة أو مقرر دراسي. اصنعوا لأنفسكم عادة القراءة والبحث والنقاش. افتحوا مساحات للحوار، وتقبلوا الاختلاف، وناقشوا الأفكار بدلًا من مهاجمة أصحابها، وتعلموا أن تغيير الرأي عندما تظهر حجة أقوى ليس ضعفًا، بل دليل على أن العقل ما زال حيًّا وقادرًا على التعلم.
اصنعوا حالة دائمة من النقاش، لأن المجتمعات التي تتوقف عن السؤال تبدأ في التراجع، والمجتمعات التي تخاف من الأفكار تتحول تدريجيًا إلى مجتمعات تخاف من المستقبل نفسه.
إن نقل المعرفة ليس ترفًا، ودعم العلوم الإنسانية ليس رفاهية ثقافية يمكن الاستغناء عنها عندما تضيق الظروف. فالإنسان الذي يعرف كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يستخدم اللغة، وكيف يفحص الأفكار قبل قبولها، هو أحد أهم مقومات أي مجتمع يريد أن يبني مستقبلًا أكثر وعيًا ونضجًا.
ربما لا نستطيع تغيير كل شيء دفعة واحدة، وربما لا نملك القدرة على مواجهة كل التحديات المحيطة بالمعرفة والبحث العلمي، لكننا نملك شيئًا مهمًا: أن نواصل التعلم، وأن ننقل ما تعلمناه، وأن نفتح الطريق أمام غيرنا، وألا نسمح للمعرفة التي وصلت إلينا عبر أجيال من الباحثين والمفكرين أن تتوقف عندنا.
فالأفكار لا تعيش لأنها كُتبت فقط، وإنما لأنها وجدت من يحملها إلى المستقبل.
وهكذا تُبنى الأمم؛ ليس بكثرة ما تمتلكه من معلومات فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى حوار، والحوار إلى فعل، والفعل إلى مستقبل.
وإذا كانت المعرفة أمانة، فإن أفضل طريقة لحفظها ليست أن نضعها في خزائن مغلقة، وإنما أن نتركها تسافر من عقل إلى عقل، ومن جيل إلى جيل، حتى تظل حية وقادرة على صناعة الإنسان الذي يستحق المستقبل




.png)












.jpg)


.jpg)
.jpg)






