باحث سياسي لـ”النهار”: التقارب الأمريكي الإيراني قد يعيد ترتيب المنطقة لكنه لا يستطيع تجاوز فلسطين
قال الأكاديمي والباحث السياسي الفلسطيني الدكتور أسعد العويوي، إن التقارب المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران يثير تساؤلات جوهرية حول موقع القضية الفلسطينية في أي ترتيبات إقليمية جديدة قد تنجم عن التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران، محذراً من أن تتحول فلسطين مرة أخرى إلى ملف مؤجل في خضم الصفقات والتسويات الكبرى التي تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.
وأوضح العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، أن التجارب السابقة أظهرت أن أخطر ما يحدث في المنطقة لا يقتصر على القضايا المطروحة على طاولات التفاوض، بل يشمل أيضاً الملفات التي يتم استبعادها أو تأجيلها خلال مراحل إعادة ترتيب الأولويات الدولية والإقليمية.
وأشار إلى أن الاهتمام الدولي الحالي يتركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية وأمن الممرات البحرية واحتمالات الحرب والسلام، بينما تبدو القضية الفلسطينية بعيدة عن صدارة النقاشات المرتبطة بالتفاهمات المنتظرة بين الولايات المتحدة وإيران.
فلسطين خارج النص
ورغم غياب القضية الفلسطينية عن المفاوضات المعلنة، أكد العويوي أن ذلك لا يعني خروجها من المعادلة السياسية أو الاستراتيجية في المنطقة.
وأوضح أن القضية الفلسطينية لم تكن في أي مرحلة مجرد ملف سياسي منفصل، بل شكلت على الدوام أحد المؤشرات الرئيسية لفهم طبيعة النظام الإقليمي وموازين القوى السائدة فيه، الأمر الذي يجعل أي تفاهم أمريكي إيراني ذا تأثير مباشر أو غير مباشر على مستقبلها.
وأضاف أن غياب فلسطين عن نصوص الاتفاقات لا يلغي تأثير تلك الاتفاقات على واقعها السياسي، مشيراً إلى أن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة غالباً ما تنعكس على القضية الفلسطينية سواء بالحضور المباشر أو من خلال إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية.
مخاوف التهميش
وحذر الباحث السياسي من احتمال أن يؤدي نجاح التفاهمات الأمريكية الإيرانية إلى تخفيف حدة التوترات الإقليمية دون أن يقترن ذلك بإعادة وضع القضية الفلسطينية على أجندة المجتمع الدولي.
ورأى أن بعض القوى الدولية قد تعتبر أن تحقيق الاستقرار الإقليمي ومنع اندلاع حرب واسعة وضمان أمن الطاقة والممرات البحرية يمثل أهدافاً كافية بحد ذاتها، ما قد يؤدي إلى تأجيل معالجة القضية الفلسطينية إلى مراحل لاحقة.
وأضاف أن هذا السيناريو ليس جديداً على المنطقة، إذ كثيراً ما تراجعت القضايا الوطنية والحقوقية أمام اعتبارات المصالح الاستراتيجية الكبرى، وكانت القضية الفلسطينية من أكثر الملفات التي تعرضت لهذا النمط من التأجيل خلال العقود الماضية.
وأشار إلى أن مثل هذا المسار قد يساهم في إطالة أمد الأزمة الفلسطينية بدلاً من الدفع نحو حلول حقيقية تعالج جذور الصراع.
فرصة سياسية محتملة
وفي المقابل، رأى العويوي أن هناك احتمالاً آخر قد تحمله التفاهمات الأمريكية الإيرانية، يتمثل في فتح المجال أمام مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي والسياسي في المنطقة.
وأوضح أن تراجع مستويات التوتر والصراع العسكري قد يخلق بيئة أكثر ملاءمة لطرح ملفات سياسية ظلت معطلة بسبب التصعيد المستمر، بما في ذلك القضية الفلسطينية.
وأضاف أن التاريخ السياسي للمنطقة يبين أن فرص التسويات والحلول السياسية غالباً ما تزداد عندما تتراجع احتمالات المواجهات العسكرية، الأمر الذي قد يوفر مساحة أوسع لعودة النقاش حول الحقوق الفلسطينية وآفاق الحلول السياسية.
وأكد أن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت واشنطن أو طهران ترغبان في معالجة القضية الفلسطينية، وإنما بمدى قدرة الاستقرار الإقليمي المحتمل على جعل تجاهل هذا الملف أكثر صعوبة بالنسبة للأطراف الدولية الفاعلة.
عنصر في الاستقرار
واعتبر العويوي أن إحدى الإشكاليات الرئيسية في المقاربات الدولية تكمن في النظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد نتيجة للتوازنات الإقليمية، بينما أصبحت في الواقع أحد العوامل المؤثرة في تلك التوازنات.
وأوضح أن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة لم يعد شأناً فلسطينياً داخلياً فحسب، بل تحول إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والحرب المتواصلة على قطاع غزة والتوترات في الأراضي الفلسطينية المحتلة ينعكس بصورة مباشرة على البيئة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، ما يجعل من الصعب بناء استقرار دائم يتجاهل جوهر القضية الفلسطينية.
وأضاف أن أي نظام إقليمي جديد يسعى إلى تحقيق الاستقرار طويل الأمد سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها جزءاً من معادلة الحل، وليس مجرد ملف يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.
الرهان على الفلسطينيين
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، أكد العويوي أن التحدي الأهم لا يتعلق فقط بما ستنتجه التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، بل بقدرة الفلسطينيين أنفسهم على استثمار التحولات الدولية والإقليمية لصالح قضيتهم الوطنية.
وأوضح أن المتغيرات الكبرى قد تفتح فرصاً سياسية جديدة، لكن الاستفادة منها تتطلب وجود رؤية فلسطينية قادرة على تحويل التحولات الجيوسياسية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية ملموسة.
وأضاف أن التاريخ لا يمنح الفرص لجميع الأطراف بالقدر ذاته، لكنه يتيح إمكانيات جديدة لمن يمتلك القدرة على قراءتها واستثمارها في التوقيت المناسب.
اختبار النظام الجديد
واختتم الباحث السياسي حديثه بالتأكيد على أن أي تفاهم أمريكي إيراني قد يسهم في إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، لكنه لن يكون قادراً على تجاوز القضية الفلسطينية أو إلغائها من المشهد الإقليمي.
ورأى أن فلسطين ستبقى الاختبار الحقيقي لأي نظام إقليمي جديد، لأن الاستقرار الدائم لا يقاس فقط بعدد الحروب التي يتم تجنبها أو الاتفاقات التي يتم توقيعها، وإنما بقدرة المنطقة على معالجة القضايا العادلة والمزمنة التي ظلت دون حل لعقود طويلة.
وأكد أن السؤال الذي ينبغي طرحه مع كل حديث عن التقارب بين واشنطن وطهران لا يقتصر على مستقبل المنطقة وموازين القوى فيها، بل يمتد أيضاً إلى موقع القضية الفلسطينية داخل المشهد الجديد، وما إذا كانت ستتمكن من فرض حضورها السياسي في مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، أم ستبقى مرة أخرى خارج دائرة الأولويات الدولية.

















.jpg)






