هل يحسم التفاهم الإيراني الأمريكي الطرف المنتصر في الحرب؟
أجاب تحليل لقناة القاهرة الإخبارية، على التساؤل الخاص بـ «هل يحسم التفاهم الإيراني الأمريكي الطرف المنتصر في الحرب؟»، موضحة أنه بعد ساعات من إعلان التوصل إلى تفاهم مبدئي لوقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة في 15 يونيو 2026، وتوقيع مذكرة التفاهم بين الجانبين حضوريًا في جنيف 19 يونيو الجاري، يبدو أن تعقيدات الصراع لا تزال تلقي بظلالها على الاتفاق الذي يواجه انعدامًا متبادلًا للثقة أفضى إلى ترحيل أغلب القضايا الجوهرية لاتفاق نهائي يعيد مشهد التفاهم إلى ما قبل الحشد والتصعيد العسكري حول إيران، وهو ما يكشف في الوقت ذاته حالة عدم اليقين بشأن استجلاء نتائج الصدام العسكري بين واشنطن وطهران على نطاق إقليمي ووجود طرف إسرائيلي لا يخضع لقواعد واضحة في التعامل مع التهديدات.
وتأسيسًا على ما سبق، يتناول التحليل التالي المؤشرات المحتملة لتحديد الطرف المنتصر في الحرب على ضوء القضايا والملفات الجوهرية التي أسهمت في اندلاع الحرب أو إذكائها أو تسببت في تعقيد الوصول لتسوية شاملة تنهي الصراع في مجمله.
المحددات السبعة
يمثل اللجوء لترحيل الملفات الكبرى للمرحلة الثانية من الاتفاق واستبعاد بعضها من النقاش مؤشرًا على صعوبة المفاوضات، والتي جاءت في أعقاب مواجهة عسكرية مدمرة، لكن نتائجها لا تزال غير محسومة بين الجانبين ولا يمكن البناء على مخرجاتها.
>> نجحت إيران في تحويل نموذج ترامب للحرب الخاطفة والمدمرة التي استهدفت تسلسل القيادة السياسية والعسكرية ومئات المواقع الحيوية إلى صراع منخفض الحدة على امتداد ساحات الإقليم لتشديد المجهود الهجومي، مع امتلاك السيطرة النيرانية على المضائق الاستراتيجية التي كانت بمثابة ورقة تأمين لمخاطر ومستويات تصعيد ردود الفعل الأمريكية وبالتبعية تحجيم التصعيد الإسرائيلي.
وقياسًا بنتائج المواجهة لا يزال تحييد خطر الحرب مطلبًا صعبًا؛ في ظل اعتماد ترامب نهجًا للضغط على إيران يستند لأدوات القوة وتوظيفها في تقليص فاتورة الخسائر بالأرواح والمعدات من خلال تنفيذ عمليات نوعية وتشديد الحصار البحري، إلا أن الخيار الأول ظل باهظ التكلفة بينما لم يثبت الثاني فاعلية كبيرة في تحقيق الأهداف رغم الخسائر الاقتصادية المحققة للجانب الإيراني.
>> احتفظ مضيق هرمز بالزخم الأكبر خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عقب لجوء الأخير لإغلاقه وإنفاذ السيطرة النيرانية لتحصيل رسوم عبره والتحكم الانتقائي في مرور السفن، وهو ما نجح في تحييد البعد الدولي ومنع تدويل الصراع أو شرعنة التدخل العسكري لتحرير المضيق من خلال الفيتو الروسي الصيني الذي حال دون اتخاذ أي إجراء عسكري لفتح المضيق، وبالتالي فصل مسألة المضيق -على أهميتها للنظام المالي العالمي- عن مسار الحرب التي لم تحظ بإجماع دولي حتى في إطار الحلفاء الغربيين، ولم تأت وفق تفويض أممي، وهو ما أشارت إليه تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم نائب الرئيس جي دي فانس، الذي قال إن طهران ستتخذ تدابير لضمان حرية الملاحة عبر المضيق بالتنسيق مع سلطنة عُمان ودول أخرى لفترة محدودة.
>> الانتشار العسكري والحد من التسلح: رغم الضربات الواسعة التي شنتها القوات الإيرانية على القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة، احتفظت القوات الأمريكية بنقاط تمركزها ولم تنجح تلك الضربات في فرض الانسحاب أو تقليص بصمة الانتشار العسكري لواشنطن في منطقة الخليج. ورغم تنفيذ الجانب الأمريكي إستراتيجية لإعادة التموضع إقليميًا؛ بنقل جزء من الأصول العسكرية من دولة قطر إلى المملكة الأردنية في عهد بايدن، إلا أن الالتزام التاريخي في عقيدة كارتر جعل من حرمان أي قوة غير الولايات المتحدة السيطرة الأمنية على مياه الخليج، وبالتالي السيطرة على تدفق الإمدادات النفطية التي تتجاوز خمس الإنتاج العالمي وتحتوي على احتياطات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي تحديًا أساسيًا أمام خفض عدد القوات أو الانسحاب التدريجي منها، خاصة على وقع الحرب مع إيران، مما سيعد كارثة إستراتيجية على القوة العظمى بانسحابها أمام قوة متوسطة في مسرح التزام واحد، واضطرارها لقبول مطلب فضفاض بسحب القوات الأمريكية في المناطق حول إيران، دون تحديد المقصود منها إذا كانت القوات التي جرى استقدامها إبان الحرب أو تلك التي تحتفظ بوجود تاريخي في المنطقة.
>> يظل ملف الوكلاء الإقليميين موضع جدل في المفاوضات الأمريكية الإيرانية؛ نتيجة لدور تلك الجبهات في تحفيز المواجهة الإقليمية، فبينما ظل جدار الوكلاء عامل احتواء لإسرائيل لردع استهداف الداخل الإيراني ضِمن إستراتيجية الدفاع المتقدم التي تراجعت فاعليتها خلال المواجهة الأخيرة، إلا أنه مع بلوغ المواجهة الإقليمية ذروتها تحولت طهران من الاحتواء إلى محاولة فرض الردع الإيجابي وإدارة التصعيد وفق نهج الخطوط الحمراء.
>> المواجهة العابرة لحدود الإقليم: لن يسهم التفاهم في استعادة الثقة التامة بين المجتمع الدولي وإيران، خاصةً مع اتخاذ شبكات الحرس الثوري أشكالًا مختلفة من التأثير بالاستفادة من المراكز الإسلامية والقنوات الإعلامية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية في بريطانيا وأوروبا وارتباطها مع منظمات واجهة على غرار "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" برزت في عمليات عنف في الغرب خلال الحرب وحتى عقب التوصل لوقف إطلاق النار في أبريل 2026. ولا يبدو نشاط الحرس الثوري والكيانات المرتبطة به في أوروبا والولايات المتحدة بعيدًا عن الرقابة المالية والقبضة الأمنية خاصة مع توالي العقوبات المرتبطة بنشاط الحرس الثوري العابر للحدود حتى وإن جرت المقايضة بين طهران وبعض القوى الأوروبية في تبادل السجناء، كما تبدو الإرادة السياسية الإيرانية تتجه نحو إعادة الانخراط في الاقتصاد العالمي خوفًا من تداعيات الانهيار الاقتصادي جراء الحرب، مما يقلل من الاعتماد على الطرق الالتفافية للتمويل على المدى البعيد، إلا أن نشاط الحرس الثوري وبنيته المالية والعسكرية ترجح استمرار المواجهة في هذا الصدد ولكن بالاعتماد على المزيد من الشبكات والوكلاء والأنظمة المالية البديلة.
>> العقوبات والأموال المجمدة: وُضع الإفراج عن الأموال المجمدة كشرط مرحلي في الاتفاق يرتبط بالتقدم في استحقاقات المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار من رفع الحصار على الموانئ الإيرانية بالتوازي مع إنهاء إغلاق إيران لمضيق هرمز في غضون 30 يومًا، والإفراج عن نصف الأموال بنحو 12 مليار دولار وعدم توقيع أي عقوبات جديدة خلال التفاوض، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية والتي تتضمن جوهر الصراع ممثلة في القضايا النووية، مما يظهر انتصارًا مرحليًا لإيران يمكنها من تسويق الاتفاق داخليًا دون تنازلات، لكن آليات الإفراج عن تلك الأموال وكيفية وصولها لإيران سواء بصورة أموال سائلة أو تقييدها باستخدامات محددة لا تزال غير واضحة. كما يُظهر النص المطروح "تعليق" العقوبات المفروضة على النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية مع منح الأخيرة حق الوصول الكامل لمواردها المالية الناتجة عن تجارة النفط تعد مكتسبًا مرحليًا لإيران يمكن أن يستمر شريطة التزام طهران بتنفيذ التزاماتها على طريق التوصل لاتفاق شامل، خاصة مع إقرار المذكرة بالتزام واشنطن وحلفائها بتقديم خطة لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
>> الملف النووي: جاء ترحيل الملف النووي محفزًا لجهود التهدئة من أجل نزع فتيل أزمة نووية إقليمية واستعادة الهدوء بمنطقة الخليج العربي، إلا أنه يمنح طهران ورقة ضغط تمكنها من العودة بالتفاوض إلى ما بعد هجمات يونيو 2025، في ظل الغموض بشأن مصير المواد عالية التخصيب. ويعد عامل الوقت محددًا رئيسيًا في حسم مصير الملف النووي، فمن جهة يأتي التفاوض على قضايا الاتفاق الشامل في المرحلة الثانية للاتفاق التي من المفترض أن تمتد حتى النصف الثاني من سبتمبر 2026، قبيل شهر ونصف تقريبًا من انتخابات التجديد النصفي، مما يجعل الإدارة الأمريكي في توقيت سياسي حرج، خاصة مع تضمين نص مذكرة التفاهم وفق النص المطروح إعلاميًا إمكانية تمديد الجدول الزمني إذا لم يتم التوصل لحل نهائي بحلول نهاية الستين يومًا، وهو ما يعزز موقف إسرائيل والساسة الموالين لها في الكونجرس الأمريكي إلى جانب ما ذهب إليه آخر تقييم للمخابرات المركزية الأمريكية من أن إيران لا تنوي تقديم تنازلات في المفاوضات النووية.





.jpg)






