النهار
الأحد، 17 يناير 2021 02:22 مـ
النهار

منحازون... للحقيقة فقط

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب: لماذا هاجر 7 آلاف طبيب إلى أوروبا؟

الكاتب الصحفي أسامة شرشر- رئيس تحرير جريدة النهار
الكاتب الصحفي أسامة شرشر- رئيس تحرير جريدة النهار

كشف تقرير المركز المصرى للدراسات الاقتصادية عن مفاجأة صادمة تتمثل فى هجرة 7 آلاف طبيب مصرى إلى الخارج، خاصة أوروبا وأمريكا وكندا، خلال الموجة الأولى لجائحة كورونا.

والتساؤل المهم هو: لماذا يهاجر أطباء مصر إلى الخارج بعد أن أنفقت الدولة على تعليمهم الكثير من الأموال ليصبحوا أطباء؟

وما الأسباب التى جعلت فئة من أهم فئات المجتمع تفكر فى البحث عن مكان آخر للعمل غير وطنها؟

هذه أسئلة مهمة، خاصة أن الأطباء وإن كانت مهنتهم مهمة دائمًا، فهى أشد أهمية الآن، فهم الجيش الأبيض الذى واجه ويواجه أخطر جائحة فى التاريخ الإنسانى الحديث وهى جائحة كورونا.

ولماذا لم تتحرك وزارة الصحة لبحث هذه الظاهرة الكارثية والأسباب الحقيقية وراء هجرة شباب الأطباء، خصوصًا فى هذا التوقيت الصعب؟

فهل يهاجر الأطباء بسبب تردى الأوضاع المادية؟ أم بحثًا عن دراسة أكاديمية أفضل؟ أم بحثًا عن التقدير والرعاية الكافية؟

أعتقد أن هذه كلها عوامل وأسباب وراء هجرة أطباء مصر للخارج للأسف الشديد.

ودعونا نحلل هذه الأسباب على أرض الواقع، فالأطباء فى مصر، للأسف الشديد، من أقل الفئات الوظيفية أجرًا، ومرتباتهم أصبحت مثارًا للسخرية بين بعض فئات المجتمع، وبالتالى فإن الإغراء المادى يكون شديدًا، خصوصًا مع المرتبات الخيالية التى يمكن أن يتقاضاها الطبيب نفسه فى دول الاتحاد الأوروبى أو أمريكا أو كندا والتى تصل فى بعض الأحيان لأكثر من 50 ضعفًا!، وهو عامل لا يمكن لعاقل أن يغفله أو يقلل منه، فالطبيب الشاب يبحث عن تحسين وضعه المادى ليناسب وضعه الاجتماعى، ولا يكون أمامه إلا إهمال عمله فى المستشفى والتركيز فى العيادة الخاصة أو الهجرة.

بالإضافة إلى أنه بعدما ظهرت جائحة كورونا، ساد شعور عام بين العاملين فى القطاع الطبى، وخصوصًا الأطباء، بأنهم يواجهون هذا الفيروس المجهول بلا اهتمام كافٍ أو رعايةٍ قويةٍ، خصوصًا فى حالة وفاة أحدهم، حيث يكون التعويض الرمزى البسيط للأسرة والمتمثل فى معاش شهرى هزيل وهزلى، ويدفع فاتورة هذا التجاهل المادى والمعنوى أسر الأطباء والعاملين فى القطاع الطبى.
والحقيقة أن وجود معاش محترم لأسر العاملين فى القطاع الطبى خلال جائحة كورونا يمثل ضرورة حتمية لأنه يعتبر أبسط حقوقهم، وهو ما جعلنى خلال الدورة السابقة للبرلمان أتقدم بمشروع قانون لمعاملة مصابى وأسر شهداء القطاع الطبى خلال جائحة كورونا، معاملة مصابى وأسر شهداء العمليات الحربية.

بالإضافة إلى ما نسمع عنه بين الحين والآخر من تعرض بعض الأطباء داخل المستشفيات لأعمال بلطجة من بعض أهالى المرضى، بل وصل الأمر فى أحيان أخرى إلى جر الأطباء إلى أقسام الشرطة، وهو الأمر الذى يجب التصدى له بحزم.. وأعتقد أن توعية المواطنين بخطوات محاسبة الأطباء هى أقصر الطرق لحل هذه الإشكالية، فنقابة الأطباء هى الجهة المنوط بها فنيًّا التحقيق فى أى قصور أو إهمال من أى طبيب.

وكذلك يوجد بعض شباب الأطباء الذين يهاجرون بحثًا عن دراسة أكاديمية أفضل، وهو ما يوجب تطوير نظم الدراسات العليا فى كليات الطب بالجامعات المصرية، لتكون عامل جذب لهؤلاء الأطباء الشباب للاستمرار فى العمل بمصر بدلًا من الهجرة.

والمفاجأة الأكثر خطورة أن حوالى 50% من أطباء مصر يتركون البلد بحثًا عن تحسين دخلهم المادى، فالفارق كبير وشاسع بين العمل فى مصر وخارجها، خصوصًا فى الناحية المادية، وأعتقد أن جائحة كورونا كانت كاشفة لتردى أحوال الأطباء فى مصر التى كانت تصدر الاستشاريين إلى الدول العربية على سبيل الإعارة ولسد العجز هناك ولفترات محدودة يعودون بعدها إلى بلدهم مصر.

وأؤكد أنه لن يتوقف سيل هجرة الأطباء من مصر إلى الخارج سواء للعمل بالخليج أو أوروبا وأمريكا، إلا إذا تم وضع لائحة مادية ونظام جديد منصف ومجزٍ لأجور هؤلاء الجنود المجهولين الذين يعملون فى صمت ويدفعون حياتهم ثمنًا لعلاج المرضى، وهذه الأجور لا تكافئ ما يبذلونه بل هى جزء بسيط من حقهم، فأجرهم عند الله أفضل وأجلّ.

فإذا كانت وزارة الصحة وضعت لائحة مالية جديدة فى قانون التأمين الصحى الجديد، فلماذا لا يتم تعميم هذه اللائحة على كل أطباء وزارة الصحة حتى لا نترك ثغرة لهجرة الأطباء المتميزين بعد سنوات طويلة من الدراسة فى كليات الطب المصرية؟!

فلن ينصلح حال النظام الصحى فى مصر إلا إذا شعر الأطباء بالأمان والاهتمام والرعاية الكافية ومعهم الفريق الطبى بكل تخصصاته، وهذا الأمان لن يتحقق إلا بالرعاية المادية والدعم الأكاديمى والتقدير المعنوى، بالإضافة إلى ذلك يجب أن تكون هناك تأمينات متميزة للأطباء والفريق الطبى حتى يشعروا بأن الحكومة معهم وليست عليهم.

فسبحان مغير الأحوال.. كان أطباء مصر فى الستينيات والسبعينيات هم أيقونة المجتمع المصرى والدول العربية، والآن أصبحت مصر طاردة للأطباء الذين يهجرون بلادهم؛ بحثًا عن الرزق وتحسين الوضع المادى والعلمى فى كل ربوع الدنيا.

فهذه صرخة من أطباء مصر العظام: أغيثونا يا حكومة يرحمكم الله.

ولا عزاء لهجرة أكثر من 7000 طبيب إلى أوروبا.

وشكر الله سعيكم.