د. أحمد عوض يطرح رؤية علمية لإعادة هيكلة منظومة التسميد الأزوتي للموالح في مصر
أكد الدكتور أحمد محمد عوض، أستاذ بقسم بحوث خصوبة الأراضي وتغذية النبات بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة بمركز البحوث الزراعية، أن إعادة هيكلة منظومة التسميد الأزوتي لمحصول الموالح أصبحت ضرورة في ظل ارتفاع تكلفة إنتاج الأسمدة وتزايد الضغوط على الموازنة العامة، مشددًا على أن ترشيد استخدام الأسمدة لا يعني بالضرورة انخفاض الإنتاجية أو تراجع جودة الثمار، وإنما يتطلب تطبيق أسس علمية تحقق الاستخدام الأمثل للأسمدة مع الحفاظ على القدرة التنافسية للموالح المصرية في الأسواق العالمية.
وأوضح في تصريحات خاصة للنهار، أن محصول الموالح يعد من أهم محاصيل الفاكهة في مصر، حيث تزيد المساحة المزروعة على 550 ألف فدان، ويصل الإنتاج السنوي إلى نحو 5 ملايين طن، كما تحتل مصر مكانة متقدمة عالميًا في تصدير البرتقال والموالح، وهو ما يجعل الحفاظ على إنتاجية البساتين وجودة الثمار مرتبطًا بالإدارة السليمة للتسميد.
وأشار إلى أن تبني أساليب الزراعة المستدامة أصبح ضرورة، باعتبارها نهجًا يحقق أعلى إنتاجية وجودة للمحاصيل مع الاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية والحفاظ على خصوبة التربة وترشيد استهلاك المياه وتقليل التلوث البيئي، لافتًا إلى أن المفهوم الحديث للزراعة المستدامة يشمل أيضًا خفض البصمة الكربونية من خلال ترشيد استخدام الأسمدة والمبيدات الصناعية، والتوسع في استخدام الأسمدة العضوية والحيوية، وتحسين إدارة التربة والري.
وأضاف أن الإفراط في استخدام الأسمدة النيتروجينية يعد أحد أهم مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فضلًا عن تأثيره السلبي على التوازن الغذائي للنبات، وزيادة النمو الخضري على حساب الإثمار، وارتفاع حساسية الأشجار للإجهادات البيئية، بينما يسهم التسميد المتوازن في تحسين جودة الثمار، ورفع نسبة السكريات والعصير، وإطالة العمر التخزيني، وتقليل تراكم النترات، بما يعزز فرص نفاذ الصادرات المصرية إلى الأسواق العالمية.
وأكد أن جميع بساتين الموالح لا تحتاج إلى نفس كميات السماد، إذ تختلف الاحتياجات وفق نوع التربة، وعمر الأشجار، والإنتاجية، والمادة العضوية، ونظام الري، ونتائج تحليل التربة والأوراق، مشيرًا إلى أن الاعتماد على معدلات تسميد ثابتة لجميع المزارع لا يتوافق مع النتائج العلمية الحديثة التي تؤكد ضرورة بناء برامج التسميد على الاحتياجات الفعلية للنبات.
وأوضح أن التربة نفسها تمد النبات بجزء من احتياجاته من النيتروجين من خلال المتبقي من المواسم السابقة، وتحلل المادة العضوية، والكمبوست، ونشاط الكائنات الحية الدقيقة، وهو ما يجعل الاحتياجات من الأسمدة المعدنية أقل من الاحتياجات الكلية للنبات عند الإدارة السليمة للتربة.
وأضاف أن كفاءة استخدام الأسمدة لا تعتمد على نوع السماد فقط، وإنما ترتبط أيضًا بتحسين بناء التربة، والإدارة الجيدة لمياه الري، وتنشيط الكائنات الحية الدقيقة، وإجراء التحليل الدوري للتربة، والحفاظ على صحة الجذور، وهو ما ينعكس على زيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد وتحسين العائد الاقتصادي للمزارع.
وأشار إلى أنه لا يمكن الاستغناء بشكل كامل عن الأسمدة الأزوتية المعدنية في بساتين الموالح التجارية، إلا أنه يمكن خفض الاحتياجات منها تدريجيًا عند تطبيق الإدارة المتكاملة للتغذية النباتية، موضحًا أن الكمبوست يحسن خواص التربة ويرفع المادة العضوية ويزيد كفاءة استخدام الأسمدة المعدنية، بينما تساعد الأسمدة الحيوية على تثبيت جزء من النيتروجين الجوي وتحسين نمو الجذور ورفع كفاءة امتصاص العناصر الغذائية، لكنها لا تمثل بديلًا كاملًا للأسمدة المعدنية.
وأكد أن الحل يتمثل في الإدارة المتكاملة للتغذية النباتية، والتي تعتمد على خمسة مصادر رئيسية للنيتروجين تشمل النيتروجين الموجود في التربة، والنيتروجين الناتج عن تحلل المادة العضوية، والكمبوست، والأسمدة الحيوية، ثم استكمال الاحتياجات بالأسمدة المعدنية فقط، بما يضمن حصول النبات على احتياجاته دون إسراف أو نقص.
ولفت إلى أن توزيع الأسمدة وفق مساحة الحيازة فقط ليس النظام الأمثل، لأن احتياجات المحاصيل تختلف من محصول لآخر، كما تختلف باختلاف عمر الأشجار والإنتاجية، داعيًا إلى ربط منظومة توزيع الأسمدة بالاحتياجات الفعلية للمحصول مع مراعاة نوع التربة ونتائج التحاليل، بما يحقق كفاءة أعلى وعدالة أفضل في توزيع الموارد.
وشدد على ضرورة التحول من مفهوم دعم السماد إلى دعم تغذية النبات، بحيث يحصل المزارع على احتياجات محصوله الغذائية بأعلى كفاءة وأقل تكلفة، مع توفير بدائل الأسمدة من خلال الجمعيات أو الإدارات الزراعية وفق مواصفات مضمونة.
واستعرض نموذجًا للاحتياجات النيتروجينية لمحصول الموالح في الأراضي القديمة، موضحًا أن متوسط الاحتياج يبلغ نحو 150 كيلوجرام نيتروجين للفدان سنويًا، ويمكن خفض جزء من الأسمدة المعدنية من خلال استخدام الكمبوست والأسمدة الحيوية، كما يؤدي تطوير نظم الري والتحول إلى الري بالتنقيط إلى رفع كفاءة استخدام السماد وتوفير كميات إضافية من الأسمدة الأزوتية.
ودعا المزارعين إلى إجراء تحليل دوري للتربة والأوراق، والانتظام في استخدام الكمبوست، والاستفادة من الأسمدة الحيوية المعتمدة، وتقسيم جرعات السماد الأزوتي وفق مراحل النمو، وعدم الإفراط في التسميد، مع رفع كفاءة نظم الري والتحول إلى الري بالتنقيط.
كما أوصى وزارة الزراعة بتطوير منظومة توزيع الأسمدة لتقوم على الاحتياجات الفعلية للمحاصيل، والتوسع في برامج تحليل التربة والأوراق، وتشجيع إنتاج الكمبوست والأسمدة الحيوية المعتمدة، وتدريب المرشدين الزراعيين على الإدارة المتكاملة للعناصر الغذائية، وإنشاء قاعدة بيانات قومية لخصوبة التربة، إلى جانب توفير مصادر موثوقة للأسمدة الحيوية ومحفزات النمو الطبيعية.
واختتم الدكتور أحمد عوض بالتأكيد على أن مستقبل قطاع الموالح في مصر لا يرتبط بزيادة كميات الأسمدة المستخدمة، وإنما برفع كفاءة استخدامها وتحويل منظومة الدعم من دعم المدخلات إلى دعم الإنتاجية والاستدامة، بما يسهم في الحفاظ على خصوبة التربة، وخفض تكاليف الإنتاج، وتعزيز القدرة التنافسية للموالح المصرية في الأسواق العالمية.

















.jpg)






