ترامب بين الصفقة والردع: مفاوضات إيران تكشف أزمة القرار الأمريكي والإسرائيلي
تتسارع التحركات السياسية المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب اتفاق إطاري جديد، في وقت تكشف فيه المواقف الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية عن مشهد أكثر تعقيداً من مجرد مفاوضات نووية أو ترتيبات لوقف الحرب.
ووفق قراءة قدمها لـ"النهار"، الخبير الاستراتيجي د. محمد خليل مصلح، فإن المشهد الراهن لا يُدار بمنطق الحسم التقليدي، بل بمنطق تداخل الضغوط والاستنزاف وتضارب الحسابات بين الأطراف المختلفة.
وبحسب هذه القراءة، فإن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن أن "الوقت يعمل لصالح" واشنطن ورفضه التسرع في إبرام الاتفاق، تعكس تصوراً أمريكياً يقوم على اعتبار الزمن أداة ضغط على إيران عبر العقوبات والحصار الاقتصادي المستمر. إلا أن هذا التصور، وفق التحليل، قد يتحول إلى عامل استنزاف سياسي واستراتيجي للولايات المتحدة نفسها، خاصة مع استمرار الحرب الاقتصادية دون تحقيق حسم سياسي واضح.
ويرى مصلح أن إيران لا تتعامل مع الحصار باعتباره ظرفاً مؤقتاً بانتظار رفعه، بل تستثمره في تطوير أدوات القوة غير التقليدية، بما يشمل المسيّرات والصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمية، وهو ما يجعل إطالة أمد التفاوض لا تعني بالضرورة زيادة الضغط على طهران، بل قد تؤدي إلى تآكل القدرة الأمريكية على فرض شروطها، وارتفاع كلفة الأزمة على واشنطن وحلفائها.
أزمة نتنياهو
وفي إسرائيل، تبدو المفاوضات الجارية مصدراً إضافياً للقلق السياسي والأمني، في ظل مخاوف متزايدة من اتفاق لا يحقق الأهداف الإسرائيلية المتعلقة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية أو الحد من النفوذ الإقليمي لطهران.
ويشير التحليل إلى أن الاجتماع الأمني الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قادة الائتلاف والأجهزة الأمنية لا يعكس استعداداً مباشراً للحرب بقدر ما يعكس إدارة لحالة قلق سياسي واستراتيجي متصاعدة. فبينما أعلن نتنياهو سابقاً اتفاقه مع ترامب على تفكيك منشآت التخصيب الإيرانية، تتحدث تقديرات إسرائيلية داخلية عن تراجع قدرة تل أبيب على التأثير المباشر في قرارات الإدارة الأمريكية.
وفي هذا السياق، يظهر التباين بين حاجة نتنياهو إلى استمرار مناخ المواجهة، سواء لأسباب أمنية أو داخلية مرتبطة بأزماته السياسية، وبين رغبة ترامب في تجنب الانخراط في حرب جديدة قد تفرض أثماناً انتخابية وسياسية مرتفعة. وتبعاً لذلك، يرى مصلح أن نتنياهو يواجه ما يسميه "مزدوجية العجز"، فهو غير قادر على دفع واشنطن إلى مواجهة شاملة، وفي الوقت ذاته عاجز عن وقف المسار التفاوضي الذي تمضي فيه الإدارة الأمريكية.
اتفاق هش
تتزامن هذه التقديرات مع معطيات متداولة حول تقدم فعلي في المفاوضات، وسط حديث عن موافقة إيرانية مبدئية على إطار عام للاتفاق، وإن كانت الصياغة النهائية لا تزال بحاجة إلى موافقات داخل مؤسسات القرار الإيرانية.
وبحسب المعطيات التي أوردها مصلح نقلاً عن تقارير إعلامية إسرائيلية وأمريكية، فإن الاتفاق المحتمل يتضمن عناصر تتعلق بتجميد تخصيب اليورانيوم، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع جزئي للعقوبات، والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، غير أن عدداً من الملفات الحساسة ما يزال محل خلاف.
وتبرز من بين هذه الملفات مسألة الأصول المجمدة وآليات الإفراج عنها، إضافة إلى الخلاف المتعلق بحرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، خاصة في لبنان، حيث تطالب تل أبيب بضمانات أمريكية تتيح استمرار عملياتها ضد حزب الله، بينما ترفض إيران إدراج مثل هذه التفاهمات ضمن أي اتفاق نهائي.
وفي ضوء هذه التعقيدات، يصف مصلح الاتفاق المرتقب بأنه "هش" وقابل للاهتزاز، لا سيما مع استمرار الشكوك الإسرائيلية حيال جدواه الأمنية، واستعداد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لسيناريو انهياره أو عدم رضاها عن مضمونه النهائي.
لبنان وغزة
ويحمل الاتفاق المحتمل تداعيات مباشرة على ملفات إقليمية متشابكة، وفي مقدمتها لبنان وغزة، باعتبارهما ساحتين ترتبطان بصورة متفاوتة بالتوازنات الإيرانية الأمريكية.
في لبنان، يُنظر إلى المفاوضات باعتبارها مرتبطة مباشرة بمستقبل الجبهة الجنوبية ودور حزب الله، خصوصاً مع إصرار إيران على إدراج ترتيبات تخص لبنان ضمن أي تفاهم نهائي، مقابل رفض إسرائيلي يطالب بحرية العمل العسكري الكاملة.
ويرى التحليل أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق نار أوسع ودعم الجيش اللبناني وإعادة ترتيب المشهد الأمني جنوب البلاد، لكنه في المقابل قد يطلق سجالاً داخلياً أكثر تعقيداً حول موقع حزب الله ومستقبل سلاحه، خاصة إذا رافق رفع العقوبات تراجع نسبي في مستوى الدعم الإيراني المباشر.
أما في غزة، فتبدو التأثيرات أقل مباشرة لكنها لا تقل أهمية. فاستمرار الهدنة المرحلية منذ أكتوبر 2025 لا يلغي حقيقة أن القطاع ما يزال ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية، وأن أي تفاهم أمريكي إيراني قد ينعكس على حجم الدعم المالي والسياسي والعسكري الذي تتلقاه الفصائل الفلسطينية.
ويشير مصلح إلى أن الاتفاق قد يوفر لإسرائيل مساحة أوسع لمحاولة فرض ترتيبات جديدة في القطاع أو الدفع نحو صيغ إدارية وأمنية مختلفة، بينما قد يؤدي خفض التوتر الإقليمي إلى زيادة الضغوط الدولية باتجاه إعادة الإعمار وتخفيف القيود المفروضة على غزة.
إقليم متحول
وفي قراءة أوسع للمشهد، يعتبر مصلح أن المنطقة لا تعيش مجرد جولة تفاوضية تقليدية، بل مرحلة إعادة تعريف لموازين الردع والنفوذ، حيث تتداخل القوة العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والحسابات السياسية بصورة غير مسبوقة.
وبحسب هذا التصور، تعتمد إيران على ما يصفه التحليل بـ"الردع بالإنهاك"، عبر إدارة الصراع بطريقة تستنزف خصومها سياسياً ونفسياً وتفرض عليهم التفاوض دون تقديم تنازلات حاسمة. في المقابل، تواجه واشنطن أزمة تتعلق بما يسميه مصلح "فائض القوة المعطل"، أي امتلاك أدوات عسكرية ضخمة يصعب تحويلها إلى مكاسب سياسية مستقرة.
أما إسرائيل، فتجد نفسها أمام فجوة متزايدة بين امتلاك القدرة العسكرية وبين القدرة على فرض نتائج سياسية طويلة الأمد، وهو ما يفسر حالة الارتياب من أي اتفاق لا ينهي بصورة قاطعة القدرة الإيرانية على استعادة برنامجها النووي أو الحفاظ على نفوذها الإقليمي.
وفي ظل هذه المعادلات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً مرتبطاً بقدرة الأطراف على تثبيت اتفاق طويل الأمد، أو ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من المواجهة غير المباشرة، حيث يستمر الصراع بأدوات أقل صخباً لكنها أكثر تعقيداً وتأثيراً في مستقبل الإقليم.

















.jpg)
_page-0001.jpg)




.jpg)
