خاص| من “دولة التلاوة” إلى “دولة الفنون”.. هل تستعيد مصر ريادتها الثقافية بقوة ناعمة جديدة؟
بعد النجاح اللافت الذي حققه برنامج “دولة التلاوة” داخل مصر وخارجها، وما أحدثه من حضور واسع وتأثير ثقافي ملحوظ، تتجه الأنظار نحو خطوة جديدة تستهدف توسيع هذا الزخم، مع توجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق برنامج “دولة الفنون” على نفس النهج، في محاولة لتعزيز الدور الثقافي المصري واستعادة مكانته التاريخية في مجالات الإبداع والمعرفة.
تأتي هذه الخطوة انطلاقًا من إدراك متزايد بأن مصر، التي طالما كانت مركزًا محوريًا للفنون والعلوم والتلاوة، تمتلك رصيدًا حضاريًا يمكن البناء عليه لإعادة تقديم نفسها كقوة ثقافية مؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي. فالفن لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة فاعلة في تشكيل الوعي العام وترسيخ الهوية الوطنية، خاصة في ظل تنافس ثقافي متصاعد بين الدول.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور رامي جلال عامر، الكاتب الصحفي وخبير السياسات الثقافية، في حديثه لـجريدة النهار المصرية، أن الدعوة لإطلاق برنامج “دولة الفنون والإبداع” تعكس فهمًا عميقًا لدور الثقافة كجزء من بناء القوة الناعمة. وأشار إلى أن هذه المبادرة تمثل تحولًا مهمًا في النظر إلى الفن باعتباره عنصرًا استراتيجيًا في بناء الإنسان، وليس مجرد نشاط هامشي.
إلا أن عامر شدد على أن نجاح المبادرة لا يتوقف عند إعلانها، بل يرتبط بقدرتها على التحول إلى مشروع مؤسسي متكامل، قائم على أسس واضحة من الحوكمة والتنظيم. فالتحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة هذا المشروع، وتحديد الجهات المسؤولة عنه، ووضع آليات فعالة لاكتشاف المواهب في مختلف المحافظات، مع ضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفئات.

كما أشار إلى أهمية بناء منظومة مترابطة تجمع بين الثقافة والتعليم والإعلام والقطاع الخاص، بما يخلق بيئة داعمة للإبداع ومستدامة التأثير. فبدون هذا التكامل، قد تظل المبادرة مجرد فكرة ملهمة لكنها محدودة النتائج.
ويرى أن التعامل مع “دولة الفنون” يجب أن يكون باعتباره مشروع دولة متكامل، وليس فعالية مؤقتة، وهو ما يتطلب توفير تمويل مستدام، وإنشاء قواعد بيانات للمواهب، وتطوير مسارات تدريب ورعاية، إلى جانب وضع مؤشرات دقيقة لقياس الأثر الثقافي والاجتماعي.
كما لفت إلى ضرورة ربط الفنون بالاقتصاد الإبداعي، وتطوير البنية التحتية الثقافية، وإدماج الفنون في العملية التعليمية، بحيث تصبح جزءًا من منظومة إنتاج القيمة داخل المجتمع، بما يسهم في تحقيق عوائد ثقافية واقتصادية في آن واحد.
واختتم عامر بالتأكيد على أن التحدي الأعمق لا يتعلق فقط بالمبادرة ذاتها، بل بكيفية تصور العلاقة بين الدولة والفن. فالفن بطبيعته مساحة حرة تنبع من المجتمع وتتوجه إليه، بينما يجب أن يظل دور الدولة داعمًا ومنظمًا، لا موجهًا أو مقيدًا. فالثقافة الحقيقية تُبنى بالتفاعل مع الجمهور، وكلما اقتربت من الناس واتسعت قاعدتها، زادت قدرتها على التأثير والاستمرار.
اقرأ ايضاً| عضو الشيوخ دكتور رامي جلال: ”التكنولوجيا ليست عدو للثقافة.. وقرار غلق بيوت الثقافة مؤسف وخطير”





















.jpg)

