النهار
السبت 25 أبريل 2026 07:02 مـ 8 ذو القعدة 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
مصرع فتاة صعقًا بالكهرباء داخل منزلها في قنا ضمن الحملة القومية ضد الجلد العقدي.. محافظ كفرالشيخ: تحصين 255 ألف رأس ماشية كانت بتجمع الغلال.. مصرع سيدة أصابتها دراسة قمح داخل الزراعات في قنا سفير الصومال بالقاهرة يهنئ القيادة المصرية والشعب والقوات المسلحة بمناسبة عيد تحرير سيناء انطلاق الورشة التدريبية للإعلاميين حول الطاقة المتجددة وسياسات تغير المناخ جهاز العبور الجديدة ينبه بإزالة مخالفات البناء ومنع التعديات خاص| من “دولة التلاوة” إلى “دولة الفنون”.. هل تستعيد مصر ريادتها الثقافية بقوة ناعمة جديدة؟ ”للمرة الأولي” البابا تواضروس يزور مقر البطريركية المسكونية بإسطنبول الإسكندرية تحتفي بتاريخها العالمي.. المحافظ يكرّم رئيسة أكاديمية الفنون بعد عروض مبهرة وموكب حضاري خبير علم نفس يكشف لـ«النهار» أسباب الخلافات الزوجية وكيفية التعامل معها جهاز تنمية المشروعات يرفع حجم التمويلات المقدمة لمشروعات أبناء سيناء البابا تواضروس يبدأ جولة رعوية خارجية تشمل تركيا والنمسا وإيطاليا وكرواتيا

ثقافة

الذكاء الاصطناعي يعيد كتابة تاريخ الفن: هل رسم إل غريكو “معمودية المسيح” بيده؟

الرسام الشهير إل غريكو
الرسام الشهير إل غريكو

في قلب مدينة طليطلة، ظلت لوحة “معمودية المسيح” لقرون طويلة شاهدة على عبقرية فنية… وغموض لم يُحسم. فمنذ تعليقها عام 1624 داخل كنيسة مستشفى تافيرا، بعد نحو عقد من وفاة الرسام الشهير إل غريكو، لم يتوقف الجدل حول هوية من رسمها فعليًا.

لوحة “معمودية المسيح”

اللوحة، الضخمة والمفعمة بالرمزية، تُصوّر السيد المسيح راكعًا تحت شعاع نور إلهي، بينما تحيط به الملائكة في مشهد مهيب يمزج الروحانية بالدراما البصرية. لكنها لم تكن مجرد عمل فني عادي، بل واحدة من آخر الأعمال التي ارتبطت باسم إل غريكو، ما جعلها محل شك لدى مؤرخي الفن لسنوات طويلة.

السبب؟ اختلافات أسلوبية دقيقة دفعت كثيرين للاعتقاد بأن الجزء الأكبر من اللوحة لم يكن من تنفيذ الفنان نفسه، بل من عمل ابنه، خورخي مانويل، بمساعدة فريق من الرسامين داخل ورشة والده، وهو أمر كان شائعًا في عصر النهضة.

لكن هذا اليقين القديم بدأ يتصدع.

El Greco Painting

في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Science Advances يوم 17 أبريل، كشف فريق بحثي من جامعة ويسترن ريزيرف عن نتائج قد تغيّر فهمنا لهذه اللوحة بالكامل. فقد استعان الباحثون بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل العمل الفني على مستوى مجهري غير مسبوق.

طور الفريق نموذجًا متقدمًا للتعلم الآلي أطلقوا عليه اسم “Patch”، وهو نظام يبدأ بمسح سطح اللوحة باستخدام تصوير ثلاثي الأبعاد عالي الدقة، لرصد أدق تفاصيل النتوءات والانخفاضات التي تتركها ضربات الفرشاة. ثم يُحوّل هذه البيانات إلى خريطة نسيجية دقيقة، تُقارن فيها أجزاء اللوحة سنتيمترًا بسنتيمتر.

معمودية المسيح

الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في جوهرها: إذا عجز النظام عن التمييز بين أجزاء مختلفة من اللوحة، فهذا يعني غالبًا أن اليد التي رسمتها واحدة.

وللتأكد من دقة النموذج، خضع “Patch” لاختبار أولي، حيث تم تدريبه على 25 لوحة لعدد من الفنانين، وأظهر أداءً وصفه الباحثون بـ”الاستثنائي”. بعد ذلك، انتقل إلى اختبار أكثر تعقيدًا، عبر تحليل أعمال إل غريكو نفسه.

من بين هذه الأعمال، كانت لوحة المسيح على الصليب، التي يُجمع المؤرخون على أنها من تنفيذ الفنان وحده. نجح النموذج في تأكيد هذا الافتراض، وهو ما منح الباحثين ثقة أكبر في نتائجه.

لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت عند تحليل “معمودية المسيح”.

فبدلًا من العثور على اختلافات واضحة تشير إلى تعدد الأيدي، كشف النموذج عن روابط خفية بين أجزاء اللوحة، حتى تلك التي كان يُعتقد سابقًا أنها من تنفيذ رسامين آخرين. هذه الروابط أوحت بأن العمل – في معظمه – يحمل بصمة فنان واحد.

صحيح أن هناك منطقة في أسفل اللوحة تبدو مختلفة، ويُرجح أنها أُضيفت لاحقًا، لكن بقية الاختلافات التي حيّرت المؤرخين لعقود، يمكن تفسيرها الآن بشكل مختلف: ربما كان إل غريكو يجرّب أساليب جديدة، أو يستخدم أدوات متنوعة، أو أن الزمن نفسه غيّر من ملامح ضربات فرشاته.

هذا الاكتشاف لا يعيد فقط الاعتبار للوحة، بل يفتح الباب أمام إعادة تقييم عدد كبير من الأعمال الفنية التي نُسبت سابقًا إلى ورش فنية جماعية.

ففي عصر النهضة، لم يكن الفنان يعمل وحده، بل كان يقود ورشة تضم متدربين ومساعدين، وهو ما يجعل تحديد “بصمة الفنان” أمرًا معقدًا. هنا تبرز أهمية تقنيات مثل “Patch”، التي لا تعتمد على بيانات مرجعية مسبقة، بل تستخرج الأنماط مباشرة من داخل العمل نفسه.

ورغم هذا التقدم، يؤكد الباحثون أن الطريق لا يزال طويلًا. فكما أشار الباحث الرئيسي أندرو فان هورن، فإن النموذج لم يصل بعد إلى مرحلة يمكنه فيها تفسير “أنظمة الممارسة الفنية” بشكل كامل، أي فهم كيف ولماذا تختلف ضربات الفنان داخل العمل الواحد.

لكن الطموح أكبر من مجرد تحديد الهوية.

ففي المستقبل، قد تتمكن هذه التقنيات من تتبع تطور الفنان نفسه، من سنوات تدريبه الأولى، إلى نضجه الفني، وحتى أسلوب ورشته الخاصة.

وهكذا، لم تعد اللوحات مجرد أعمال صامتة معلقة على الجدران… بل تحولت إلى نصوص حية، يمكن للعلم أن يقرأها من جديد، سطرًا سطر، وضربة فرشاة بعد أخرى.

موضوعات متعلقة