أمريكا بلا بوصلة ... ارتباك استراتيجي في ثلاث ساحات صراع
تواجه السياسة الخارجية الأمريكية حالة من الارتباك غير المسبوق في إدارة ثلاثة ملفات ملتهبة : الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتصعيد مع إيران، والصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. المشترك بين هذه الجبهات، وفق مراقبين، هو غياب استراتيجية شاملة واضحة، وضعف التنسيق بين الأدوات المستخدمة والأهداف المعلنة.
أوكرانيا.. ضغوط غير متوازنة
في الملف الأوكراني، أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحيزاً ملحوظ ضد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مقابل إحجام عن ممارسة ضغط فعلي على موسكو، رغم كونها الطرف الذي بدأ الحرب.
ورغم استمرار العقوبات على كيانات روسية، فإنها بدت محدودة التأثير مقارنة بالضغوط التي تعرضت لها كييف، سواء عبر تحميل أوروبا كلفة التسليح الأمريكي، أو عبر تقييد قدرة أوكرانيا على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
وفي ظل رئيس أمريكي غير مستعد للضغط المباشر على نظيره الروسي فلاديمير بوتين لوقف الحرب، تبدو مهمة المفاوضين الأمريكيين مقيدة بسقف سياسي منخفض.وتعقّد أهداف موسكو المعلنة أي فرصة لاتفاق قريب، ما يجعل التسوية شبه مستحيلة في الظروف الراهنة. ومع ذلك، يرى منتقدون أن مقربين من ترامب، بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، أضعفوا الموقف التفاوضي الأمريكي عبر الاستجابة لبعض المطالب الروسية، دون توظيف النفوذ الواسع الذي يمتلكه البيت الأبيض.
إيران.. رسائل متضاربة
في الجبهة الإيرانية، لا تبدو الصورة أكثر وضوحاً.فالهجمات الأمريكية - الإسرائيلية على إيران تفتقر، بحسب متابعين، إلى تعريف دقيق للهدف الاستراتيجي.
فبينما ألمح ترامب في تصريحات أولى إلى خيار "تغيير النظام"، عاد لاحقاً ليتجنب هذا الطرح، في حين أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن الهدف ليس إسقاط النظام. أما رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، فتحدث عن تقويض قدرة إيران على بسط نفوذها الخارجي.
هذا التباين في الرسائل امتد إلى تقييم التهديد نفسه؛ إذ صرّح ترامب بأن صواريخ إيرانية كانت جاهزة لاستهداف الولايات المتحدة، بينما أشار مسؤولون عسكريون إلى عدم وجود أدلة على خطة إيرانية وشيكة لمهاجمة الأراضي الأمريكية.
غياب البوصلة
في النهاية تكشف هذه الملفات الثلاثة عن أزمة أعمق تتعلق بغياب رؤية استراتيجية موحدة. فبدلاً من تحديد أهداف واضحة وتوظيف الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية لتحقيقها، تبدو السياسة الأمريكية وكأنها تتحرك بردود أفعال متفرقة، ورسائل متضاربة، وضغوط غير متوازنة.
في عالم يتسم بتصاعد التوترات وتداخل الأزمات، يصبح غياب البوصلة الاستراتيجية عامل مضاعف للمخاطر، لا على الخصوم فحسب، بل على مكانة الولايات المتحدة ودورها القيادي في النظام الدولي.


.jpg)












.jpeg)





.jpg)

