اللواء سمير فرج يكشف ل”النهار” أثر الحرب الأمريكية الإيرانية علي الاقتصاد العالمي والطاقة
إغلاق مضيق هرمز: تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة
في خضم تصاعد التوترات الأمنية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، شهدت حركة الملاحة في مضيق هرمز -أحد أهم الممرات البحرية في العالم - تعطلاً شبه كامل، مع تراجع ملحوظ في عدد السفن العابرة يوميًا بنسبة تُقدر بأكثر من 60% مقارنة بالمعدلات الطبيعية، ما أثار مخاوف اقتصادية واسعة على المستويين الإقليمي والعالمي.
فيمر عبر مضيق هرمز نحو 20 إلى 21 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، ونحو 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، إضافة إلى ما يقرب من 25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، خاصة من قطر. ما يجعل أي تعطيل في حركة الملاحة هناك كمن يقطع شريانًا اقتصاديًا حيويًا يغذي آسيا وأوروبا بالأساس.
وتعكس بيانات ملاحية حديثة تباطؤا حادًا في حركة المرور داخل المضيق في الاتجاهين، مع توقف عشرات الناقلات العملاقة في مياه الخليج أو قرب الموانئ انتظارًا لتحسن الوضع الأمني، بينما ارتفعت تكاليف التأمين البحري على السفن المارة بالمنطقة بأكثر من 200% وفق تقديرات شركات تأمين دولية، مع إدراج المنطقة ضمن نطاق المخاطر الحربية العالية.
هذا الشلل لا يعد مجرد تهديد جغرافي، بل يحمل تبعات مباشرة على أسعار الطاقة والتضخم العالمي. ففي تعاملات الأسواق العالمية، قفزت أسعار النفط في بعض الجلسات بنسبة تراوحت بين 8% و12%، متجاوزة حاجز 85 دولارًا للبرميل بعد أن كانت تدور حول 75–78 دولارًا، مع تحذيرات من إمكانية تخطي مستوى 100 دولار إذا استمر التعطيل لأسابيع. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسب قاربت 20% نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات القطرية.
اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، يؤكد في تعقيب خاص ل "النهار" أن إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة الطاقة البحرية يمثل ضربة اقتصادية مزدوجة: ليس فقط نتيجة خسارة الإيرادات لشركات النفط وارتفاع تكاليف الشحن، بل أيضًا لارتباطه الوثيق بقدرة الدول المنتجة للمحروقات على إيصال إنتاجها إلى الأسواق. ويشير إلى أن استمرار التعطيل سينشئ ضغوطًا اقتصادية كبيرة، من ارتفاع عالمي في أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات الكبرى والمستوردة للطاقة، خاصة في أوروبا وآسيا. مؤكدًا أن المنطقة عانت سابقًا من خسائر بقيمة نحو 9 مليارات دولار خلال الحرب الإيرانية الماضية وهو ما يُلقي بظلاله على النمو الاقتصادي والاستقرار المالي العالمي ، ويضيف أن أي تعطيل طويل قد يخصم ما بين 0.3% إلى 0.7% من معدل النمو العالمي السنوي، إذا استمرت الأزمة أكثر من شهرين، وهو ما ينعكس على أسواق الأسهم والعملات. كما سيتم تحميل اللوم للرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتباره مسؤولًا عن تفاقم التصعيد، خاصة في ظل الانتقادات الداخلية المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود في السوق الأميركية.
كما يشير فرج إلى أن أي تصعيد من الحوثيين في تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب أيضًا، سيضاعف التداعيات الاقتصادية، إذ إن الجمع بين المضيقين قد يعطل ما يقرب من 35% من تجارة الطاقة العالمية المنقولة بحرًا. وعلى ضوء هذا الواقع، يرى أن الرئيس ترامب سيحاول إنهاء المواجهة سريعًا لتفادي ضغط الأسواق والناخبين، لكنه يتوقع في الوقت نفسه أن تصبح إيران أكثر تشددًا في أي مفاوضات مستقبلية، خاصة بعد استخدامها ورقة المضيق كورقة ضغط استراتيجية. ويختم اللواء تصريحاته بالتأكيد على أن التحركات القادمة لأي دولة في المنطقة ستحتاج إلى حسابات دقيقة لتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع إيران.
من منظور إيراني، يشكل إغلاق مضيق هرمز مخاطرة كبيرة للاقتصاد، الذي يعتمد على صادرات النفط والغاز لتمويل ما يزيد عن 40% من الإيرادات العامة. إذ قد يؤدي توقف الصادرات إلى ضغوط على العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم الداخلي التي تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة، إضافة إلى صعوبة تمويل الواردات الأساسية.في وقت يعاني فيه الاقتصاد بالفعل من العقوبات الدولية.
إقليميًا، تواجه دول الخليج المنتجة للنفط مثل العراق والإمارات والسعودية خسائر يومية قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات في حال استمرار التعطيل الكامل، خاصة مع محدودية البدائل؛ فخطوط الأنابيب البديلة لا تستطيع نقل أكثر من 30–40% من الكميات المعتادة العابرة عبر هرمز. كما انعكس توقف الملاحة على ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، واضطراب سلاسل الإمداد، مع إعادة توجيه بعض السفن عبر رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الرحلات بنحو 10 إلى 15 يومًا ويرفع تكاليف النقل بشكل كبير.
على الصعيد العالمي، يضغط تعطل الملاحة على أسعار الغاز الطبيعي المسال، والمواد الخام، والبضائع المصنعة، مع تحذيرات من موجة تضخم جديدة قد تعيد سيناريو اضطرابات الطاقة التي شهدها العالم في أزمات سابقة. وقد حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من أن استمرار التصعيد في المنطقة سيؤثر بشكل مباشر على استقرار الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، في ظل حساسية الاقتصاد العالمي لأي صدمة في قطاع الطاقة.
يبقى مضيق هرمز مؤشرًا واضحًا على هشاشة الأمن الاقتصادي العالمي أمام الصراعات العسكرية والجيوسياسية، ويضع صانعي السياسات أمام تحد مزدوج: احتواء التصعيد العسكري من جهة، ومنع انتقال الصدمة إلى الأسواق العالمية من جهة أخرى، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الدولي يتعافى بصعوبة من أزمات متلاحقة.


.jpg)












.jpeg)





.jpg)

