نتنياهو يربط قرار غزة بـ«مجلس السلام» ويكشف مأزق الاحتلال بين التوسع والقيود الأمريكية
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن حكومته ستحدد، بالتشاور مع "مجلس السلام"، طبيعة الإجراءات المقبلة في قطاع غزة، في تصريح يعكس تحولا لافتا في طريقة إدارة الحرب والمرحلة الانتقالية داخل القطاع، ويثير تساؤلات متزايدة حول حدود القرار الإسرائيلي وحجم الأدوار الدولية التي باتت تتداخل في مستقبل غزة.
وجاءت تصريحات نتنياهو خلال مقابلة مع شبكة "CNBC" الأمريكية، نقلتها وسائل إعلام عبرية، بعد أيام من إقراره بتوسع الاحتلال الإسرائيلي داخل القطاع، وإعلانه أن الجيش يسيطر على نحو 60 بالمئة من مساحة غزة مع وجود نية لرفع هذه النسبة إلى 70 بالمئة.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ضوء الإعلان الأمريكي الصادر في 16 يناير عن اعتماد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، والتي تشمل "مجلس السلام" و"مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" و"قوة الاستقرار الدولية". ويشير إدخال هذه الأجسام في المشهد السياسي والإداري إلى أن ملف غزة لم يعد يُدار بوصفه عملية عسكرية إسرائيلية منفصلة، بل كجزء من مشروع سياسي وأمني أوسع تسعى واشنطن إلى هندسته بعد الحرب.
احتلال يتمدد
خلال المقابلة، ربط نتنياهو أي خطوة جديدة داخل القطاع بالتشاور مع "مجلس السلام"، قائلاً إن حكومته ستقرر متى تتخذ إجراءً في غزة وما هو نوع هذا الإجراء. ويأتي ذلك بعد أيام من تصريحات أثارت ردود فعل فلسطينية وإقليمية واسعة، حين أقر علناً بأن الجيش الإسرائيلي يحتل 60 بالمئة من القطاع وكشف عن خطة لتوسيع السيطرة إلى 70 بالمئة.
وتعكس هذه اللغة السياسية والعسكرية انتقال الحكومة الإسرائيلية من خطاب العمليات المؤقتة إلى خطاب إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية داخل القطاع، وهو ما تنظر إليه فصائل فلسطينية باعتباره محاولة لتكريس واقع احتلالي جديد تحت غطاء الترتيبات الأمنية والانتقالية.
وفي هذا السياق، دعت حركة حماس "مجلس السلام" إلى إعلان موقف واضح من التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بخطط السيطرة على معظم مساحة القطاع، معتبرة أن الصمت تجاه هذه الطروحات يمنح الاحتلال مساحة إضافية لفرض وقائع ميدانية تتجاوز مفهوم التهدئة أو الإدارة المؤقتة.
توتر مع ترامب
بالتوازي مع ملف غزة، سلطت المقابلة الضوء على التوتر المتصاعد بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية المفاوضات الجارية مع إيران والضغوط المرتبطة بالجبهة اللبنانية. وتجنب نتنياهو الرد المباشر على التقارير التي تحدثت عن "مكالمة صراخ" بينه وبين ترامب، أو عن أوصاف منسوبة للرئيس الأمريكي اعتبر فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية "مجنوناً".
واكتفى نتنياهو بالقول إن "الخلافات التكتيكية تحدث حتى داخل العائلات"، في محاولة لاحتواء الانطباع المتزايد داخل الأوساط السياسية والإعلامية العبرية بوجود تصدع في إدارة العلاقة مع البيت الأبيض، خصوصاً بعد تقارير تحدثت عن شعور ترامب بأن نتنياهو بات يهدد مسار المفاوضات مع إيران ويقود المنطقة نحو تصعيد غير محسوب.
ويكتسب هذا التوتر بعداً إضافياً بالنظر إلى توقيته، إذ جاء بعد تهديدات متبادلة مرتبطة بالضاحية الجنوبية لبيروت، وتحذيرات إيرانية من وقف المفاوضات وقصف مستوطنات شمال فلسطين المحتلة إذا مضت إسرائيل في توسيع عملياتها ضد لبنان.
إيران والعقدة
حرص نتنياهو خلال المقابلة على تأكيد استمرار التوافق مع واشنطن بشأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتوسيع مسار التطبيع الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد المرتبط بوقف إطلاق النار مع إيران بأنه "لعبة تكتيكية"، في إشارة تعكس استمرار انعدام الثقة بين الأطراف رغم وجود وساطات وتحركات سياسية مكثفة.
وتقود باكستان وساطة بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، قبل الوصول إلى وقف مؤقت لإطلاق النار في أبريل. غير أن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة توحي بأن تل أبيب ما تزال تتعامل مع الهدنة باعتبارها مرحلة قابلة للانهيار لا تسوية مستقرة.
ويكشف حديث نتنياهو عن "الانتظار لمعرفة ما إذا كانت إيران تريد العودة للقتال" عن استمرار العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على إبقاء احتمالات المواجهة مفتوحة، بالتوازي مع محاولة استخدام التهديد العسكري كورقة ضغط داخل المفاوضات السياسية.
تطبيع ومواجهة
لم تقتصر تصريحات نتنياهو على غزة وإيران، بل امتدت إلى مهاجمة قادة أوروبيين انتقدوا الحرب الإسرائيلية، وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، متهماً إياهم بالتودد لما وصفه بـ"الأقليات الإسلامية المتطرفة" داخل بلدانهم.
كما أعاد نتنياهو الترويج لفكرة توسيع اتفاقيات التطبيع، معتبراً أن هناك فرصة جديدة لما سماه "السلام الإقليمي"، ومشيراً إلى تغيرات جيوسياسية تدفع دولاً إضافية نحو إسرائيل، في محاولة لإبقاء مشروع التطبيع حاضراً باعتباره المخرج السياسي الموازي للحرب.
غير أن هذا الخطاب يواجه تعقيدات متزايدة بعد الحرب على غزة وتصاعد الإدانات الدولية، إذ باتت قدرة إسرائيل على تسويق التطبيع بمعزل عن القضية الفلسطينية أكثر صعوبة من السابق، فيما تبدو محاولات الجمع بين التوسع العسكري في غزة والحديث عن سلام إقليمي جزءاً من معادلة سياسية تحاول تل أبيب من خلالها تعويض مأزقها الميداني والدبلوماسي في آن واحد.

















.jpg)
_page-0001.jpg)




.jpg)
