د. أشرف حجر لـ«النهار»: الإدارة الذكية للاحتياطي النقدي عكست متانة وقوة المركز المالي لمصر في مواجهة التقلبات العالمية
- حجر: استخدام الذهب في التحوط النقدي بنحو 18.17 مليار دولار توجهًا استراتيجيًا واعيًا نحو تنويع أدوات الاحتياطي وتقليل الاعتماد النسبي على العملات الأجنبية
- منظومة الضرائب شهدت طفرة غير مسبوقة في التيسير علي الممولين ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة
- سياسات الشمول المالي أسهمت في تسهيل المعاملات المالية وتبسيط الإجراءات
- قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر يمتلك فرصا واعدة للنمو وتغير ثقافة الاقتراض الي المشاركة «ضرورة» لاستدامة التمويل ونمو الشركات
- صناديق الاستثمار من الادوات التمويلية القوية التي أتاحتها الدولة ينبغي الاستفادة منها
حوار: محمد الأطروش
في ظل التقلبات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتزايد التحديات المرتبطة بأسعار الفائدة والعملات وأسواق المال، تبرز إدارة الاحتياطي النقدي كأحد الأعمدة الرئيسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور أشرف حجر، مدير مركز مصر والشرق الأوسط للدراسات المالية والاقتصادية ونائب رئيس لجنة المالية والضرائب بالجمعية المصرية اللبنانية لرجال الأعمال، في حواره لـ"النهار"، أن السياسة الحالية لإدارة الاحتياطي النقدي تعكس توازنًا دقيقًا بين الحذر المالي وحسن توظيف الموارد، مشددًا على أهمية تعظيم دور الاحتياطي في دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على التكيف مع المتغيرات العالمية. وفي هذا الحوار، يقدّم «حجر» قراءة مهنية لمؤشرات الاقتصاد الكلي، واستقرار النقد الأجنبي، وانعكاساتها على متانة المركز المالي للدولة.
أكد "حجر"، أن إدارة الاحتياطي النقدي في المرحلة الحالية تعكس مزيجًا متوازنًا بين الحذر المالي وحسن توظيف الأدوات المتاحة، مشيراً إلى أن التحدي الأهم هو الحفاظ على هذا النهج، وتعظيم الاستفادة من قوة الاحتياطي في دعم الاستقرار الاقتصادي الشامل، بما يخدم أهداف النمو المستدام، ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على التكيف مع المتغيرات العالمية المتسارعة
وقال «حجر»، في القراءة المهنية في صعود الذهب واستقرار النقد الاجنبي، يتضح عند تحليل مؤشرات الاقتصاد الكلي، يظل صافي الاحتياطيات الدولية أحد أهم معايير قياس متانة المركز المالي للدولة، ليس فقط من حيث الحجم، وإنما من حيث طريقة الإدارة وكفاءة توزيع المخاطر، وفي هذا الإطار، فإن بلوغ صافي الاحتياطي من النقد الأجنبي مستوى 51.452 مليار دولار يعكس تحسنًا ملموسًا في قدرة الدولة على إدارة مواردها الخارجية، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بتقلبات حادة في أسعار الفائدة والعملات، واضطرابات ممتدة في الأسواق العالمية.
واضاف: ومن منظور مهني محاسبي، فإن اللافت في هذه الأرقام لا يقتصر على إجمالي الاحتياطي، بل يمتد إلى التحول الواضح في هيكل مكوناته، وتحديدًا الارتفاع الكبير في أرصدة الذهب التي سجلت نحو 18.17 مليار دولار.
أشار إلى أن هذا التطور يعكس توجهًا استراتيجيًا واعيًا نحو تنويع أدوات الاحتياطي، وتقليل الاعتماد النسبي على العملات الأجنبية التي تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية.
قال: ويكتسب هذا التوجه أهمية مضاعفة إذا ما نظرنا إلى الزيادة السنوية في احتياطي الذهب، والتي بلغت نحو 7.5 مليار دولار خلال عام واحد، وهذه الزيادة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد العالمي، حيث تشهد العملات الرئيسية ضغوطًا متزايدة، إلى جانب دورة تشديد نقدي عالمية رفعت من مخاطر تقلب أسعار الصرف، موضحا أن في مثل هذه الظروف، يظل الذهب أصلًا آمنًا، يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار النسبي، ويعمل كأداة فعالة للتحوط ضد تآكل القيم النقدية.
اضاف «حجر»، كما أن تعزيز رصيد الذهب ضمن الاحتياطي يبعث برسالة ثقة واضحة إلى المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين، مفادها أن السياسة النقدية في مصر لا تدار بردود أفعال قصيرة الأجل، وإنما وفق رؤية استباقية تأخذ في اعتبارها سيناريوهات المخاطر المختلفة، فوجود مكون قوي من الذهب يدعم الميزان الخارجي، ويعزز من قدرة الدولة على مواجهة أي صدمات مفاجئة في الأسواق العالمية.
تابع، ومن زاوية أوسع، فإن هذا التطور الإيجابي في الاحتياطي ينعكس بشكل غير مباشر على قوة المركز المالي للدولة، ويعزز من مصداقية السياسة النقدية، وهو ما ينعكس بدوره على تحسين نظرة المستثمرين للاقتصاد المصري، ودعم الثقة في قدرته على الاستمرار في الوفاء بالتزاماته الخارجية، والحفاظ على استقرار سوق الصرف.
وعن ملف الضرائب أكد أشرف حجر، أن منظومة الضرائب شهدت طفرة غير مسبوقة في التيسير علي الممولين ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة حيث من المنتظر رفع سقف الاعفاءات والتيسيرات في الحزمة الثانية لزيادة شريحة المستفيدين من الإعفاءات ما يحفز الغالبية من الشركات بمنظومة الاقتصاد غير الرسمي للتسجيل في المنظومة الضريبية وبالتالي ضبط المجتمع ضريبيا والحد من أزمة السوق الموازي وتحقيق العدالة الضريبية.
وشدد على أهمية أن تتماشي التسهيلات الضريبية مع قانون الشركات الصغيرة والمتوسطة من حيث تصنيف ومفهوم المشروعات الصغيرة، بما يتناسب مع الواقع الحقيقي لتصنيف الشركات حسب حجم أعمالها نتيجة المتغيرات الاقتصادية والسياسة المالية من تعويم الجنيه خاصة وأن القانون يتعلق بقطاع مهم يمثل 95% من هيكل الشركات بالاقتصاد وأكثر من 75% من فرص عمل للشباب.
كما شدد علي ضرورة غلق ملف النازعات الضريبية لتعزيز ثقة الممولين في المنظومة، مشيراً إلي ضرورة أن تتزامن هذه الحزم من التيسيرات الضريبية غير المسبوقة إلي غلق ملف النازعات الضريبية بشكل نهائي للحالات التي يسقط عنها حق الضريبة بالتقادم، كذلك التي حصلت علي احكام قضائية بما يتوافق مع توجه الدولة نحو دعم القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار.
أكد «حجر» أن سوق الخدمات المحاسبية في مصر تشهد طفرة كبيرة في ظل تطبيق سياسات الشمول المالي، حيث أسهمت هذه السياسات في تسهيل المعاملات المالية وتبسيط الإجراءات، بعد أن كان التفكير التقليدي يركز على وجود إدارات مالية متخصصة لتقليل الأعباء الضريبية المرتفعة.
أوضح أن التحول نحو الشمول المالي غير من طبيعة الدور التقليدي للإدارة المالية داخل الشركات، فلم يعد الهدف الرئيسي هو تقليص حجم الضرائب، بل أصبح التركيز على تطوير الأداء المالي والحوكمة، بما يواكب متطلبات الاقتصاد الرقمي وخطط الدولة في تعزيز الشفافية وزيادة كفاءة السوق.
أكد أن قطاع المشروعات المتوسطة في مصر يمتلك فرصا واعدة للنمو إذا ما تم الاعتماد على مناهج علمية واضحة، مشيرا الي أن قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة يحتاج بصورة دائمة إلى مصادر تمويل جديدة، بديلاً عن الاقتراض، مؤكداً أن ثقافة التمويل بالاقتراض يجب أن تتغير، الي التمويل بالمشاركة خاصة للشركات الناشئة التي لا تتحمل أرباحها كلفة خدمة الديون، حيث تعتبر المشاركة هي المسار الأفضل لتحقيق النمو إذا تمت على أسس علمية وقانونية واضحة.
ولفت إلى أن أسعار الفوائد البنكية في مصر ما زالت مرتفعة مقارنة مع نسبة الأرباح التي تحققها الشركات، مما يجعل الاعتماد على القروض البنكية خيارا يحتاج إلى دراسات متعمقة.
وأوضح أن الدولة أتاحت أدوات تمويلية قوية ينبغي الاستفادة منها، في مقدمتها صناديق الاستثمار المتخصصة، مشيرا إلى أن هذه الصناديق أصبحت تغطى قطاعات مختلفة مثل الصناعة، والبترول، والتكنولوجيا، والاستصلاح الزراعي، وإنتاج البلاستيك.
وأشار إلى أن انضمام الشركات المتوسطة أو العائلية أو الناشئة إلى هذه الصناديق يفتح أمامها فرصا كبيرة للنمو، من خلال زيادة رأس المال بما يسمح بجلب خطوط إنتاج جديدة، وشراء أراضٍ، والاستعانة بخبراء، وتطوير أنظمة التسويق، ورفع الطاقات الإنتاجية، وامتلاك مستشارين ماليين وقانونيين أكفاء، وبالتالي عقود واضحة، وموظفين، وقوائم مالية دقيقة، ومقرات تشغيل حقيقية، وهو ما يجعلها مؤهلة لجذب التمويل.
وقال: إن الشركات في حالة الاقتراض تتحمل تكلفة تمويل تتضاعف مرتين أو ثلاث في حين تحقق أرباحا بنسبة 15 أو 20% سنويا، لذلك يعتبر اللجوء إلى صناديق الاستثمار المتخصصة الحل الأمثل الذي يمنح الشركات فرصة للتوسع بشكل آمن ومستدام، بدلاً من المخاطرة بمستقبلها المالي، كذلك الإدراج في البورصة كأداة تمويلية أخرى.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور بدائل تمويلية أكثر مرونة مثل التمويل من خلال الجماهير الذى يتيح للشركات جذب أعداد كبيرة من صغار المستثمرين بدلا من الاعتماد على مستثمر استراتيجي واحد قد يفرض رؤيته وشروطه على الإدارة، حيث ان التمويل من الجمهور يفتح آفاقا أوسع للشراكة دون تعقيدات.
وأكد أن المسار الأمثل لقطاع الشركات المتوسطة والناشئة هو الشراكة القائمة على أدوات مالية وقانونية سليمة، ووجود مستثمرين شركاء يقتصر دورهم على ضخ رءوس الأموال دون التدخل في الإدارة.
وأكد أن العلاقة مع صناديق الاستثمار المتخصصة تقوم على الانضباط والشفافية الكاملة، حيث تعتمد على قوائم مالية لحظية ودقيقة، تمكن الصندوق من متابعة تنفيذ الخطط المعلنة بدقة، والتدخل لتصحيح الأوضاع، بما يضمن التزام الشركة بالخطة الموضوعة وحماية أموال المستثمرين.
واكد أن انضمام الشركات إلى صناديق الاستثمار المتخصصة لا يفتح فقط أبواب التمويل، بل يؤهلها كذلك إلى مسار تمويلى أكثر قوة يتمثل فى الإدراج بالبورصة، سواء فى السوق الرئيسية أو بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وقال إن الإدراج في البورصة يمثل مسارا تمويليا مثاليا للشركات، مقارنة مع وسائل التمويل التقليدية التى قد ترهقها بضمانات ثقيلة تصل أحيانا إلى حد تهديد استمرارها.
أوضح أن الحصول على التمويل من خلال البورصة أو صناديق الاستثمار يضمن للشركات استدامة تمويلية قوية دون الوقوع تحت ضغوط غير عادلة، ويمنحها فرصة للنمو والتوسع فى بيئة رقابية عادلة.

محرر جريدة النهار مع الخبير الاقتصادي الدكتور أشرف حجر


.jpg)

.png)








.jpg)
.jpeg)


