خاص| «البدناء الثلاثة»… حين يُخاطَب اليافعون بجدّية.. رواية روسية تعيد الاعتبار لأدب الطفل المفقود للمترجمة رولا عادل
أصبح أدب الطفل واليافعين من أكثر الأنواع الأدبية ندرة في السنوات الأخيرة، في ظل التحولات الجذرية التي طرأت على اهتمامات الأطفال مع التطور المتسارع لوسائل التكنولوجيا وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي، بما تحمله من آثار متباينة، سلبًا وإيجابًا، على وعي الأجيال الجديدة وعلاقتها بالقراءة. ومع ذلك، لم يغفل عدد من الأدباء والمترجمين أهمية مخاطبة الطفل في مراحله العمرية الأولى، عبر إعادة ربطه بالمسار الكلاسيكي الأهم في تشكيل الوعي الثقافي، وهو الكتاب، سواء من خلال التأليف أو ترجمة الأعمال المتخصصة التي تحترم عقل الطفل ولا تستخف به.

من بين أبرز هذه الإصدارات الحديثة، تأتي ترجمة رواية «البدناء الثلاثة» للكاتب الروسي يوري أوليشا، والتي نقلتها إلى العربية الكاتبة والمترجمة رولا عادل رشوان، في تجربة تُعد من أبرز محطاتها في ترجمة أدب اليافعين. وتتميّز الرواية بجديّة موضوعها، رغم اعتمادها على عالم يبدو مألوفًا لأدب الأطفال؛ إذ تدور أحداثها داخل قصر يملكه «البدناء الثلاثة»، ويتحرك فيه أطفال، ودمى، وبهلوانات، ومهرجون، إلى جانب شخصية الدكتور «جاسبر» أبو العلوم، في أجواء قريبة من السيرك والحكايات الخيالية.

كتب يوري أوليشا هذه الرواية عام 1924، ساعيًا إلى الحديث مع الأطفال بلغتهم وأجوائهم عن الثورة الروسية، وأسبابها وتداعياتها، دون أن يذكرها صراحة، بل يحاكيها رمزيًا داخل عالم طفولي، مؤمنًا بأن عقول اليافعين تحتاج إلى ما هو أعمق من الحكايات التقليدية عن الذئب والحملان أو شرب اللبن قبل النوم.
وتقول رولا عادل:
«جلس يوري أوليشا يومًا يقرأ حكايات الأخوين جريم، وحين أنهى القراءة أقسم أن يكتب أعظم قصة كُتبت للأطفال، وقد فعل ذلك بالفعل».
الترجمة بالنسبة لكِ هواية أم مجال عمل؟
رولا عادل: هي مجال عملي واهتمامي الأول، لكنها في الوقت نفسه هوايتي. المترجم لا بد أن يحب مهنته، وأن تكون بينه وبين النص علاقة حميمة، يستمتع بها رغم مشقتها. أحيانًا أمارس الترجمة بدافع الهواية الخالصة، فأترجم فقرات أو نصوصًا أحبها دون أن يكون ذلك ضمن خططي المهنية.
هل «البدناء الثلاثة» أول عمل للأطفال تترجمينه؟
الحقيقة هو العمل الثاني. الأول كان «بابا ياجا – قصص روسية شعبية»، الصادر عام 2019 عن دار كتوبيا، وحصل على جائزة أفضل كتاب مترجم في أدب الطفل من معرض القاهرة الدولي للكتاب. «البدناء الثلاثة» يقع ضمن أدب اليافعين، لكنه في الواقع نص يصلح لكل الأعمار، وأظن أنه سيحظى بإعجاب البالغين أيضًا.

لماذا اخترتِ يوري أوليشا تحديدًا؟
لأنه كاتب عظيم، وموضوعاته في أعماله الموجهة للكبار شديدة العمق في النفس البشرية، ولغته أحيانًا ثقيلة. فضولي كان معرفة كيف سيكتب هذا الكاتب بلغة سلسة لليافعين، وكيف سيحكي عن السيرك والبهلوانات والدمى.
هل الكتاب موجه لفئة عمرية بعينها؟
هو مصنّف لليافعين، لكنه يُدرَّس في روسيا للأطفال في سن أصغر، ما يؤكد مرونته وقدرته على مخاطبة أعمار متعددة.

هل كانت النسخة الأصلية مصحوبة برسوم؟
نعم، بعض النسخ كانت تحمل رسومًا، بل تحوّل العمل إلى فيلم، وإلى نصوص مختصرة مصورة للأطفال.
كيف تم التنسيق بينكِ وبين الرسام؟
تبادلنا النقاش طويلًا بعد اقتراح دار النشر إصدار الكتاب مصحوبًا برسوم. أجريت بحثًا موسعًا عن النسخ الروسية المصورة والفيلم، وأعددت ملفًا كاملاً بالمواد البصرية، وناقشنا أكثر من تصور حتى وصلنا للشكل النهائي.
هل واجهتكِ صعوبات في الترجمة؟
كل ترجمة لها صعوباتها، من اختيار المعاني الدقيقة بين المترادفات، إلى المراجعة النهائية للنص.

هل تم التعريف بالكاتب داخل الكتاب؟
هناك نبذة عن المؤلف، لكن ذلك ليس دائمًا التزامًا إلزاميًا. المهم تقديم القدر الكافي الذي يخدم النص، ومن أراد الاستزادة فالبحث متاح.
هناك من يرى أن أدب الطفل المترجم يحمل أيديولوجيات معينة… رأيك؟
المترجم لا يتجادل مع أيديولوجيا الكاتب، هو رسول ينقل النص كما هو، بأفكاره ومحتواه.
هل تم حذف أجزاء لتناسب القارئ العربي؟
لم يتم حذف شيء. الرواية تتناول لحظة تاريخية صعبة في روسيا، تشمل القمع والإعدامات. شعرت في البداية بثقلها، لكن نقل التجربة كاملة كان الأهم. الترجمة تعني تبادل الثقافات والتعرف إلى تجارب الآخرين كما هي.
بهذا العمل، تعود الجدية إلى أدب اليافعين، ويُعاد الاعتبار لفكرة أن الطفل قارئ حقيقي، قادر على الفهم والتأمل، لا مجرد متلقٍ لحكايات عابرة، في خطوة تُحسب لترجمة واعية تحترم عقل القارئ العربي الصغير.


.jpg)


.png)

















.jpg)
.jpeg)


