خالص| «فئران أليفة».. حين يتحوّل البيت إلى خرابة: حوار مع نسمة عودة بعد فوزها بجائزة ساويرس
بعد إعلان فوز مجموعتها القصصية «فئران أليفة» بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية، بدت الكاتبة نسمة عودة وكأنها خرجت لتوّها من عالمها السردي المظلم، لا لتحتفل، بل لتتأمل. فالمجموعة الصادرة عن دار المحرر للنشر والتوزيع لا تقدم حكايات للمتعة، بقدر ما تفتح أبواب بيوت مغلقة على الخوف، وتكشف ما يُخفى عادة خلف جدران العائلة.
في «فئران أليفة» لا تكون العائلة دائماً مصدر الدفء، ولا يصبح البيت مكاناً آمناً بالضرورة. على العكس، ينقلب الأبوان أحياناً إلى مصدر للقسوة، ويتحوّل البيت إلى ما يشبه الخرابة، لا يخرج منها سوى التشوه والأذى. ومن داخل هذه البيوت/الخرابات، تصوغ نسمة عودة عالمها القصصي، حيث تكون الضحية غالباً هي الابنة: مرة نعيش معها طفولتها وجراحها الأولى، ومرة نراها شابة تحمل ندوبها إلى معركة حياة خسرتها قبل أن تبدأ. وفي أقسى النماذج، نراها وقد أعادت إنتاج التشوه ذاته، حين صارت أماً واتخذت من الأمومة فرصة لخلق نسخ أخرى من الألم.
لا حلاوة للبدايات هنا، ولا عزاء في النهايات. الرحلة خاطفة، موجعة، ومقصودة القسوة.
عن بداياتها مع الكتابة، تقول نسمة عودة إن الأمر لم يكن نتيجة تشجيع من أحد. بدأت الكتابة منذ أن كانت في السابعة من عمرها، لكنها ظلت لسنوات طويلة تكتب لنفسها فقط، بلا نية للنشر أو انتظار قارئ. قرار النشر جاء متأخراً، في اللحظة التي شعرت فيها أن كتابتها خرجت من الدائرة الذاتية الضيقة إلى مساحة أرحب. ومع ذلك، تؤكد أن الكتابة بالنسبة لها ليست ترفاً ولا ممارسة مريحة، بل تجربة مؤلمة بكل معنى الكلمة. تقول إنها تتألم فعلاً أثناء الكتابة، وأحياناً تطاردها شخصياتها في الأحلام، غاضبة منها، مطالبة بحقوقها. قد يبدو الأمر مبالغة للبعض، لكنه – كما تؤكد – حقيقي، قاسٍ، ومؤلم. تضرب مثالاً ببطلة أُجهضت طفلتها قسراً، فحلمت بها تطالب بابنتها، وكأن النص لم ينتهِ عند الصفحة الأخيرة.
وعن مسارها الأدبي، توضح أن «فئران أليفة» هي عملها الأول المنشور، وهو مجموعة قصصية. أما العمل القادم فهو رواية من المقرر صدورها في معرض الكتاب، ليكون ذلك عملها الثاني المنشور، بينما تعمل حالياً على رواية ثالثة لم تنتهِ منها بعد.
الخلفية الأكاديمية لنسمة عودة تبدو بعيدة ظاهرياً عن السرد القصصي، لكنها في الحقيقة تفسر الكثير من اختياراتها. فهي خريجة كلية الآداب، قسم اللغات الشرقية، ومترجمة عن اللغة الفارسية، درست النقد المسرحي في دبلومات متخصصة، وتعمل حالياً باحثة ماجستير في المسرح، إلى جانب عملها كمحررة أدبية. هذا التداخل بين المسرح والترجمة والأدب ترك أثره الواضح على رؤيتها للكتابة.
وعن تأثير الأدب الفارسي تحديداً، تشير إلى أن حركة الترجمة عن الفارسية في مصر ليست واسعة الانتشار مقارنة بلغات أخرى، وأن عملها كمترجمة اقتصر في الغالب على الترجمة الصحفية. لكنها تؤكد في المقابل تأثرها العميق بالشعر الفارسي، أكثر من الرواية والقصة، وهو تأثير سيظهر بشكل أوضح في عملها الروائي القادم، وإن كانت تفضل تسميته «سيرة غيرية» أكثر من كونه استلهاماً مباشراً أو نموذجاً من الأدب الفارسي.

وبسؤالها عن ردود الفعل والانتقادات التي تلقتها بعد نشر مجموعتها، تقول إن التجربة كانت هادئة على غير المتوقع. لم تتلقَّ تعليقات سلبية تُذكر، ربما لأن العمل هو الأول ولم يُقرأ على نطاق واسع بعد. ومع ذلك، فإن المراجعات التي وصلتها كانت في مجملها إيجابية، وهو ما تعتبره دافعاً لا مبرراً للاطمئنان.
أما عن الجدل الذي أُثير حول حجب المركز الأول في فرع القصة القصيرة، والحديث عن ضعف فنيات القصة في بعض الأعمال المتقدمة، فترى أن حصول مجموعتها على المركز الوحيد المتاح هو في حد ذاته مؤشر على قبول ذائقة اللجنة للعمل. لكنها في الوقت نفسه تعلن موقفها بوضوح: هي مع التجريب، ومع التغيير، وضد الجمود في كتابة القصة القصيرة بصيغها التقليدية. تؤمن بأن الكتابة في النهاية وجهة نظر، وأسلوب خاص، وصوت يجب ألا يُقمع بحثاً عن رضا لجان التحكيم.
تؤكد نسمة عودة أن الكاتب إذا كتب لإرضاء اللجان، سيقدم نصاً مكتملاً من حيث الشكل، لكنه بلا روح أو إحساس. لذلك، ترى أن على الكاتب أن يكتب نفسه أولاً، وأن يدافع عن صوته الخاص مهما كان مختلفاً. وترفض تماماً المقارنة بين الرواية والقصة القصيرة، فكل فن – من وجهة نظرها – عالم مستقل بقوانينه وأدواته. وميل الذوق العام إلى الرواية لا يعني بالضرورة التقليل من شأن القصة القصيرة أو وضعها في مرتبة أدنى.
في «فئران أليفة»، لا تقدم نسمة عودة حلولاً ولا عزاءً. هي فقط تفتح الباب، وتترك القارئ أمام سؤال موجع: ماذا لو كان البيت، الذي يُفترض أن يحمينا، هو أول مكان نتعلم فيه الخوف؟
اقرأ ايضاً| حين صمتت الجائزة وتكلم الخطاب.. حكاية حجب «ساويرس» للقصة القصيرة والغضب الذي تلاه


.jpg)

.png)

















.jpg)
.jpeg)


