النهار
الإثنين 5 يناير 2026 03:00 مـ 16 رجب 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
تحت الرئيس عبد الفتاح السيسي.. بريطاني من أصل مصري وفلبيني يفوزان بجائزة مكتبة الإسكندرية العالمية (مناصفةً) لجنتي النقل والرحلات والمدارس بغرفة الإسكندرية تناقش صعوبة إجراءات الافراج عن الاتوبيسات النيابة تعاين موقع حريق أم بيومي لكشف أسبابه.. مصرع أم وطفليها داخل شقة بقليوب كاسبرسكي: غالبية الخبراء التقنيين في مصر يتجهون نحو اعتماد المناعة السيبرانية أرقام قياسية لمنتخب مصر مع حسام حسن قبل مواجهة بنين بأمم أفريقيا نقلة نوعية في التنظيم المالي: الرقابة المالية تطلق أول شبكة مدفوعات رقمية للقطاع غير المصرفي وزارة التخطيط في 2025: طفرة رقمية غير مسبوقة وتوسّع تاريخي في مراكز خدمات مصر هذه الزيارة تدخل الفرح والسرور علي قلوبنا..البابا تواضروس خلال استقباله شيخ الأزهر ووزير الأوقاف والمفتي للتهنئة بعيد الميلاد المجيد وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس الثاني بمناسبة عيد الميلاد المجيد منتخب مصر يواجه بنين بالزي التقليدي في أمم إفريقيا البنك المركزي: 42.5% زيادة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة يناير/نوفمبر من عام 2025 اليوم.. عزاء السيناريست هناء عطية بمسجد عمر مكرم

عربي ودولي

اعتقال مادورو يفتح سجل التدخلات الأميركية عبر التاريخ… فمن التالي؟

صورة توضح تاريخ التدخلات الأمريكية من صدام حسين إلي مادورو
صورة توضح تاريخ التدخلات الأمريكية من صدام حسين إلي مادورو

في سابقة تعكس تصعيدًا غير مسبوق، أعادت الولايات المتحدة رسم حدود التدخل الخارجي بعد تنفيذ عملية عسكرية معقدة داخل العاصمة الفنزويلية كاراكاس، انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو من القصر الرئاسي ونقله خارج البلاد تمهيدًا لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات ومكافحة الإرهاب. خطوة فجّرت عاصفة من التساؤلات حول مستقبل السيادة الوطنية وحدود الشرعية الدولية.

العملية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوصفها "ضربة ناجحة وواسعة النطاق"، لم تكن حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تدخلات واشنطن ضد قادة وأنظمة اعتبرتهم خارج دائرة مصالحها، مستخدمة مزيجًا من القوة العسكرية والضغط القانوني والدبلوماسي، تحت عناوين تتغير شكليًا وتبقى جوهريًا واحدة.

سجل ممتد من التدخلات: عقيدة ثابتة وأدوات متغيرة...نمط أميركي متكرر

لا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن السجل التاريخي الطويل للتدخلات الأميركية، الذي يكشف عن نمط ممنهج يجمع بين استخدام القوة العسكرية حينًا، والأدوات القانونية والاقتصادية والاستخباراتية حينًا آخر لإعادة تشكيل أنظمة الحكم بما يخدم المصالح الأمريكية.

فمنذ الحرب الباردة، لعبت الولايات المتحدة دورًا مباشرًا في إسقاط حكومات منتخبة أوأنظمة رافضة لهيمنتها، خصوصًا في أميركا اللاتينية، التي اعتُبرت تاريخيًا مجالًا حيويًا لا يُسمح بخروجه عن النفوذ الأميركي

ففي تشيلي عام 1973، دعمت الولايات المتحدة انقلابات عسكرية خلال الحرب الباردة، أبرزها الإطاحة بحكومة سلفادور أليندي المنتخبة ديمقراطيًا عبر دعم مباشر للجيش بقيادة أوغستو بينوشيه، بذريعة وقف «المد الشيوعي»رغم أن جوهر الصراع كان متعلقًا بتأميم الموارد وتحرر القرار الوطني.

وتكرر المشهد في غواتيمالا عام 1954، حين أسقطت وكالة الاستخبارات المركزية حكومة جاكوبو آربينز بعد مساسه بمصالح شركات أميركية عملاقة،حين حاول تأميم هذه الشركات، تحت لافتة حماية الأمن القومي الأميركي في تدخل اعتُبر لاحقًا نموذجًا كلاسيكيًا لاستخدام الانقلابات كأداة سياسية.

وفي بنما عام 1989، أطاح الغزو الأميركي بالجنرال مانويل نورييجا ونُقل إلى واشنطن لمحاكمته. كما شهدت هايتي وهندوراس مسارات مشابهة، حيث امتزج التدخل السياسي بالقانوني لإزاحة قادة غير مرغوب فيهم.

أما في الشرق الأوسط، فقد تجلّى التدخل الأميركي بأوضح صوره في إيران عام 1953، حين أُطيح برئيس الوزراء محمد مصدق عقب قراره تأميم النفط الإيراني، في عملية استخباراتية مشتركة أعادت الشاه إلى الحكم بضمانات أميركية–بريطانية.

وتكرّر المشهد بصورة أكثر دموية ووضوحا في العراق عام 2003، حين قادت الولايات المتحدة غزوًا شاملًا انتهى باعتقال صدام حسين ومحاكمته تحت شعار امتلاك أسلحة دمار شامل— قبل أن يتبين زيف الادعاءات و عدم صحتها—لتبرير الغزو الذي أدى إلى انهيار الدولة وصعود الفوضى والإرهاب.

وفي أفغانستان، دخلت الولايات المتحدة في أطول حروبها عقب هجمات 11 سبتمبر تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، لكنها انتهت بانسحاب مرتبك وعودة حركة طالبان إلى السلطة. كما استخدمت واشنطن سلاح العقوبات الاقتصادية كسلاح بديل للتدخل العسكري، كما في كوبا وإيران وفنزويلا، حيث تحولت العقوبات إلى أداة ضغط على المجتمعات والأنظمة معًا.

وفي ليبيا عام 2011، شاركت واشنطن في عملية عسكرية تحت مظلة حلف «الناتو» وبغطاء «حماية المدنيين»، انتهت بإسقاط نظام معمر القذافي، لكنها فتحت الباب أمام انهيار الدولة وصعود الميليشيات، في نموذج صارخ لتحويل التدخل الإنساني إلى تغيير قسري للأنظمة دون رؤية لما بعده. أما في سوريا، فقد اتخذ التدخل الأميركي طابعًا غير مباشر، عبر دعم فصائل مسلحة، وفرض عقوبات اقتصادية خانقة، والسيطرة على مناطق غنية بالنفط شرق البلاد، تحت عناوين محاربة الإرهاب ومنع تمدد النفوذ الروسي والإيراني.

وفي أوكرانيا، برز شكل مختلف من التدخل، قائم على الدعم العسكري والاستخباراتي والمالي الواسع، وتحويل البلاد إلى ساحة استنزاف جيوسياسي في مواجهة روسيا، مع توظيف مكثف للأدوات الاقتصادية والعقوبات، في إطار صراع يعيد إحياء منطق الحرب الباردة بثوب جديد.

تُظهر هذه النماذج أن التدخل الأميركي لم يعد يقتصر على الغزو العسكري المباشر، بل تطور إلى منظومة متكاملة تشمل الانقلابات ، الاغتيالات السياسية ، العقوبات، توظيف القضاء والقانون الدولي، الحصار الاقتصادي، ودعم قوى محلية بديلة، بما يسمح لواشنطن بفرض نتائج سياسية دون تحمّل كلفة احتلال طويل وهو ما يجعل اعتقال مادورو ليس استثناءً، بل امتدادًا لنهج راسخ يعيد تعريف السيادة وفق ميزان القوة لا قواعد القانون الدولي.

اللافت أن القاسم المشترك في معظم هذه التدخلات هو استهداف دول تمتلك موارد استراتيجية، أو تقع في مناطق ذات ثقل جيوسياسي، أو تحاول الخروج من الفلك الأميركي نحو تحالفات بديلة. وهو ما يعزز فرضية أن الصراع لا يدور حول الديمقراطية أو القانون، بقدر ما يتمحور حول من يملك القرار والسيطرة في النظام الدولي، ومن يُسمح له بالبقاء خارجه.

ولذلك فإن الذرائع اختلفت بين «مكافحة المخدرات»، و«محاربة الإرهاب»، و«نشر الديمقراطية»، لكن النتيجة واحدة: إعادة تشكيل أنظمة الحكم بما يتسق مع المصالح الأميركية.

قراءة أمنية: العقيدة قبل القانون

وفي هذا السياق، يرى مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية، اللواء محمد عبد الواحد، أن ما جرى في فنزويلا يمثل تطبيقًا عمليًا صارخًا للعقيدة الأميركية القائمة على منع أي قوى معادية من الاقتراب من مجالها الحيوي. ويوضح :"هذه العقيدة، الممتدة جذورها إلى القرن التاسع عشر، يعاد توظيفها اليوم بأدوات أكثر حدّة تحت إدارة ترمب".

ويؤكد عبد الواحد أن:"المبررات المعلنة، وعلى رأسها مكافحة المخدرات، لا تنسجم مع الواقع، إذ تُعد فنزويلا دولة عبور لا إنتاج".كما يشير إلى أن الدافع الحقيقي يتمثل في السيطرة على الموارد، خصوصًا احتياطيات النفط الأكبر عالميًا، باعتبارها ركيزة للهيمنة الغربية واستمرار الأحادية القطبية.

كما يلفت إلى أن تصنيف فنزويلا ضمن المعسكر اليساري المقرّب من روسيا والصين وكوبا جعلها هدفًا مباشرًا في الصراع الدولي، مشيرًا إلى أن الحشد العسكري المستخدم هو الأكبر منذ أزمة خليج الخنازير عام 1961، في ظل إدراك أميركي كامل لاختلال موازين القوى.

ما بعد الاعتقال

صعّد الرئيس دونالد ترمب خطابه تجاه فنزويلا، ملوّحًا بأن رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز «قد تكون التالية»، محذرًا من أن عدم القيام بما وصفه بـ"الصحيح" سيترتب عليه ثمن باهظ… وربما أكبر مما دفعه مادورو، في إشارة اعتبرها مراقبون تكريسًا لمنطق العقاب السياسي القائم على معايير تحددها واشنطن وحدها.

كما أن اعتقال مادورو يفتح الباب أمام سيناريوهات مضطربة داخل فنزويلا، تتراوح بين فراغ أمني وفوضى محدودة، أو فرض سيطرة أميركية غير مباشرة عبر أدوات سياسية وأمنية. وفي كل الأحوال، يطرح الحدث سؤالًا جوهريًا: هل دخل العالم مرحلة تُدار فيها الصراعات بالقانون حينًا وبالدبابات حينًا آخر، دون رادع دولي حقيقي؟

مادورو أولًا… فمن التالي؟

لم تقتصر ارتدادات عملية اعتقال نيكولاس مادورو على الداخل الفنزويلي، بل سرعان ما تحولت إلى موجة تهديدات ورسائل سياسية صريحة وجّهتها واشنطن إلى دول أخرى، في مشهد يعكس انتقال الولايات المتحدة من سياسة الضغط غير المباشر إلى أسلوب الإنذار العلني.

دخلت كولومبيا بدورها دائرة التصعيد الأميركي، بعدما وجّه الرئيس دونالد ترمب رسائل حادة وغير مسبوقة تجاه الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو. فقد لوّح ترمب بإمكانية أن تكون كولومبيا «التالية» إذا لم تُغيّر سياساتها، خصوصًا في ما يتعلق بملف المخدرات، متهِمًا القيادة الكولومبية بالتراخي، ومهددًا بفرض عقوبات اقتصادية قاسية ووقف المساعدات الأميركية. كما ألمح إلى خيار التدخل العسكري تحت مظلة ما وصفه بـ«الحرب على الجريمة المنظمة».

وجاء رد الرئيس الكولومبي بلهجة غاضبة، معتبرًا أن هذه التهديدات تكشف منطقًا استعماريًا جديدًا يُعيد إنتاج التدخل الخارجي تحت ذرائع أمنية، ومحذرًا من أن تحويل مكافحة المخدرات إلى أداة ابتزاز سياسي يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

وتزامنت هذه التصريحات مع جدل واسع أثارته كاتي ميلر، زوجة مستشار ترامب للأمن الداخلي، بعد نشرها خريطة لجزيرة غرينلاند ملوّنة بألوان العلم الأميركي، في خطوة اعتُبرت رسالة سياسية مباشرة تتجاوز الاستفزاز الرمزي. كما أعلن ترمب صراحة أن الولايات المتحدة «بحاجة ماسة» إلى الجزيرة، مبررًا ذلك بمزاعم عن تطويقها بسفن روسية وصينية. ورغم انتماء غرينلاند إلى دولة عضو في حلف الناتو، فإن هذا التصريح عكس استعدادًا أميركيًا لإعادة طرح فكرة السيطرة على مناطق استراتيجية تحت غطاء التنافس الدولي مع موسكو وبكين. وجاء الرد الدنماركي حاسمًا، إذ أكدت كوبنهاغن تمسكها بوحدة أراضيها وطالبت واشنطن باحترام سيادة دولة عضو في حلف «الناتو»، وسط تساؤلات متصاعدة في الأوساط الأوروبية: هل تتحول غرينلاند إلى الحلقة التالية بعد فنزويلا؟

تكشف هذه المواقف عن تحوّل نوعي في السلوك الأميركي، حيث لم تعد التهديدات تُدار في الغرف المغلقة أو عبر القنوات الدبلوماسية، بل باتت تُعلن على الملأ، مصحوبة بإشارات عسكرية ورمزية واضحة. ويعزز ذلك المخاوف من أن نموذج فنزويلا لم يكن سوى تجربة أولى، تُستخدم لإرسال رسالة ردع شاملة مفادها أن السيادة الوطنية لم تعد خطًا أحمر، بل ورقة قابلة لإعادة التفاوض وفق ميزان القوة والمصلحة الأميركية.