النهار
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 06:29 مـ 23 ربيع آخر 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
من ملعب الزمالك إلى جبهة القتال.. فكري صالح يروي لـ«النهار» ذكريات العبور من الملاعب إلى الجبهة.. رياضيون مصريون في حرب أكتوبر يوم أوقفت الحرب الدوري.. الأهلي في الصدارة والزمالك يحصد «دوري أكتوبر» من خلف خط الطيران.. «ثابت» يروي لـ«النهار» حكايات الاستنزاف وأكتوبر عموتة يدرس إعادة طاهر محمد طاهر لتشكيل الأهلي أمام الزمالك مباراة في يوم الحرب.. كرة القدم في مشهد الخداع قبل معركة أكتوبر أحمد السقا ومحمد إمام في مواجهة سينمائية لأول مرة.. «الأساتذة» يجمع نجمين في عمل واحد حين عطش مستشفى السويس.. سيدة الكمشوشي تروي حكايتها من جرحى أكتوبر إلى تكريم الرؤساء غياب البورصة السلعية يؤرق مصانع الشوكولاتة والحلوى.. كيف تسعّر منتجات 2027؟ دراجات نارية مهربة .. ضبط طالب بأسيوط يدير صفحة لبيعها بأسعار مخفضة والاستيلاء على أموال راغبي الشراء بحجة الشحن «جيبنا عساف ياجوري صاحي».. سلام دياب يروي لـ«النهار» حكاية كتيبته في حرب أكتوبر لأول مرة.. «المعهد القومي للاتصالات» يطلق دبلوماً مهنياً في الأمن السيبراني التطبيقي

مقالات

أشرف عباس يكتب: الصحافة لا تكتب التاريخ

أشرف عباس مدير تحرير جريدة النهار
أشرف عباس مدير تحرير جريدة النهار

قبل أن يعبر الجنود المصريون قناة السويس في أكتوبر 1973، كان صحفيان مصريان قد استشهدا على الطريق الطويل إلى العبور.

في 14 مارس 1969، استشهد محمد بخيت أبو السعود، محرر جريدة «المساء»، على الجبهة أثناء أداء عمله مراسلًا، وبعده بعام، في 30 أبريل 1970، استشهد حسن عبد القادر، مصور جريدة «الجمهورية»، أثناء أداء عمله مصورًا صحفيًا عسكريًا.

لم يشهد الاثنان حرب أكتوبر، فقد استشهدا خلال حرب الاستنزاف، لكن وجودهما على الجبهة يفتح نافذة على جانب لا نتوقف أمامه كثيرًا عندما نستعيد سنوات الحرب، ففي الطريق إلى أكتوبر كان هناك أيضًا صحفيون ومصورون يحاولون الاقتراب مما يحدث، يسألون ويكتبون ويسجلون ما يستطيعون الوصول إليه.

لم يكونوا يكتبون التاريخ، وهذه ليست وظيفة الصحافة أصلًا، كانوا يكتبون الخبر ويلتقطون الصورة ويسابقون موعد الطبع، لكن جزءًا مما تركوه أصبح بعد أكثر من نصف قرن مادة نعود إليها كلما حاولنا أن نعرف ماذا حدث.

فالصحافة لا تكتب التاريخ، لكنها تكتب كل يوم جزءًا من مادته الخام.

وفي أكتوبر 1973، كان عشرات المراسلين والمصورين الحربيين المصريين يتابعون المعركة، لكن هذه الصورة لا ينبغي أن نقدمها بصورة رومانسية، ففي شهادة لعبده مباشر، المراسل العسكري لـ«الأهرام»، روى أن الإعلاميين والمصورين لم يكونوا على جبهة القتال في اليوم الأول للحرب بقرار من القيادة العامة، وأن تحرك وسائل الإعلام إلى الجبهة بدأ بعد السادس من أكتوبر.

وكان مباشر نفسه يرى أن القرار صائب، وهو مفهوم في حرب قامت خطتها على السرية والمفاجأة، لكن الواقعة تضع أمامنا حقيقة مهنية مهمة، فواحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث وقعت من دون أن يكون الصحفيون شهودًا مباشرين على لحظتها الأولى، ثم تحركوا بعد ذلك ليجمعوا ما استطاعوا الوصول إليه من معلومات وصور وشهادات.

وحتى بعد وصولهم، لم تكن الصحافة تملك رواية نهائية لما يحدث، ولا يفترض أصلًا أن تملكها، فما استطاع المراسل رؤيته أو معرفته أو نشره كان محكومًا بطبيعة الحرب، والمصادر المتاحة، وقرارات القيادة، والسياسة التحريرية، وحدود معرفة كل صحفي.

لهذا لا نقرأ صحافة تلك الأيام باعتبارها الحقيقة الكاملة للحرب، وإنما باعتبارها جزءًا من مادتها الأولية، نختبرها بالوثائق والشهادات والمصادر الأخرى، ونصحح ما يحتاج إلى تصحيح، ونستكمل ما كان غائبًا عنها.

مسؤولية الصحفي أقل ادعاءً من كتابة التاريخ، وأصعب تنفيذًا في الوقت نفسه، أن يقدم للناس أدق رواية استطاع التحقق منها بما كان متاحًا له لحظة النشر، وأن يميز بين ما يعرفه وما لا يعرفه، وألا يقدم الأخير باعتباره حقيقة.

بعد 53 عامًا، لم تعد مشكلة الصحفي في امتلاك أدوات التسجيل والنشر، فهذه أصبحت متاحة بصورة لم يعرفها أي جيل سابق، لكن سهولة النشر لم تجعل الوصول إلى المعلومة بالسهولة نفسها.

نحن ننشر أكثر، لكن ذلك لا يعني أننا نعرف أكثر.

ومن داخل غرفة الأخبار أرى يوميًا كم أصبح إنتاج المحتوى أسرع، وكم أصبح ممكنًا إنتاج عشرات المواد من دون أن يغادر المحررون شاشاتهم.

التكنولوجيا منحت الصحافة أدوات هائلة، والمشكلة ليست في استخدامها، بل في اللحظة التي تتحول فيها الشاشة إلى بديل عن الشارع، والمنشور إلى بديل عن المصدر، وإعادة الإنتاج إلى بديل عن الصحافة.

قد ينتشر مقطع فيديو أمام ملايين الأشخاص، بينما لا نعرف أين صُوّر أو متى أو ماذا حدث قبله وبعده، وقد تتكرر معلومة على عشرات المواقع حتى تبدو حقيقة، بينما يكون مصدرها الأول مجهولًا، وقد يمتلك الصحفي في هاتفه أدوات لم تكن متاحة لغرفة أخبار كاملة قبل نصف قرن، ثم يعجز عن الوصول إلى وثيقة واحدة يحتاجها لفهم ما يكتب عنه.

هنا تصبح المشكلة في المعرفة، لا في النشر.

ولهذا لا أرى معنى للمفاضلة بين صحافة أكتوبر وصحافة اليوم، فلكل زمن شروطه وحدوده، لكن السؤال المهني لم يتغير كثيرًا: ماذا يستطيع الصحفي أن يعرف، وكيف يتحقق مما عرفه، وماذا يستطيع أن ينشر منه؟

ومن جبهة 1973 يصل السؤال إلى غرفة أخبار 2026، فالحق في الحصول على المعلومات الذي نص عليه الدستور لا يزال ينتظر تنظيمه تشريعيًا، وفي أغسطس الماضي قُدم إلى مجلس النواب مشروع أعدته نقابة الصحفيين لتنظيم الحق في تداول المعلومات بعد توقيع 60 نائبًا عليه.

المسألة لا تحتاج إلى خطاب طويل عن امتيازات الصحفيين، فالمعلومة العامة ليست امتيازًا للصحفي أصلًا، وحق الوصول إليها لا يستمد أهميته من حاجة الصحفي إليها وحده، وإنما من حق المجتمع في المعرفة.

فالصحفي الذي لا يستطيع الوصول إلى المعلومة يظل قادرًا على النشر، لكنه لا يصبح بمجرد ذلك قادرًا على إخبار الناس بما حدث.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لغرفة الأخبار.

أسرع طريق إلى إنتاج خبر اليوم هو الشاشة، لكنها لا تستطيع وحدها الإجابة عن كل ما يحدث خارجها، فالصحافة الميدانية تحتاج إلى وقت وتكلفة ومصادر ومؤسسات قادرة على تحمل ذلك، لكن البديل لا ينبغي أن يكون ملء المساحات بما هو متاح فقط لأن الوصول إلى ما هو مهم أصبح أصعب.

ليس السؤال كم مادة نستطيع نشرها في اليوم، بل ماذا نعرف عن المادة التي ننشرها، ومن أين جاءت معلوماتها، وهل اختبرناها، وهل نستطيع الدفاع عن دقتها أمام القارئ.

وحتى أفضل ما ننتجه يفقد جزءًا من قيمته إذا لم نحفظه، فضياع أرشيف مؤسسة صحفية لا يعني اختفاء أخبار قديمة فقط، وإنما ضياع جزء من السجل اليومي لفترة عاشها المجتمع.

لهذا أعود في ذكرى أكتوبر إلى محمد بخيت أبو السعود وحسن عبد القادر، وإلى المراسلين والمصورين الذين غطوا الحرب بعدهما.

لا أعود إليهم لصناعة صورة مثالية عن صحافة الماضي، ولا لأقول إن ما كتبته الصحف وقتها كان كاملًا أو نهائيًا، بل لسبب أبسط.

لقد تركوا شيئًا يمكن العودة إليه واختباره.

وهنا يصبح السؤال شخصيًا ومهنيًا بالنسبة لي:

ماذا سنترك نحن؟

بعد خمسين عامًا، سيأتي صحفي أو باحث ليفتش في صحافة أيامنا كما نفتش نحن اليوم في صحافة سنوات الحرب، ولن يعنيه كم خبرًا نشرنا في اليوم، ولا كم زيارة حققها موقع، ولا كم مشاهدة حصد مقطع فيديو.

سيبحث عن معلومة يمكن التحقق منها، ووثيقة بقيت، وصورة معلومة السياق، وشهادة سُجلت في وقتها، وصحافة ذهبت إلى الحدث بدلًا من الاكتفاء بما قيل عنه.

سيبحث، في النهاية، عن إجابة لسؤال واحد:

ماذا حدث هنا؟

موضوعات متعلقة