الدكتور صلاح فوزي لـ«النهار»: الدستور المصري يحتاج إلى إعادة نظر.. والبنية التكنولوجية تحدٍ أمام التقاضي الإلكتروني.. ودستور فرنسا الخامسة نموذج متوازن
في حوار قانوني وتشريعي وأكاديمي خاص مع «النهار»، فتح الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة التشريع، عددًا من الملفات المهمة، وفي مقدمتها منظومة التقاضي الإلكتروني، وقانون الإجراءات الجنائية، والرسوم ومقابل الخدمات القضائية، وفلسفة إعداد الدساتير، ودور البرلمان في صناعة التشريع.
وتطرق الحوار إلى الضمانات الدستورية المرتبطة بالتقاضي الإلكتروني، وإمكانية إجراء المحاكمات عن بُعد، ومزايا المنظومة الجديدة والتحديات التي تواجهها، إلى جانب تدريب المحامين على التعامل معها.
كما تناول الدكتور صلاح فوزي فلسفة إعداد الدساتير في مصر وفرنسا، وتجربته في المشاركة بأعمال لجنة الخبراء لإعداد الدساتير، فضلًا عن مشاركته في أعمال اللجنة الخاصة بإعداد دستور جديد لليبيا، ورؤيته بشأن الحاجة إلى إعادة النظر في عدد من نصوص الدستور المصري.
أستاذ القانون الدستوري يكشف رؤيته للتشريعات الجديدة والتقاضي الإلكتروني.. ويتحدث عن قانون الإجراءات الجنائية ورسوم الخدمات القضائية وتجربة إعداد الدساتير
وفي حديثه، قال الدكتور صلاح فوزي: «أنا حارس الدستور»، مؤكدًا أهمية تطوير النصوص الدستورية بما يتناسب مع المتغيرات السياسية والاجتماعية وأهداف الجمهورية الجديدة، ومشيرًا إلى أن الدستور الفرنسي يمثل، من وجهة نظره، نموذجًا متوازنًا في تنظيم العلاقة بين السلطات.
التقاضي الإلكتروني.. هل توجد فجوة بين الدستور والواقع؟
■ هل ترى أن هناك فجوة حاليًا بين الحقوق التي كفلها الدستور وما يجري على أرض الواقع، خاصة في ظل منظومة التقاضي الإلكتروني؟
مبدئيًا، لا أظن أن هناك فجوات، لسبب بسيط، وهو أن إعداد مشروعات القوانين الكبرى، مثل قانون الإجراءات الجنائية، وقانون العقوبات، والقانون المدني، وقوانين الأسرة، يستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين، ويتم تنقيحها من أي شبهة قد تُثار بشأن دستوريتها.
أما فيما يتعلق بالحقوق والحريات، فليست كل القوانين تتعامل معها بشكل مباشر، لكن هناك قوانين تتلامس معها، ومن بينها قانون الإجراءات الجنائية الذي سيبدأ تطبيقه في الأول من أكتوبر 2026، ويتناول أنواعًا عديدة من الحقوق، من بينها حق الدفاع بالنسبة للمتهم، وضوابط القبض وغيرها.
وفيما يتعلق بفكرة المحاكمة أو الحضور عن بُعد باستخدام الوسائل الإلكترونية، فهي مهمة جدًا لتجنب تأجيل القضايا.
ففي بعض الأحيان، عند محاولة إخراج المتهم من محبسه لحضور الجلسة، قد تطرأ إشكاليات تحول دون ذلك لأسباب عديدة، من بينها أسباب أمنية، وبالتالي يتعذر حضور المتهم، فتضطر المحكمة إلى تأجيل نظر القضية.
ونحن نقول إننا نريد عدالة ناجزة. وهذه التجربة موجودة في دول أخرى، ومنها فرنسا، وحققت نجاحًا، كما بدأت التجربة في مصر داخل المحكمة الاقتصادية منذ عدة سنوات وحققت نجاحًا، ثم بدأ تطبيقها في محاكم القضاء المدني، ومنها محكمة الجيزة.
وهناك أمر مهم جدًا يتعلق بهذه المنظومة، وهو علانية المحاكمات. فالمحاكمة العلنية لا تعني بالضرورة أن تُفتح أبواب المحكمة أمام الجميع، وإنما يمكن أن تتم المحاكمة من خلال دائرة إلكترونية تضم المتهم والقاضي والكاتب وغيرهم من عناصر العملية القضائية.
فالدستور عندما نص على علانية جلسات مجلس النواب وعلانية المحاكمات، لم يحدد شكل هذه العلانية. وبالتالي، طالما تحققت العلانية، فلا توجد مشكلة دستورية في اختلاف الشكل الذي تتم من خلاله.
وفي النهاية، فإن كل ذلك سيؤدي إلى تحقيق العدالة الناجزة، ولذلك أجزم بأنه لا توجد شبهة بعدم دستورية هذه الإجراءات الخاصة بالتقاضي الإلكتروني.
وأشير هنا إلى تجربة عملية؛ فعندما كنت عضوًا في اللجنة العليا للإصلاح التشريعي، كانت هناك لجنة فرعية ضمت المستشار أحمد الحسيني، رئيس إحدى دوائر محكمة النقض، والمستشار نبيل صادق، النائب العام الأسبق، والمستشار رفعت شاوي، وكيل أول التفتيش القضائي، وأستاذنا العميد أحمد الصاوي، إلى جانب اثنين من وكلاء نقابة المحامين.
وقمنا بدراسة مشروع قانون المرافعات المدنية والتجارية، ووضعنا بابًا كاملًا للتقاضي الإلكتروني في القضايا المدنية والتجارية، لأننا نتجه حاليًا إلى الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة التي ستؤدي إلى تحقيق قضاء ناجز.
لكن المقصود بالقضاء الناجز هنا هو السرعة مع ضمانات العدالة؛ أي أن يحصل المتهم على حقه في الحديث والدفاع وسائر ضماناته القانونية. وليس من الضروري لتحقيق ذلك أن يتم نقله من محبسه إلى المحكمة في كل مرة.
وبالتالي، لا أرى شبهة في دستورية هذه الإجراءات إطلاقًا، وأؤكد ذلك.
التدريب والتأهيل.. أبرز تحديات التقاضي الإلكتروني
■ ماذا عن عيوب ومميزات منظومة التقاضي الإلكتروني الحديثة؟
يقينًا، من أهم مزايا منظومة التقاضي الإلكتروني أنها تؤدي إلى تحقيق العدالة الناجزة، وهذا أمر يسعى إليه الجميع، بدلًا من إطالة أمد التقاضي، التي تمثل كلفة وأعباء على المتقاضين، ونحن نريد تجنيبهم ذلك.
أما فيما يتعلق بالعيوب، فهي في رأيي لا تتجاوز الحاجة إلى التدريب والتأهيل على استخدام المنظومة. فالمحامي يحتاج إلى قدر من التعلم والتدريب على كيفية استخدام هذه الوسيلة التكنولوجية.
فعلى سبيل المثال، في المحكمة الاقتصادية، يدخل المحامي على المنظومة ويقوم بتسجيل الإجراءات وإدخال المستندات وغيرها من الخطوات، وبالتالي يحتاج الأمر في البداية إلى تدريب وتعريف بكيفية التعامل معها.
وقد أُنشئ قسم في وزارة العدل للمساعدة القضائية، يستطيع المحامي الاستفادة منه والتعرف على كيفية استخدام المنظومة، كما يمكن تنظيم دورات تدريبية للمحامين في هذا الشأن.
لكن بمجرد أن يتعرف المحامي على طريقة استخدامها، سيجد أنها سهلة جدًا ولا تمثل أي مشكلة. وأنا أتحدث هنا من واقع تجربتي كمحامٍ، فقد استخدمتها في المحكمة الاقتصادية، وهي لا تشكل أي عيب أو إشكالية.
حتى المستندات والأوراق التي أحتاج إليها يمكنني إدخالها على المنظومة، وبالتالي لا توجد إشكالية في التعامل معها من قريب أو من بعيد.
رسوم التقاضي.. الفرق بين الرسوم القضائية ومقابل الخدمات
■ ماذا عن الرسوم ومقابل الخدمات المرتبطة بمنظومة التقاضي الإلكتروني؟ فقد ترددت مؤخرًا معلومات عن دفع 500 جنيه لحضور جلسة الجنايات و350 جنيهًا لحضور جلسة الجنح، وإضافة هذه المبالغ على الموكلين وليس المحامين.. كيف يتم ذلك؟
فيما يتعلق بالرسوم، هناك قانون اسمه قانون الرسوم القضائية، ولا يستطيع أحد أن يتجاوز أحكامه.
لكن هناك أمر آخر يتعلق بالخدمات التي تُؤدى داخل المحاكم، وهذه الخدمات يحدد مقابلها رؤساء الجهات القضائية، مثل رئيس محكمة استئناف القاهرة، ورئيس المحكمة الابتدائية في القاهرة، ورئيس مجلس الدولة، بحيث يدفع من يرغب في الحصول على هذه الخدمات مقابلًا لها.
وأحيانًا نجد أن تحديد مقابل بعض هذه الخدمات يكون مغالى فيه إلى حد ما. وفي هذه الحالة، ماذا يحدث؟ يقوم المحامون برفع دعاوى أمام مجلس الدولة، على سبيل المثال، ضد رئيس مجلس الدولة بصفته، أمام محكمة القضاء الإداري، للمطالبة بإلغاء هذه المبالغ التي يتم تحصيلها مقابل الخدمات.
وقد تصدر محاكم القضاء الإداري أحكامًا بإلغاء هذه المبالغ عندما تجد فيها نوعًا من المغالاة، وهنا تكون المحكمة بصدد رقابة على ما يسمى إساءة استخدام السلطة أو الانحراف بالسلطة، باعتبارها أحد العيوب التي يمكن أن تلحق بالقرار الإداري.
وهناك نقطة مهمة؛ فالطعن على القرار الإداري يمكن أن يستند إلى عدة عيوب، منها عدم الاختصاص، وعيب السبب، وعيب الإجراءات، وعيب الشكل، ومخالفة القانون.
أما الركن الخامس، وهو إساءة استخدام السلطة أو الانحراف بها، فهو من العيوب التي يصعب إثباتها، لأنه يتصل بقصد مصدر القرار، ويدخل إلى حد ما في النوايا.
وبالتالي، فمن واقع خبرتي كمحامٍ وأستاذ قانون، فإن الطعن على القرارات الإدارية غالبًا ما يستند إلى العيوب الأخرى التي يمكن إثباتها بصورة أكثر وضوحًا.
أما فيما يتعلق بالمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف والمحاكم الاقتصادية، فهناك نقطة قانونية مهمة، وهي أن القرار الصادر بشأن مقابل الخدمات لا يُعد قرارًا قضائيًا يتعلق بإجراءات التقاضي، وإنما هو قرار إداري ينظم العملية الإدارية داخل المحكمة.
فعلى سبيل المثال، عندما يصدر رئيس محكمة استئناف القاهرة قرارًا بشأن رسوم أو مقابل خدمات معينة، فإنه يصدره باعتباره الرئيس الإداري للمحكمة، وليس باعتباره قاضيًا يصدر حكمًا قضائيًا.
ومن ثم، فإن الطعن على مثل هذه القرارات ينعقد اختصاصه لمحاكم مجلس الدولة، وبالتحديد محكمة القضاء الإداري، باعتبار أن القرار محل الطعن قرار إداري وليس قرارًا قضائيًا.
وهناك بالفعل أحكام قضائية في هذا الشأن، كما أن عددًا من الزملاء المحامين سبق أن أقاموا دعاوى للطعن على مقابل بعض الخدمات، باعتبار أن هذه المبالغ تختلف في طبيعتها عن الرسوم القضائية.
وهنا يجب التأكيد على أن مقابل الخدمات شيء، والرسوم القضائية شيء آخر؛ فهذه الخدمات ومقابلها أمر بعيد عن الرسوم القضائية التي ينظمها القانون.
كيف تُصاغ الدساتير؟.. الفلسفة تختلف من دولة إلى أخرى
■ كيف يتم تصميم وإعداد الدساتير في مصر، وما الفلسفة التي تحكم إعداد الدساتير مقارنة بدول العالم؟
من الناحية الفقهية والمقارنة، تبدأ الدساتير عادة بما يسمى الديباجة أو المقدمة، أو وفقًا للتعبير المستخدم في بعض دول المغرب العربي «التوطئة». وقد تكون هذه المقدمة طويلة، كما هو الحال في الدستور المصري، وقد تكون في بعض الدساتير مجرد عدة أسطر.
وهناك دساتير لا تتضمن مقدمة على الإطلاق، وبالتالي فوجود الديباجة ليس شرطًا في كل الدساتير.
أما فلسفة إعداد الدساتير، فتتمحور أساسًا حول تنظيم السلطات العامة في الدولة والعلاقة بينها. وبعض الدساتير تهتم كذلك بقضايا الحقوق والحريات والواجبات، فتضعها في صلب الدستور، كما هو الحال في الدستور المصري وعدد كبير من الدساتير حول العالم، بينما تتجه دساتير أخرى إلى عدم تضمين كل هذه المسائل في الوثيقة الدستورية، وتركها للتشريع وللقواعد القانونية وللاجتهاد القضائي.
وهناك دساتير تتجه إلى وضع ما يسمى مقومات المجتمع، وتقسمها إلى مقومات اجتماعية واقتصادية وثقافية. وفي المقومات الاقتصادية، على سبيل المثال، يمكن أن يحدد الدستور فلسفة النظام الاقتصادي، وما إذا كان النظام يتجه إلى الليبرالية الاقتصادية أو إلى نظام أكثر توجيهًا للدولة.
وفي المقابل، هناك دساتير لا تضع هذه المقومات بشكل تفصيلي، وإنما تترك الأمر في إطار تنظيم العلاقة بين السلطات العامة، خاصة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
وإذا نظرنا إلى عدد مواد الدساتير، سنجد اختلافًا كبيرًا بين الدول. فالدستور المصري يتكون من 254 مادة، بينما الدستور الأمريكي يتكون من 7 مواد أصلية و27 تعديلًا، والدستور الفرنسي يتكون من عدد أقل من المواد، وهناك دساتير أخرى تتراوح بين 100 و120 مادة تقريبًا.
وهناك دساتير طويلة جدًا، ويختلف نظامها بشكل كبير، ومن أمثلتها الدستور الهندي، ولذلك من الصعب وضعه في مقارنة مباشرة مع النماذج القريبة منا.
فرنسا.. القانون في نطاق محدد واللوائح تتولى باقي التفاصيل
أما فيما يتعلق بالسلطة التشريعية في مصر، فإن مجلس النواب يتولى السلطة التشريعية، وله الاختصاص الأساسي في إعداد وإقرار القوانين. ويمكن للسلطة التنفيذية أن تشارك من خلال اقتراح القوانين، ثم تنتقل مشروعات القوانين إلى مجلس النواب لمناقشتها وإقرارها.
■ لكن هل هذا الاختصاص الواسع في إعداد القوانين موجود بالشكل نفسه في جميع الدول؟
لا.. فالدستور الفرنسي، وهو دستور الجمهورية الخامسة الصادر عام 1958، يأخذ بنظام مختلف. إذ تحدد المادة 34 الموضوعات التي تختص القوانين بتنظيمها على سبيل الحصر، بينما تقرر المادة 37 أن ما عدا ذلك يدخل في نطاق اللوائح.
والفلسفة وراء ذلك هي اختصار الوقت والجهد والمال، وعدم تحميل البرلمان كل التفاصيل التنظيمية التي يمكن تنظيمها عن طريق اللوائح.
وهذا الأمر يرتبط أيضًا بمسألة سرعة إصدار التشريعات. فعندما نريد تعديل نص قانوني في مصر، هناك إجراءات متعددة داخل مجلس النواب؛ يبدأ الأمر بطرح الموضوع، ثم يحال إلى اللجنة المختصة، التي تقوم بدراسته وإعداد تقرير عنه، ثم يعود التقرير إلى المجلس.
وقد تستغرق هذه الإجراءات وقتًا، فضلًا عن المناقشات التي تتم داخل المجلس. فمن حق كل نائب أن يبدي رأيه من حيث المبدأ، سواء بالموافقة أو الرفض، ثم تبدأ مناقشة المشروع داخل اللجان، وتُناقش مواده المختلفة.
وبعد ذلك تتم الموافقة على المشروع مادة مادة، ثم تتم تلاوته وفقًا للائحة، ويُطرح للتصويت على المشروع ككل، ثم تأتي الموافقة النهائية عليه.
وبعد موافقة مجلس النواب، يحال المشروع إلى رئيس الجمهورية لإصداره. ومن حق رئيس الجمهورية أن يعترض على المشروع أو بعض مواده ويرده إلى مجلس النواب، كما حدث في قانون الإجراءات الجنائية.
وبعد إصدار القانون، يتم نشره في الجريدة الرسمية وفقًا للقواعد المحددة، ويبدأ العمل به في التاريخ الذي يحدده القانون، كما حدث مع قانون الإجراءات الجنائية الذي تحدد لبدء العمل به الأول من أكتوبر.
وبالتالي، فإن دورة إصدار التشريع في مصر تتضمن إجراءات متعددة وتحتاج إلى وقت.
أما في فرنسا، فهناك مساحة أكبر للتنظيم عن طريق اللوائح، في ضوء التفرقة التي يضعها الدستور بين مجال القانون ومجال اللائحة.
كما أن الدساتير تهتم بتحديد العلاقة بين السلطات، إلى جانب تحديد فلسفة النظام الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
فعلى سبيل المثال، في فرنسا تحدد المادة 34 مجالات تدخل القانون، ومن بينها بعض المسائل الاقتصادية، بما يسمح للمشرع بتنظيم مسائل مثل التأميم أو نقل الملكية إلى القطاع الخاص وفقًا للإطار الدستوري.
وبالتالي، فإن تحديد نطاق القانون واللائحة بهذه الصورة يجعل عملية تنظيم بعض المسائل أكثر مرونة وسرعة.
تعديل الدستور.. توازن بين الاستقرار والتطوير
أما فيما يتعلق بتعديل الدساتير، فالدستور الفرنسي يضع إجراءات محددة للتعديل. ويمكن أن يبدأ التعديل من خلال مجلسي البرلمان، ثم يُطرح في بعض الحالات على الاستفتاء الشعبي.
وهناك أيضًا مسار آخر يمكن من خلاله لرئيس الجمهورية دعوة البرلمان بغرفتيه للانعقاد في هيئة مشتركة، وفي هذه الحالة يمكن إقرار التعديل إذا حصل على أغلبية ثلاثة أخماس الأصوات وفقًا للإجراءات الدستورية.
وهذا يوضح أن طرق تعديل الدستور تختلف من دولة إلى أخرى، وأن لكل نظام دستوري فلسفته الخاصة في تحقيق التوازن بين الاستقرار الدستوري وإمكانية تطوير النصوص بما يتناسب مع تطورات المجتمع.
ولا يوجد استفتاء في هذه الحالة ولا أي إجراء معقد. هناك طرق بسيطة ومباشرة لتعديل الدستور وفقًا للنظام المحدد فيه.
والقضية الأساسية هنا هي الفلسفة التي يقوم عليها الدستور، والتي قد تتغير مع المتغيرات السياسية والاجتماعية.
فعلى سبيل المثال، فرنسا مرت بخمس جمهوريات، وكان لكل جمهورية دستورها وفلسفتها الخاصة. فإذا أخذنا دستور الجمهورية الرابعة الصادر عام 1946، سنجد أن فلسفته كانت تميل إلى النظام الاشتراكي، بينما جاء دستور الجمهورية الخامسة عام 1958 بفلسفة مختلفة وأكثر ميلًا إلى النظام الليبرالي.
وفي هذا السياق، كانت هناك في فترات لاحقة تيارات سياسية تتبنى توجهات أكثر تدخلًا للدولة في الاقتصاد، وتطرح أفكارًا مثل التأميم، في مقابل الاتجاه الليبرالي الذي اتجه إليه دستور الجمهورية الخامسة.
كواليس إعداد الدستور الفرنسي
وعندما حدثت الأزمة السياسية في فرنسا عام 1958، عاد الجنرال ديجول إلى السلطة، وتم تكليف وزير العدل بإعداد دستور جديد. وكان وزير العدل يُعرف في النظام الفرنسي باسم وزير العدل وحامل أختام الدولة، وتم تشكيل لجنة من الخبراء لإعداد مشروع الدستور.
وهنا ألاحظ شيئًا يتكرر دائمًا؛ وهو أن لجان الخبراء التي تتولى إعداد الدساتير تتعرض في كثير من الأحيان لانتقادات شديدة.
فعلى سبيل المثال، عندما أُعد دستور 1923 في مصر، تشكلت لجنة الثلاثين، وكان سعد باشا زغلول، زعيم حزب الوفد، ينتقد هذه اللجنة بشدة وأطلق عليها وصف «لجنة الأشقياء» وعارضها.
واللافت أن حزب الوفد شارك بعد ذلك في الانتخابات في ظل الدستور، رغم أنه كان قد عارض اللجنة التي وضعته.
وتكرر الأمر بصورة أخرى في مراحل لاحقة من إعداد الدساتير في مصر. فعندما كانت هناك لجنة من الخبراء تتولى إعداد مشروع دستوري، كانت تظهر انتقادات واعتراضات من جانب بعض التيارات السياسية.
وأنا شخصيًا، عندما كنت أشارك في أعمال لجنة الخبراء، كنت أذهب إلى الجامعة لإلقاء محاضراتي، وكنت أجد أحيانًا عبارات مكتوبة على جدران الكلية تنتقد لجنة الخبراء ومشروع الدستور.
وهذا يؤكد أن الجدل والانتقادات حول لجان إعداد الدساتير ليست ظاهرة جديدة، وإنما صاحبت تجارب دستورية متعددة.
أما في فرنسا، فقد تولى ميشيل دوبريه دورًا مهمًا في إعداد الدستور، وشُكلت لجنة من الخبراء، وضمت شخصيات بارزة، من بينها ليوبولد سيدار سنغور، الذي كان شاعرًا وأديبًا بارزًا، وأصبح لاحقًا رئيسًا للسنغال.
وقد خرج دستور الجمهورية الخامسة بصورة متوازنة، وتم توقيعه من الرئيس رينيه كوتي.
والفكرة الأساسية التي أريد التأكيد عليها هي أن كل جمهورية جديدة قد تأتي معها فلسفة دستورية جديدة، وبالتالي يتم وضع تصور مختلف لتنظيم السلطات والاختصاصات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مسألة توزيع الاختصاص بين القانون واللائحة، ففي دستور الجمهورية الخامسة، تم تحديد الموضوعات التي يختص بها القانون، بينما تُركت الاختصاصات الأخرى للائحة.
وهذا يعكس اختلاف الفلسفة الدستورية من مرحلة إلى أخرى، ومن جمهورية إلى أخرى، بحسب الظروف والمتغيرات التي تحيط بالدولة.
وأستطيع أن أضرب لحضرتك عددًا من الأمثلة على ذلك، خصوصًا أنني كنت من المشاركين في أعمال لجنة الخبراء، ويمكن أن نقترب من مسألة الاختصاصات ونوضح كيف انعكست هذه الفلسفة على النصوص الدستورية.
فلسفة إعداد الدساتير.. «الدستور يجب أن يتضمن المبادئ الأساسية»
■ فلسفة إعداد الدساتير
عدد مواد الدستور الحالي 160 مادة، وأنا كنت من أعضاء لجنة الخبراء التي شاركت في إعداده.
دعنا نأخذ مثالًا على بعض الاختصاصات الدستورية. فالدستور، على سبيل المثال، ينظم إعلان حالة الطوارئ، ويضع لها إجراءات محددة، إذ يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ على الوجه المبين في القانون، ثم يجب عرض الأمر على مجلس النواب، الذي يوافق عليه بالأغلبية المطلقة، ولمدة محددة هي ثلاثة أشهر.
بعد ذلك، إذا أراد رئيس الجمهورية تمديد حالة الطوارئ، فعليه أن يطلب من مجلس النواب الموافقة على التمديد، ويستلزم الأمر موافقة ثلثي أعضاء المجلس، ويكون التمديد لمدة ثلاثة أشهر أخرى.
وهنا أرى أن هناك إشكالية في النص. فإذا حدث ظرف استثنائي، مثل الإرهاب أو وباء أو فيضانات أو حالة حرب، فمن الطبيعي أن تعرف متى بدأت الأزمة، لكن ليس بالضرورة أن تستطيع التنبؤ بموعد انتهائها.
خذ مثلًا وباء كورونا، الذي استمر لسنوات. هل كان من الممكن عند بداية الوباء أن نتنبأ بأنه سيستمر ثلاث سنوات ونحدد مدة حالة الطوارئ بناءً على ذلك؟ هذا أمر غير منطقي.
وبصفتي أستاذًا للقانون الدستوري، أستطيع تفسير النص بالقول إنه إذا ظل سبب إعلان حالة الطوارئ قائمًا، سواء كان الإرهاب أو الوباء أو غير ذلك، فيمكن من الناحية العملية رفع حالة الطوارئ ثم إعادة إعلانها وفقًا للإجراءات الدستورية.
لكنني أرى أن النص في هذه النقطة معيب إلى حد ما، لأنه وضع مددًا محددة لا تتلاءم بالضرورة مع طبيعة الظروف الاستثنائية التي قد تستدعي إعلان حالة الطوارئ.
وهناك مثال آخر يتعلق بالمادة 32، الخاصة بعقود الامتياز، والتي تنص على أن يكون منح الامتياز بقانون ولمدة لا تتجاوز ثلاثين عامًا.
وهنا يثور تساؤل: إذا كان لدينا مشروع استثماري ضخم، مثل مشروع في مجال البترول بالبحر الإقليمي، وتصل تكلفته إلى عشرين أو ثلاثين مليارًا، فهل يستطيع المستثمر استرداد استثماراته وتحقيق العائد المطلوب خلال ثلاثين عامًا بالضرورة؟
في المقابل، نجد أن القانون المدني حدد مدة الامتياز بـ99 عامًا، وهذا النص لم يُلغَ، ومن وجهة نظري يمكن تطبيقه دون مشكلة.
وقد شهدنا بالفعل تطبيقًا لهذا الأمر، وسبق أن كتبت في مجلة البحوث القانونية عن المادة 32، وتناولت كيفية الاستناد إلى حكم القانون المدني الذي يحدد مدة الامتياز بـ99 عامًا. وكان من بين التطبيقات التي تناولتها ما يتعلق بالطرق الحرة وإدارتها وغير ذلك.
وأنا أرى أن الدستور ينبغي أن يتضمن القواعد والمبادئ الأساسية، وليس التفاصيل التي يمكن تركها للقانون أو اللائحة. فهناك أمور كثيرة تفصيلية لا أرى ضرورة لوضعها في الدستور، وإنما يمكن تنظيمها تشريعيًا أو لائحيًا.
ولهذا فأنا مع أن كل جمهورية جديدة قد تحتاج إلى دستور جديد يتوافق مع أهدافها وفلسفتها، على غرار التجربة الفرنسية، حيث ارتبطت كل جمهورية بفلسفة دستورية مختلفة.
كواليس المشاركة في إعداد دستور ليبيا
وفي هذا السياق، شاركت في لجنة شكلها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP» للمساعدة في إعداد دستور جديد لليبيا.
وكانت هناك لجنة ليبية عُرفت باسم لجنة الستين، وكان من الضروري أن تجتمع مع خبراء دستوريين مستقلين. وبما أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كان يعرفني، طلب مني ترشيح قاضٍ دستوري للمشاركة في هذه المهمة، فرشحت المستشار محمد بيومي، الذي كان يشغل منصب النائب الأول لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وتم اختياره بالفعل.
واجتمعنا في تونس العاصمة لأسباب أمنية، إذ لم تكن الظروف تسمح بعقد الاجتماعات داخل ليبيا.
وعندما اجتمعنا مع اللجنة، اكتشفت أن عدد الحاضرين كان 56 وليس 60، فسألت رئيس اللجنة، الدكتور علي الترهوني، عن السبب، فأوضح أن هناك ممثلين من الأمازيغ لم يشاركوا، إلى جانب أعضاء آخرين من شرق ليبيا تعذر حضورهم.
وكانت هناك خلافات حول عدد من المسائل، وكنت أرى أن بعض هذه الخلافات من الأفضل ترحيلها إلى المستقبل وترك تنظيمها للقانون، بدلًا من تحميل الدستور تفاصيل قد تكون محل خلاف.
ومن الأمثلة الطريفة على ذلك الخلاف حول علم الدولة. كان هناك من يريد العودة إلى علم عهد القذافي، بينما كان آخرون يطرحون أعلامًا أخرى.
فقلت لهم: لماذا لا نترك هذه المسألة للقانون؟ ينص الدستور على أن القانون يحدد علم الدولة، وبذلك يمكن حسم الأمر تشريعيًا عندما تستقر المؤسسات وتتهيأ الظروف المناسبة.
وهذا الأسلوب يمكن تطبيقه على العديد من المسائل الخلافية؛ فبدلًا من وضع التفاصيل داخل الدستور، يمكن أن نضع مبدأ دستوريًا عامًا ونترك التفاصيل للقانون.
ومن الأمثلة الأخرى مسألة نظام الإدارة المحلية، وهل يكون رؤساء وحدات الإدارة المحلية بالانتخاب أم بالتعيين. وكان هناك اتجاه إلى النص على الانتخاب، لكنني كنت أرى أن هذه المسألة يمكن ترحيلها إلى القانون، بحيث يحدد لاحقًا ما إذا كان رؤساء الإدارة المحلية سيُنتخبون أم سيُعينون.
وأنا أميل إلى التعيين في هذا الأمر لأسباب متعددة.
وهنا نصل أيضًا إلى مسألة مهمة تتعلق بالمجالس المحلية؛ فإذا كان القانون يسمح لشخص في سن 21 عامًا بالترشح لعضوية المجلس المحلي، فهل من المنطقي أن يتولى شخص في هذه السن مسؤولية المشاركة في وضع السياسات وإدارة الموازنات المحلية؟
في رأيي، هذه مسألة تحتاج إلى إعادة نظر، لأن العضوية في المجالس التي تتولى مسؤوليات تتعلق بالسياسات والموازنات تحتاج إلى قدر من الخبرة والمعرفة، وليس مجرد استيفاء شرط السن.
صلاح فوزي: الدستور الفرنسي نموذج متوازن
■ بما أننا نتحدث عن الدساتير، هل ترى أن هناك دستورًا يمكن اعتباره من أفضل الدساتير حول العالم؟
بلا تحيز، أرى أن دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة من أكثر الدساتير توازنًا. وإذا تحدثنا عن بعض الحقوق، فخذ مثلًا حق الإضراب؛ فقد أشارت إليه ديباجة الدستور الفرنسي، وهي في الأصل أحالت إلى ديباجة دستور 1946، التي تضمنت هذا الحق.
وهنا نجد نوعًا من التكامل بين دساتير الجمهوريات الفرنسية المختلفة؛ فالجيد من كل تجربة يتم الاحتفاظ به وإدماجه في التجربة الجديدة. وأرى أن هذا أمر مهم جدًا، ولذلك فإن الدستور الفرنسي، من حيث شكله وطريقته، نموذج متميز.
حتى فيما يتعلق بتوزيع الاختصاصات بين قصر الإليزيه، مقر رئاسة الجمهورية، وقصر ماتينيون، مقر الحكومة، نجد توازنًا واضحًا في الصلاحيات.
وأذكر هنا واقعة شاهدتها بنفسي عندما انتُخب الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران. عندما يصل الرئيس المنتخب، يتم إخطار الرئيس المنتهية ولايته، فيستقبله، ثم يختليان معًا على انفراد؛ لأن الرئيس المنتهية ولايته يحيط الرئيس المنتخب بأسرار الدولة والمعلومات الحساسة التي يجب أن تنتقل إليه.
ومن أهم هذه الأمور ما يتعلق بالسلطة النووية والشفرة الخاصة باستخدامها، باعتبارها من الصلاحيات المهمة لرئيس الجمهورية، إلى جانب العديد من المعلومات والملفات السرية الأخرى.
بعد ذلك يودع الرئيس المنتهية ولايته الرئيس المنتخب، ويبدأ الأخير في ممارسة صلاحياته.
وبطبيعة الحال، رئيس الجمهورية لديه اختصاصات عديدة، في حين أن الحكومة، التي يرأسها رئيس الوزراء في قصر ماتينيون، لديها اختصاصات أخرى، لكنها ليست بعيدة تمامًا عن رئيس الجمهورية.
فالرئيس، مثلًا، يملك صلاحيات مهمة تجاه رئيس الوزراء، وقد شهدت الجمهورية الفرنسية الخامسة حالات غادر فيها رئيس الوزراء منصبه بناءً على رغبة رئيس الجمهورية.
وللتوضيح، كان جاك شيراك أول رئيس وزراء عمل مع الرئيس فاليري جيسكار ديستان. وكان شيراك قد عمل مديرًا لمكتب الرئيس جورج بومبيدو، الرئيس الثاني للجمهورية الخامسة، بعد الجنرال شارل ديجول، أول رؤساء الجمهورية الخامسة.
وكانت مدة الولاية الرئاسية وقتها سبع سنوات، قبل أن تصبح خمس سنوات، كما هو معمول به حاليًا. وهذا يوضح طبيعة العلاقة القوية بين مؤسسة الرئاسة والحكومة في النظام الفرنسي.
«مصر تحتاج إلى دستور جديد للجمهورية الجديدة»
■ ننتقل إلى الدستور المصري، وهو الأهم بالنسبة لنا. من وجهة نظرك، وبحكم عضويتك في اللجنة التشريعية ومشاركتك في إعداد القوانين، هل يحتاج الدستور المصري إلى بعض التعديلات؟
نعم، وأنا أقول ذلك بصراحة. أرى أن الدستور الحالي يتضمن عددًا كبيرًا من المواد التي تحتاج إلى إعادة نظر أو تعديل.
ولذلك طرحت في أوقات سابقة فكرة إعداد دستور جديد للجمهورية الجديدة، يتوافق مع أهدافها، ويكون أكثر تبسيطًا، ويمكن أن يستفيد من النموذج الفرنسي، خصوصًا في تنظيم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتحديد صلاحيات السلطة التنفيذية التي يرأسها رئيس الجمهورية بصورة واضحة ومهمة.
وأرى أن من الضروري إعادة النظر في بعض التفاصيل الموجودة في الدستور الحالي. فقد سبق أن أشرت إلى المادة 32 المتعلقة بعقود الامتياز، كما تحدثت عن شروط وسن الترشح للمجالس الشعبية المحلية.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







