ما المكاسب التي يمكن أن تحققها القاهرة من قمة بريكس في نيودلهي؟
تأتي مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة تجمع بريكس في الهند، وسط مشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد، تتداخل فيه الأزمات السياسية مع التداعيات الاقتصادية، في وقت تلقي فيه الحروب والصراعات بظلالها على أسعار الطاقة والغذاء وحركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتحظى المشاركة المصرية في القمة بأهمية خاصة، في ظل عضوية مصر الكاملة في تجمع بريكس منذ يناير 2024، وما تتيحه هذه العضوية من فرص لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الدول الأعضاء، وفتح مجالات جديدة أمام التجارة والاستثمار وتمويل المشروعات ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أن القمة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تحديات اقتصادية وسياسية متصاعدة، موضحًا أن أهمية اجتماعات بريكس لا تقتصر على مناقشة الملفات الاقتصادية، وإنما تمتد إلى بحث التداعيات التي تفرضها التطورات السياسية والصراعات الدولية على اقتصادات الدول الأعضاء والعالم بشكل عام.
«بريكس» أمام اختبار الأزمات العالمية
وقال بدرة إن القمة الحالية تأتي في ظل استمرار عدد من الأزمات التي أثرت بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الصراعات العسكرية والتوترات السياسية، موضحًا أن تداعيات هذه الأزمات أصبحت أكثر اتساعًا، ولم تعد تقتصر على الدول المنخرطة فيها بشكل مباشر.
وأشار إلى أن أسواق النفط والطاقة من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التطورات، إلى جانب القطاعين الزراعي والغذائي، لافتًا إلى أن اضطراب حركة التجارة وسلاسل الإمداد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة السلع والمنتجات، وقد تمتد آثاره إلى فترات زمنية أطول من فترة الأزمة نفسها.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل يمثل تحديًا إضافيًا أمام الاقتصادات المستوردة للطاقة، مؤكدًا أن أي اضطراب في حركة الملاحة الدولية ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والتجارة وأسعار السلع.
أمن الملاحة وحركة التجارة
وفيما يتعلق بتداعيات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، أوضح الخبير الاقتصادي أن أمن الملاحة وحركة السفن من الملفات التي تفرض نفسها على المشهد الاقتصادي، خاصة مع المخاوف المرتبطة بحركة التجارة عبر مضيق هرمز.
وأكد أن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ستكون له انعكاسات واسعة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، مشيرًا إلى أن تداعيات الصراعات لا تتوقف عند الدول التي تشارك فيها، وإنما تمتد إلى اقتصادات دول أخرى، ومن بينها دول المنطقة.
وأوضح بدرة أن مصر، بحكم موقعها ودورها في حركة التجارة الدولية، تتابع هذه التطورات باهتمام، وأن الوصول إلى تفاهمات تحد من تداعيات الصراعات وتحافظ على استقرار حركة التجارة والملاحة يمثل مصلحة اقتصادية مهمة.
بنك التنمية الجديد.. فرصة لتمويل المشروعات
وعن المكاسب الاقتصادية المباشرة التي يمكن أن تحققها مصر من عضويتها في «بريكس»، أكد الدكتور مصطفى بدرة أن بنك التنمية الجديد التابع للتجمع يمثل أحد أهم الأدوات التي يمكن للقاهرة الاستفادة منها، خاصة في تمويل المشروعات الكبرى.
وأوضح أن مصر يمكنها طرح عدد من المشروعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والنقل وغيرها من القطاعات أمام البنك، بما يتيح فرصًا للحصول على تمويلات بشروط مناسبة، مؤكدًا أن تمويل هذه المشروعات يمكن أن يحقق مردودًا اقتصاديًا واجتماعيًا واسعًا.
وأشار إلى أن مصر لديها خبرة في التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، وأن توسيع دائرة التعاون مع المؤسسات التابعة لـ«بريكس» يمنح الاقتصاد المصري مساحة أكبر لتنويع مصادر التمويل ودعم المشروعات ذات الأولوية.
زيادة التبادل التجاري وجذب الاستثمارات
ولفت بدرة إلى أن زيادة حجم التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس تمثل هدفًا رئيسيًا يمكن العمل على تحقيقه خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع جذب المزيد من الاستثمارات إلى السوق المصرية.
وأكد أن العلاقات الاقتصادية مع دول التجمع، ومن بينها الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، تفتح مجالات واسعة أمام التعاون في قطاعات مختلفة، خاصة الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
وأوضح أن مصر يمكنها الاستفادة من هذه العلاقات في جذب استثمارات جديدة، إلى جانب العمل على توطين الصناعات ونقل التكنولوجيا والخبرات، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على زيادة الإنتاج ورفع تنافسية الصناعة المحلية.
توطين الصناعة.. من الاستثمار إلى فرص العمل
وشدد الخبير الاقتصادي على أن أهمية الاستثمارات الجديدة لا تتوقف عند حجم الأموال التي تدخل السوق المصرية، وإنما تمتد إلى آثارها على التشغيل والإنتاج والتنمية.
وأوضح أن جذب الاستثمارات في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا يمكن أن يؤدي إلى إنشاء مشروعات جديدة، وزيادة معدلات الإنتاج، وخلق فرص عمل أمام الشباب، بما يسهم في الحد من البطالة وتحسين مستويات المعيشة.
وأشار إلى أن توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا يمثلان عنصرين أساسيين في الاستفادة الحقيقية من العلاقات الاقتصادية مع دول بريكس، خاصة في ظل امتلاك عدد من دول التجمع خبرات وإمكانات صناعية وتكنولوجية كبيرة.
مياه النيل ضمن الملفات الاستراتيجية
وتطرق بدرة إلى إمكانية طرح الملفات المرتبطة بمياه النيل والتعاون مع دول حوض النيل، موضحًا أن هذه الدول تمثل جانبًا مهمًا من العلاقات والاستثمارات المرتبطة ببعض دول بريكس، خاصة الصين.
وأشار إلى أن مصر يمكنها توظيف علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع دول التجمع لدعم التعاون مع الدول الأفريقية، بما يخدم المصالح المصرية، مع استمرار التعامل مع الملفات المرتبطة بمياه النيل باعتبارها من القضايا الاستراتيجية بالنسبة للدولة المصرية.
المكسب الحقيقي.. ماذا سيصل إلى المواطن؟
وأكد الدكتور مصطفى بدرة أن قياس نجاح التحركات الاقتصادية المصرية داخل بريكس لا يجب أن يتوقف عند الاتفاقيات أو أرقام الاستثمارات والتبادل التجاري فقط، وإنما يجب أن يظهر أثرها بصورة مباشرة على الاقتصاد والمواطن.
وأوضح أن زيادة الاستثمارات وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة يمكن أن تنعكس في صورة فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج، وتحسين معدلات التنمية، ودعم قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات الخارجية.
واختتم الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أن عضوية مصر في بريكس تمنح القاهرة فرصة لتعزيز حضورها داخل أحد أهم التكتلات الاقتصادية الدولية، وتنويع شراكاتها الاقتصادية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وجذب استثمارات وتمويلات إضافية، بما يدعم خطط الدولة للتنمية ويزيد من قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع التحديات العالمية.


.jpg)

.png)
.jpg)
.jpeg)

.jpg)







