6 تصريحات اقتصادية مثيرة للجدل في 2026.. مدحت نافع يضعها تحت اختبار الواقع
في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول الأسعار والتضخم والدعم وتسعير الطاقة، تبرز الحاجة إلى قراءة المؤشرات الاقتصادية من زاوية مختلفة، لا تكتفي بالأرقام المعلنة، وإنما تبحث في مدى انعكاسها على حياة المواطن وقدرته الشرائية.
وفي هذا السياق، يقدم الدكتور مدحت نافع، عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد في جامعة القاهرة، قراءة لعدد من الملفات الاقتصادية الشائكة، واضعًا مجموعة من التصريحات والتوجهات الاقتصادية تحت اختبار الواقع، ومؤكدًا أن الحكم على نجاح السياسات الاقتصادية لا يجب أن يتوقف عند مؤشرات الاقتصاد الكلي، وإنما يمتد إلى مستوى معيشة الأسر والدخل الحقيقي وفرص العمل والإنتاج.
1- هل كان يمكن التعهد بعدم زيادة الأسعار طوال 2026؟
يرى الدكتور مدحت نافع في تصريحات لـ"النهار" أن التعهد بعدم زيادة الأسعار كان ممكنًا إذا توافرت القدرة على امتصاص الضغوط من خلال تحسين الكفاءة وإعادة ترتيب الأولويات، لكنه اعتبر أن التعهد المطلق يصبح أكثر صعوبة في اقتصاد يتأثر بتقلبات أسعار الطاقة العالمية وسعر الصرف.
ويرفض نافع اختزال القضية بالكامل في مصطلح «دعم الطاقة»، موضحًا أن جزءًا مما يظهر باعتباره دعمًا قد يكون في الحقيقة تكلفة ناتجة عن ضعف الكفاءة داخل منظومة الطاقة، أو نتيجة فروق بين تكلفة الإنتاج والتوزيع والتحصيل والتسعير.
ويطرح عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد سؤالًا أساسيًا قبل تحميل المواطن كامل الفارق من خلال زيادة الأسعار: كم من هذه التكلفة حقيقي ولا يمكن تجنبه؟ وكم منها يمكن خفضه عبر تحسين الكفاءة؟
2- كيف ينخفض التضخم بينما تظل الأسعار مرتفعة؟
يؤكد نافع أن الإجابة تكمن في التفرقة بين معدل التضخم ومستوى الأسعار.
فإذا أدت زيادة أسعار الوقود إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات مرة واحدة، ثم تراجع تأثير هذه الزيادة في المقارنة السنوية، فإن معدل التضخم قد ينخفض، لكن ذلك لا يعني أن السلعة التي ارتفع سعرها ستعود تلقائيًا إلى سعرها السابق.
وبعبارة أكثر وضوحًا، يقول نافع: «التضخم قد ينخفض، بينما تظل الأسعار مرتفعة».
ويرى أن هذه النقطة تستدعي تحسين طريقة التواصل الاقتصادي مع المواطنين، لأن المواطن لا يشتري «معدل التضخم»، وإنما يشتري سلعة أو خدمة بسعر محدد، وبالتالي فإن ما يعنيه فعليًا هو دخله الحقيقي وقدرته على شراء احتياجاته.
3- هل كل مؤشرات الاقتصاد تتقدم؟
يرفض مدحت نافع التعامل مع هذه العبارة باعتبارها حقيقة مطلقة، مؤكدًا أن هناك بالفعل مؤشرات اقتصادية تحسنت، من بينها النمو والاحتياطي وبعض مؤشرات تدفقات النقد الأجنبي والاستقرار في سوق الصرف، إلى جانب تحسن عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي.
لكن في المقابل، لا تزال هناك ضغوط حقيقية تتعلق بمستوى الأسعار وخدمة الدين وتكلفة التمويل والطاقة والدخل الحقيقي للأسر.
ومن هنا، يرى نافع أن التعبير الأدق هو أن الاقتصاد حقق تحسنًا مهمًا في مؤشرات الاستقرار الكلي، لكن هذا التحسن لم يتحول بعد بالقدر الكافي إلى تحسن في الاقتصاد المعيشي.
ويعتبر أن هذا الفارق جوهري، لأن نجاح السياسة الاقتصادية لا يقاس فقط بقدرتها على منع الأزمات، وإنما أيضًا بقدرتها على خلق نمو حقيقي ومستدام ينعكس على الدخول وفرص العمل والإنتاجية.
4- متى يشعر المواطن بتحسن النمو والاحتياطي والدين؟
يضع نافع معيارًا واضحًا لشعور المواطن بتحسن الاقتصاد، قائلًا إن ذلك يحدث عندما تتحول مؤشرات تحسن الاقتصاد الكلي من تحسن في ميزانية الدولة إلى تحسن في ميزانية الأسرة.
ويؤكد أن ارتفاع الاحتياطي وتحسن النمو وتحسن مسار الدين كلها أمور مهمة، لكنها في النهاية وسائل وليست الغاية النهائية.
أما الأسرة، فلن تشعر بتحسن حقيقي إلا عندما يرتفع دخلها الحقيقي، أي عندما تنمو دخولها بمعدل يتجاوز ارتفاع الأسعار، ويصبح لديها هامش أكبر للاستهلاك والادخار والاستثمار.
ويشير إلى أن الوصول لهذه المرحلة لن يتحقق بمجرد تحسن المؤشرات المالية، وإنما يحتاج إلى نمو أكثر كثافة في التشغيل والإنتاجية والاستثمار الحقيقي والتصدير.
5- هل انتهاء برنامج صندوق النقد يعني انتهاء رفع الدعم وتسعير الطاقة؟
يرى نافع أن انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي لا يعني بالضرورة انتهاء سياسات رفع الدعم أو تسعير الطاقة، لكنه في الوقت نفسه يحذر من اختزال هذه السياسات في كونها مجرد «إملاءات صندوق النقد».
وأوضح أن مصر لديها في الأساس مشكلة اقتصادية مرتبطة بتكلفة إنتاج الطاقة وكفاءة منظومتها وطريقة تسعيرها وتحصيلها، وبالتالي ستظل الحاجة إلى إصلاح المنظومة قائمة حتى بعد انتهاء البرنامج.
ويطرح نافع رؤية مختلفة للإصلاح، قائلًا إن السؤال لا ينبغي أن يبدأ من «كم نرفع السعر؟»، وإنما من سؤال أكثر أهمية: «كيف نخفض التكلفة أولًا؟»
ويؤكد أن تحسين الكفاءة وتقليل الفاقد والمتأخرات، إلى جانب تحسين التحصيل والإدارة، يمكن أن يمتص جزءًا من الضغوط التي تبدو وكأنها تستلزم رفع الأسعار، وبالتالي عدم تحميل المستهلك كامل التكلفة.
6- هل يجب ربط الدعم النقدي بالتضخم؟
يؤكد مدحت نافع ضرورة وجود آلية لحماية القيمة الحقيقية للدعم النقدي، محذرًا من أن التضخم قد يؤدي تدريجيًا إلى تآكل قيمة الدعم وإفراغه من مضمونه.
لكنه لا يفضل بالضرورة ربط قيمة الدعم بصورة آلية بمعدل التضخم العام، لأن سلة إنفاق الفئات المستهدفة تختلف عن سلة إنفاق المستهلك المتوسط.
ويرى أن الأفضل هو إجراء مراجعة دورية لقيمة الدعم وفق تكلفة المعيشة للفئات المستهدفة، مع إمكانية تعديل قيمته عندما تتغير الأسعار بصورة جوهرية.
ويشدد في الوقت نفسه على أن التحول إلى الدعم النقدي يجب ألا يتحول إلى مجرد نقل للعبء من دعم السلعة إلى دعم المواطن، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ برفع كفاءة الاقتصاد وخفض التكلفة، ثم استخدام الدعم النقدي كأداة للحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.
الخلاصة.. المؤشر الحقيقي في «جيب المواطن»
يخلص الدكتور مدحت نافع إلى أن قراءة الاقتصاد المصري خلال 2026 لا ينبغي أن تتوقف عند معدلات النمو أو الاحتياطي أو مؤشرات سوق الصرف والدين، رغم أهميتها، وإنما يجب أن تمتد إلى الدخل الحقيقي ومستوى الأسعار وفرص العمل والإنتاجية.
فقد تتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي دون أن يشعر المواطن بتحسن مماثل في حياته اليومية، ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للسياسات الاقتصادية، من وجهة نظره، هو قدرتها على تحويل الاستقرار المالي والنقدي إلى نمو حقيقي يرفع الدخول ويحسن القدرة الشرائية ويخفض تكلفة الإنتاج ويحمي الفئات الأكثر احتياجًا.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







