باحث تركي لـ”النهار”: اتفاق مكة يفتح باب التوازن الخليجي ويضع المظلة الأمريكية أمام اختبار جديد
طرح الباحث التركي د. بكير أتاجان، قراءة سياسية لاتفاق الدفاع المشترك الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة، معتبرًا أن الاتفاق يتجاوز كونه ترتيبات عسكرية بين ثلاث دول، ليعكس تحولًا تدريجيًا في فلسفة الأمن الإقليمي، من الاعتماد على الضمانات الخارجية إلى توسيع مشاركة القوى الإقليمية في صناعة الأمن.
وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن أهمية الاتفاق لا تكمن في أنه أنهى المظلة الأمريكية في الخليج، لأن هذا الأمر لم يحدث، ولا في كونه شكلًا مكتملًا لتحالف عسكري إسلامي، وإنما في كونه يفتح مسارًا جديدًا نحو تقاسم صناعة الأمن بدلًا من احتكارها من قوة خارجية واحدة. ورأى أن هذا التحول، رغم كونه تدريجيًا، يحمل دلالة استراتيجية مهمة على مستقبل ترتيبات الأمن في المنطقة.
مكة تمنح الاتفاق دلالة مختلفة
وأشار الباحث التركي إلى أن اختيار مكة لتوقيع الاتفاق لا يمثل تفصيلًا بروتوكوليًا، نظرًا إلى مكانتها الدينية المركزية في العالم الإسلامي، مؤكدًا أن الموقع يمنح الاتفاق بعدًا رمزيًا واسعًا، من دون أن يعني ذلك تحوله إلى تحالف ديني أو طائفي.
وبحسب أتاجان، فإن الإطار الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان يظل سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا، بينما تضيف مكة إليه شرعية رمزية خاصة، وهو ما يجعل الاتفاق مختلفًا في دلالاته عن ترتيبات دفاعية يتم توقيعها في العواصم السياسية أو المقرات العسكرية.
ويرى أن تركيب الاتفاق يمنحه وزنًا جيوسياسيًا يتجاوز مضمونه العسكري المباشر، خصوصًا مع امتلاك الدول الثلاث عناصر قوة متباينة يمكن أن تتكامل في إطار أوسع؛ فالسعودية تمتلك رأس المال والطاقة والموقع الجغرافي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وقوة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية، بينما تمتلك باكستان جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية واسعة وقدرات استراتيجية.
الردع قبل الحرب
وأكد أتاجان أن الهدف الأول لأي منظومة دفاع مشترك يتمثل في رفع تكلفة العدوان، موضحًا أن الرسالة الأساسية للاتفاق هي أن تعرض إحدى الدول الثلاث لتهديد كبير قد لا يبقى شأنًا منفردًا، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة ذات أبعاد إقليمية أوسع.
وشدد على أن ذلك لا يعني أن الاتفاق يفرض تلقائيًا حربًا شاملة أو يلزم الدول الثلاث بالتدخل بالطريقة نفسها في كل ظرف، لكنه يغير الحسابات العسكرية من خلال الانتقال من التعامل مع التهديدات بصورة منفردة إلى بناء شبكة دفاعية أوسع.
واعتبر أن مجرد انتقال السعودية من معادلة مواجهة التهديد وحدها إلى الانخراط في شبكة دفاعية أوسع يمكن أن يرفع تكلفة أي حساب عسكري يستهدفها، مشيرًا إلى أن رفع تكلفة الحرب قد يكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من خوضها بالفعل، لأن الردع الناجح هو الذي يمنع الخصم من اختبار القوة أصلًا.
خيار استراتيجي جديد
ورأى الباحث التركي أن البعد الأخطر في الاتفاق لا يتعلق بالجانب العسكري وحده، بل برسالة سياسية مرتبطة بما وصفه بـ"الاستقلال الاستراتيجي"، موضحًا أن السعودية تسعى إلى امتلاك خيارات أمنية متعددة، بينما تريد تركيا أن تكون منتجًا للأمن لا مجرد مستهلك له، وتسعى باكستان إلى توسيع هامش حركتها الاستراتيجية في العالم الإسلامي والخليج.
وأوضح أن اجتماع هذه الإمكانات لا يعني بالضرورة نشوء قوة عسكرية موحدة بين ليلة وضحاها، لكنه يخلق خيارًا استراتيجيًا جديدًا أمام الدول الثلاث، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع الاتفاق بوصفه تطورًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
وبحسب أتاجان، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل واشنطن ليس ما إذا كانت السعودية ستغادر الشراكة الأمريكية، وإنما ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الخيار الأمني الوحيد أمام دول الخليج. واعتبر أن الفارق بين أن تكون واشنطن شريكًا أمنيًا رئيسيًا وبين أن تكون الضامن الأمني الوحيد يمثل جوهر التحول الجاري.
واشنطن أمام تعدد القوى
استبعد أتاجان أن يعني اتفاق مكة أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها في الخليج، مؤكدًا أن واشنطن لا تزال قوة عسكرية وسياسية واقتصادية مركزية في الشرق الأوسط، كما أن علاقاتها الأمنية مع السعودية وتركيا وباكستان واسعة ومتعددة المستويات.
لكنه أشار إلى أن بناء الدول الإقليمية لقدراتها الدفاعية وشبكاتها الأمنية الخاصة قد يقود إلى شرق أوسط متعدد مراكز القوة، بدلًا من الانتقال المباشر من النفوذ الأمريكي إلى نفوذ صيني أو روسي. واعتبر أن هذا السيناريو قد يكون أكثر أهمية من فكرة خروج الولايات المتحدة من المنطقة، لأنه يعني ظهور شبكة أكثر تعقيدًا من موازين القوى.
وفي هذا السياق، استند أتاجان إلى ما وصفه بالمنهج الكيسنجري في قراءة النظام الدولي، مع التأكيد على أن هنري كيسنجر توفي قبل ظهور اتفاق مكة، وبالتالي لا يمكن نسب أي موقف مباشر إليه بشأن الاتفاق. إلا أن الباحث يرى أن المنهج الواقعي الذي ارتبط بكيسنجر يمكن أن يساعد في فهم طبيعة السؤال المطروح أمام الولايات المتحدة، والمتعلق بكيفية إدارة توازنات القوة ومنع قوة واحدة من السيطرة على النظام الإقليمي.
إيران عقدة الخليج
واعتبر أتاجان أن إيران تمثل العقدة الأكثر تعقيدًا في أي هندسة أمنية جديدة للخليج، نظرًا إلى موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وشبكات نفوذها الإقليمية وارتباطها بملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن والملف النووي.
وأوضح أن واشنطن تواجه معادلة صعبة في التعامل مع طهران، إذ إن إضعافها بصورة مفرطة قد يدفعها نحو تعميق علاقاتها مع روسيا والصين، بينما قد يؤدي تركها تتوسع بصورة أكبر إلى تهديد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، في حين أن إسقاط النظام بالقوة يمكن أن يفتح الباب أمام فوضى يصعب التحكم بنتائجها.
وأضاف أن التصالح الكامل مع إيران قد يؤدي في المقابل إلى تغيير ميزان القوى في الخليج، ولذلك تتحرك السياسة الأمريكية تجاه طهران، وفق تقديره، بين الضغط والردع والتفاوض واستخدام القوة المحدودة، من دون الوصول إلى انتصار كامل أو مصالحة كاملة.
وأكد الباحث أن طهران بدورها لا تتعامل مع الملفات الإقليمية بصورة منفصلة، وإنما تنظر إلى النووي من زاوية أمن الخليج، وإلى أمن الخليج من خلال العراق، والعراق من خلال سوريا، وسوريا من خلال لبنان، فيما يرتبط اليمن بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
حرب إقليمية مؤجلة
وأشار أتاجان إلى أن الحرب الشاملة مع إيران تظل خيارًا شديد التعقيد بالنسبة إلى واشنطن، لأن تداعياتها لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل يمكن أن تمتد إلى الخليج ومضيق هرمز والعراق واليمن وإسرائيل ولبنان وسوريا، فضلًا عن تأثيراتها المباشرة في أسواق الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد.
ورأى أن هذه المخاطر تجعل المزج بين الردع والضغط والعقوبات والتفاوض والضربات المحدودة، عند الضرورة، أقرب إلى الخيار الأكثر عقلانية بالنسبة إلى واشنطن، ليس بسبب رغبتها في التقارب مع إيران، وإنما لإدراكها أن إسقاط النظام الإيراني بالقوة قد لا يكون بالضرورة أقل تكلفة من احتوائه.
إسرائيل تعقّد الحسابات
وفيما يتعلق بإسرائيل، أشار أتاجان إلى أن واشنطن تسعى إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما تعتبر إسرائيل البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، في حين لا تريد الولايات المتحدة الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها.
ووصف المشهد بأنه تقاطع بين ثلاث إرادات استراتيجية مختلفة؛ إيران تسعى إلى تعزيز الردع، وإسرائيل تريد منع طهران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، بينما تسعى واشنطن إلى منع الطرفين من الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.
وأكد أن هذه المعادلة ليست مستقرة، وإنما تحتاج إلى إدارة مستمرة للتوازنات، خصوصًا مع احتمال أن يؤدي أي تغيير كبير في ميزان القوة الخليجي إلى إعادة ترتيب حسابات جميع الأطراف.
موسكو وبكين تراقبان
ورأى الباحث التركي أن أي إعادة تشكيل لمنظومة الأمن الخليجي ستفتح مساحة جديدة أمام روسيا والصين، ليس بالضرورة عبر تحالفات عسكرية رسمية، وإنما من خلال مجالات الدفاع والطاقة والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والاتصالات والتجارة والاستثمارات الاستراتيجية.
وشدد في الوقت نفسه على ضرورة الفصل بين التحليل والافتراض، موضحًا أنه لا يمكن اعتبار أي توسع روسي أو صيني في المنطقة نتيجة تلقائية لاتفاق مكة، لكن تغير موازين القوة الإقليمية يمنح القوى الكبرى فرصًا أكبر لاستثمار التحولات الجديدة.
وبحسب أتاجان، قد ينتقل الخليج تدريجيًا من معادلة ثنائية تتمحور حول الولايات المتحدة وإيران إلى معادلة أكثر تعقيدًا تضم شبكات إقليمية متعددة إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهو ما قد يحول الخليج إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الجيوسياسي خلال القرن الحادي والعشرين.
الاتفاق بين الاستقرار والاستقطاب
وأكد أتاجان أن مستقبل اتفاق مكة سيتوقف على الطريقة التي ستستخدم بها الدول الثلاث الترتيبات الدفاعية الجديدة، مشيرًا إلى أن تحوله إلى مؤسسة مرنة قائمة على الردع وتبادل المعلومات والتدريب والتخطيط المشترك قد يجعله عاملًا للاستقرار الإقليمي.
أما إذا تحول الاتفاق إلى محور مغلق في مواجهة محور آخر، فقد تدخل المنطقة في سباق جديد للتحالفات والتسلح والدفاع الجوي والصواريخ والقواعد والمناورات البحرية، وصولًا إلى استقطاب دولي أوسع، الأمر الذي يجعل التحدي الحقيقي مرتبطًا بكيفية استخدام الاتفاق وليس بمجرد وجوده.
وأشار الباحث إلى أن القراءة الواقعية التي يستند إليها في تحليل المشهد لا تطرح السؤال حول كيفية هزيمة إيران، وإنما حول كيفية منع أي طرف من السيطرة على النظام الإقليمي، وهو ما يعني بالنسبة إلى واشنطن ضرورة منع الهيمنة الإيرانية على الخليج، وفي الوقت نفسه تجنب دفع السعودية وتركيا وباكستان إلى تشكيل كتلة مغلقة معادية لها، وعدم ترك فراغ استراتيجي يسمح للصين أو روسيا بالسيطرة على بنية الأمن الإقليمي.
اختبار النظام الجديد
وخلص أتاجان إلى أن اتفاق مكة لا يعني نهاية النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ولا يمثل حتى الآن تحالفًا عسكريًا إسلاميًا مكتمل الأركان، كما أنه لا يشكل إعلانًا للحرب على إيران، لكنه يعكس بداية مطالبة متزايدة من القوى الإقليمية بدور أكبر في صناعة الأمن الذي ظل لعقود يُدار بدرجة كبيرة من خارج المنطقة.
وأوضح أن السعودية تبحث عن ضمانات أكبر، وتركيا تسعى إلى عمق استراتيجي وشبكة شراكات أوسع، بينما تريد باكستان توسيع حضورها الإقليمي مع الحفاظ على علاقاتها الدولية المتعددة، في حين تحاول الولايات المتحدة الاحتفاظ بنفوذها من دون تحمل التكلفة الكاملة لأمن الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن إيران، في المقابل، تواجه معادلة جديدة؛ فإذا شعرت بأن محيطها الإقليمي يتشكل ضدها، فقد تتجه إلى تعميق علاقاتها مع موسكو وبكين، وهو ما قد يحول التحدي أمام واشنطن من التعامل مع إيران منفردة إلى التعامل مع نظام أمني خليجي متعدد الأقطاب.
وأكد أتاجان أن الاختبار الحقيقي أمام اتفاق مكة يتمثل في قدرة الدول الثلاث على بناء منظومة أمن إقليمية أكثر استقلالًا من دون تحويل الخليج إلى ساحة لحرب باردة جديدة. فإذا نجح الاتفاق في صناعة الردع فقد يمثل بداية توازن جديد، أما إذا فشل في إدارة التوازن فقد يصبح مدخلًا إلى استقطاب جديد.
وأضاف أن الرسالة الأبرز التي خرجت من الاتفاق تتمثل في أن الشرق الأوسط لم يعد يريد أن يكون مجرد جغرافيا تُدار أمنيًا من الخارج، وأن القوى الإقليمية بدأت تسعى إلى الدخول بصورة أكبر في صناعة القرار الأمني. واعتبر أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بمن يمتلك السلاح الأقوى، وإنما بمن يمتلك القدرة على إدارة القوة دون تحويلها إلى حرب، وهي المفارقة التي يراها أتاجان جوهر الواقعية السياسية في إدارة موازين القوى.




.png)












.jpg)


.jpg)
.jpg)






