تكتيك الفخاخ والدرونات الحديثة.. هل ينجح حزب الله في ترميم صورته العسكرية؟
شددت رابحة سيف علام، خبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، على أن قرار حزب الله المنفرد مشاركة إيران حربها ضد إسرائيل تسبب في خلق لحظة مفصلية لشق الاصطفاف الوطني الذي كان يلتف حول المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان.
وأوضحت في تحليل لها، أنه بعد وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، ماطلت إسرائيل في الانسحاب من خمس نقاط على تلال عالية في الجنوب اللبناني، كما واصلت انتهاكها للأجواء اللبنانية وتنفيذ ضربات ضد أهداف تدّعي أنها تابعة لحزب الله. الأمر الذي خلّف الكثير من الخسائر البشرية والمادية، فخلال العام الأول فقط سقط نحو 335 شهيدًا و973 مصابًا من هجمات إسرائيل المتفرقة التي تخرق الهدنة. ثم تكبد لبنان خسائر بشرية كبيرة خلال هذه الجولة الأخيرة من الحرب، حيث سقط ما يزيد على 4192 شهيدًا ونحو 12171 جريحًا منهم ما يزيد على 400 من الطواقم الطبية والفرق الإسعافية حتى تاريخ 23 يونيو 2026.
وأوضحت أن هذا الاستنزاف رسخ لدى اللبنانيين الرغبة في تجنب خوض المزيد من الصراعات. ورغم أن حرب الإسناد الأولى كانت لها مسوغات في نظر فئات واسعة من اللبنانيين تتعلق بالتضامن مع غزة، فإن حرب الإسناد الثانية بدت حربًا عقيدية خالصة تتعلق بالتضامن الشيعي مع إيران لمقتل المرشد الأعلى.
وشددت على أنه في الحالتين، خاض لبنان حروبًا بمسوغات إما قومية أو عقيدية، ولم تكن وطنية بالأساس، رغم محاولة حزب الله إلباس الحرب الثانية مسوغات وطنية؛ بسبب إبقاء إسرائيل احتلالها للنقاط الخمس ومماطلتها في الانسحاب.
كما دخل حزب الله حربًا جديدة وهو لم يتعاف بعد من الحرب الأولى، ولم يستدل بشكل يقيني على مواطن الخرق الاستخباراتي الذي كلفه خسائر هائلة في صفوف قيادته وعناصره وبنيته وترسانته العسكرية وحتى وسائل اتصاله. فالخرق الاستخباراتي الإسرائيلي لحزب الله جعله مكشوفًا تمامًا، وجعل عناصره وقادته أهدافًا سهلة للمسيرات والصواريخ الموجهة الإسرائيلية. ورغم أن حزب الله قد حافظ على استهدافات موجعة بصواريخه بعيدة المدى ضد إسرائيل طوال حرب الـ66 يومًا، فإنه مع وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، قد توقف عن إطلاق هذه الصواريخ امتثالاً للهدنة، وفق رابحة.
وأشارت إلى أنه عندما خاض الحزب الحرب الجديدة في 2 مارس 2026، كان الوضع الجيوسياسي قد تغير بالكامل. كان بشار الأسد قد سقط في دمشق منذ 8 ديسمبر 2024، وتبوأ الحكم نظام جديد معادٍ لحزب الله وإيران، مما قطع على حزب الله فرصة الإبقاء على خط الإمداد البري الذي كان يصله بطهران عبر العراق وسوريا حتى لبنان. وهو ما فرض على حزب الله قيودًا جديدة في استخدام ترسانته الصاروخية التي قد لا يتمكن من إعادة تذخيرها إذا ما تناقصت خلال الحرب.
من جهة ثانية، فرضت الاغتيالات المتكررة على حزب الله قيودًا على مستوى العنصر البشري القيادي، وفرضت الخروقات الاستخباراتية قيودًا على استخدامه للصواريخ النوعية خشيةً انكشاف أماكن تخزينها. وهنا قرر حزب الله اتباع استراتيجية مختلفة في الجولة الجديدة من الحرب ضد إسرائيل. حيث حافظ على إطلاقات صاروخية مستقرة، ولكن بمديات متوسطة وقصيرة تركز على المنشآت العسكرية المؤثرة في الشمال. ثم استهدف القوات الإسرائيلية المتوغلة في لبنان بصواريخ مضادة للمدرعات ومسيرات الألياف البصرية. كما ركّز على نصب الفخاخ المعدة سلفًا لمنع تقدم قوات الاحتلال الإسرائيلي متى حانت لحظة وقف إطلاق النار الجديدة.
ولكن المؤسف في هذه الاستراتيجية الجديدة، رغم نجاح بعض عناصرها، أنها كشفت عن انهيار توازن الردع السابق الذي كان حزب الله قد نجح في إرسائه منذ عام 2006. فالإسرائيليون عادوا إلى احتلال نقاط مهمة من الجنوب اللبناني، وتوغلوا لمسافة تتراوح بين 5 و10 كم جنوب نهر الليطاني، وخلقوا منطقة عازلة تسمى بـ«الخط الأصفر» ودمروا فيها كل فرصة للحياة سواء البنية التحتية العامة أو ممتلكات المواطنين بدعوى تدمير بنية حزب الله العسكرية. ونجحوا في تهجير ما يزيد على مليون ومائتي ألف لبناني بين ليلة وضحاها من قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، مع عدم قدرة الكثيرين منهم على العودة إلى قراهم المدمرة، وفق الخبيرة السياسية.
وأشارت إلى أن حزب الله نجح في بناء سلاح نوعي موازٍ جديد – مستوحى من الحرب الأوكرانية الروسية- حقق به إصابات موجعة بين صفوف جنود الاحتلال. حيث خلق حزب الله كتيبة جديدة لتسيير وتوجيه المسيرات ذات الألياف الضوئية التي يصعب اختراق أنظمة الملاحة الخاصة بها، وبالتالي لا يتم رصدها إلا بالعين المجردة قبل انفجارها بالهدف الذي تلاحقه بلحظات. استُحدث سلاح المسيرات ذات الألياف الضوئية بعد الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لحزب الله، ولكن الحزب حافظ على سلاحه النوعي الجديد بعيدًا عن الاختراق، وحقق به إصابات موجعة ضد جيش الاحتلال، دون أن يتمكن هذا الأخير من اختراقه أو إيجاد الحلول لمواجهته.
وشددت على أنه رغم هذا السلاح النوعي الذي تمكن من إسقاط أكثر من 30 جنديًا إسرائيليًا منذ بداية الحرب، فإن توازن الردع اختل بشكل واضح لصالح إسرائيل، وأصبحت تكلفة الاستمرار في الحرب أكبر على لبنان، وعلى عناصر وجمهور حزب الله نفسه. يُضاف إلى ذلك سقوط مناطق واسعة في جنوب لبنان بيد الاحتلال وأبرزها الناقورة في القطاع الغربي وبنت جبيل والطيبة في القطاع الأوسط والعديسة ومركبا وقلعة الشقيف- شمال نهر الليطاني- في القطاع الغربي. ومحاولات لاحتلال تلال علي الطاهر، التي تشرف على النبطية وهي المعقل الديموغرافي الأهم لحزب الله. فضلاً عن تهديد قرى صور ومحيطها وإصدار إنذارات بإخلاءات واسعة لأكثر من 63 من قرى الجنوب اللبناني من سكانها. ففي تقديرات أولية خلال الشهر الأول من الحرب وحتى بلوغ أول هدنة جزئية في 16 أبريل 2026، تم توثيق تدمير إسرائيل لما يزيد عن 1400 مبنى في الجنوب، دون تقديم أدلة واضحة على ارتباط هذه المباني بالأغراض العسكرية لحزب الله. مما يرقى لكون هذا الدمار الممنهج جريمة حرب إسرائيلية موصوفة ضد لبنان . إلى جانب ذلك، قررت إسرائيل الاحتفاظ بمنطقة عازلة تمتد بعمق يتراوح بين 4 و10 كم على طول الجنوب اللبناني بمحاذاة الحدود مع إسرائيل فيما يسمى منطقة أمنية "الخط الأصفر" على غرار ما جرى في غزة. وتستهدف إسرائيل إفراغ هذه المنطقة بالكامل من كل مظاهر الحياة، وترفض الانسحاب منها أو السماح بعودة سكانها إليها حتى بعد وقف الحرب.


.jpg)

.png)
.jpg)


.jpg)







