من يملك بيانات العالم؟.. مشروع ”نيمبوس” يكشف تحول التكنولوجيا إلى سلاح نفوذ عالمي
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالسلاح التقليدي وحده، بل أصبحت البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية أحد أهم أدوات القوة في القرن الحادي والعشرين، وبينما ينشغل العالم بالتطور التكنولوجي المتسارع، تتصاعد التساؤلات حول حدود دور شركات التكنولوجيا العالمية في الصراعات الدولية، ومدى حيادها في إدارة البيانات التي أصبحت تمثل ثروة إستراتيجية لا تقل أهمية عن النفط أو الطاقة.
وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة مشروع “نيمبوس” (Project Nimbus)، وهو الاتفاق الذي أُعلن عنه بين الحكومة الإسرائيلية وشركتي Google وAmazon لتقديم خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بعد تحقيقات صحفية أجنبية تناولت المشروع وأثارت نقاشًا واسعًا حول أبعاده القانونية والتقنية.
اللواء أشرف عبد العزيز: البيانات أصبحت أخطر أسلحة العصر
وفي تصريحات خاصة لـ”النهار”، أكد الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز أن العالم يشهد تحولًا غير مسبوق في مفهوم الأمن القومي.

وقال: “لم تعد البيانات مجرد معلومات تُخزن داخل خوادم إلكترونية، بل أصبحت أحد أهم عناصر القوة الإستراتيجية. من يمتلك البيانات يمتلك القدرة على التحليل والتنبؤ والتأثير، ولذلك أصبحت شركات التكنولوجيا لاعبًا رئيسيًا في البيئة الأمنية الدولية.”
وأضاف أن مشروع “نيمبوس” تجاوز كونه عقدًا تجاريًا لتقديم خدمات سحابية، ليصبح محل اهتمام خبراء الأمن والسياسة حول العالم، في ظل ما أثير بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في بيئات الصراع.
وأشار إلى أن تحقيقًا مشتركًا نشرته صحيفة The Guardian البريطانية بالتعاون مع مجلة +972 Magazine وموقع Local Call الإسرائيلي استعرض وثائق تتعلق بالمشروع، وأثار تساؤلات حول آليات التعامل مع بعض الطلبات القانونية الخاصة بالبيانات، كما تناول مفهوم “Warrant Canary” أو ما يعرف إعلاميًا بـ”الغمزة الرقمية”، وهي آلية تقنية وقانونية تستخدمها بعض الشركات في ظروف محددة عندما يمنعها القانون من الإفصاح المباشر عن بعض الإجراءات القانونية.
وأضاف اللواء أشرف عبد العزيز:
“سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ما ورد في تلك التحقيقات، فإن الرسالة الأهم هي أن البيانات أصبحت ساحة صراع دولية، وأن أمن المعلومات لم يعد قضية تقنية فقط، بل قضية أمن قومي.”
أمازون وطلب بطاقة الهوية… لماذا يزداد الجدل؟
وتزامن هذا الجدل مع تداول شكاوى من بعض العملاء في مصر بشأن طلب منصة أمازون تقديم صورة من بطاقة تحقيق الشخصية في بعض حالات إرجاع المنتجات.
ويرى اللواء أشرف عبد العزيز أن الواقعة تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول حماية البيانات الشخصية.
وقال: “قد يكون طلب التحقق من الهوية إجراءً مشروعًا لمكافحة الاحتيال، لكن من حق أي مستخدم أن يعرف بوضوح لماذا تُجمع بياناته، وكيف تُخزن، ومن يملك حق الوصول إليها، ومدة الاحتفاظ بها.”
وأضاف: “البيانات أصبحت العملة الجديدة للاقتصاد الرقمي، ولذلك فإن الشفافية والرقابة القانونية أصبحتا ضرورة وليستا رفاهية.”
د. إيناس عبد العزيز: المستخدم هو الحلقة الأضعف
من جانبها، أكدت الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، أن ملايين المستخدمين يوافقون يوميًا على سياسات الخصوصية دون الاطلاع على تفاصيلها.

وقالت: “كل معلومة يشاركها المستخدم عبر الإنترنت تضيف قيمة إلى قواعد البيانات الرقمية. لذلك يجب أن يكون هناك وعي أكبر بكيفية التعامل مع البيانات الشخصية، وضرورة أن تلتزم الشركات بالإفصاح الواضح عن سياسات جمع البيانات واستخدامها وحمايتها.”
وأضافت أن البيانات أصبحت أحد أهم الأصول في الاقتصاد الرقمي، الأمر الذي يفرض تطوير التشريعات والرقابة بما يواكب التطور التكنولوجي.
المستشار محمود عنتر: القانون هو الضامن للثقة
وأكد المحامي الدولي المستشار محمود عنتر أن حماية البيانات الشخصية أصبحت من أهم التحديات القانونية في العصر الرقمي.
وقال: “القوانين الحديثة، سواء على المستوى الدولي أو الوطني، تنظم آليات جمع البيانات ومعالجتها وتمنح الأفراد حقوقًا واضحة في معرفة كيفية استخدام بياناتهم والاعتراض على أي استخدام غير مشروع لها.”
وأضاف أن الثقة في الاقتصاد الرقمي لا تتحقق إلا من خلال الشفافية، والالتزام بالقانون، وتمكين المستخدم من ممارسة حقوقه على بياناته.
معركة المستقبل
ويرى الخبراء أن السنوات المقبلة ستشهد تنافسًا متزايدًا بين الدول على امتلاك البيانات والقدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل حماية الخصوصية والأمن السيبراني من أهم ملفات الأمن القومي عالميًا.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى الرسالة الأهم أن البيانات لم تعد مجرد تفاصيل شخصية، بل أصبحت موردًا إستراتيجيًا يعاد تشكيل موازين القوى العالمية على أساسه. ومع هذا التحول، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يملك البيانات؟ ومن يضع قواعد استخدامها؟
الإجابة لم تعد بسيطة، لكنها ترتبط بشكل مباشر بقدرة الدول على فرض سيادتها الرقمية، وبمدى التزام الشركات الكبرى بالشفافية، وبوعي المستخدمين بحقوقهم.
وفي النهاية، سيُقاس مستقبل التكنولوجيا ليس فقط بقدرتها على الابتكار، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين النفوذ والحقوق، بين القوة والمسؤولية، وبين التقدم واحترام خصوصية الإنسان.




.png)












.jpg)


.jpg)






