بوتين بين شبح الهزيمة وخيار التصعيد.. هل تتحول حرب أوكرانيا إلى مواجهة أوروبية أوسع؟
مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، تتزايد في العواصم الغربية التقديرات التي تشير إلى أن موسكو تواجه واحدة من أصعب مراحل الصراع منذ انطلاقه عام 2022. فبينما تتحدث تقارير عسكرية غربية عن تراجع الزخم الهجومي الروسي وارتفاع الخسائر البشرية والاقتصادية، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا سيفعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إذا اقتنع بأن مشروعه في أوكرانيا يتجه نحو الفشل؟
بالنسبة لأوكرانيا وحلفائها الأوروبيين، تبدو المؤشرات الأخيرة مشجعة. فقد تمكنت كييف من تطوير قدراتها الهجومية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ المحلية، ونقلت المعركة إلى العمق الروسي عبر ضربات استهدفت منشآت وبنى تحتية حساسة. وفي الوقت ذاته، تشير تقديرات غربية إلى أن القوات الروسية تتكبد عشرات الآلاف من القتلى والجرحى شهرياً، بينما تعثرت مكاسبها الميدانية في عدة جبهات.
وترافق الضغط العسكري مع تحديات اقتصادية متزايدة داخل روسيا، شملت اضطرابات في إمدادات الوقود وارتفاع الأسعار والضرائب، في وقت تحولت فيه "العملية العسكرية الخاصة" التي توقع الكرملين أن تكون سريعة وحاسمة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
ورغم استمرار الهجمات الروسية على المدن الأوكرانية والبنية التحتية المدنية، فإن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبدى في الآونة الأخيرة قدراً من التفاؤل بإمكانية اقتراب نهاية الصراع. ويستند هذا التفاؤل إلى تقديرات عدد من الخبراء العسكريين الغربيين الذين يرون أن القدرات القتالية الروسية تواجه ضغوطاً متزايدة وأن فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار باتت أكبر مما كانت عليه في السنوات السابقة.
لكن هذه القراءة تطرح تساؤلات معقدة بشأن طبيعة تفكير بوتين نفسه. فالرئيس الروسي الذي بنى شرعيته السياسية على استعادة النفوذ الروسي ومواجهة الغرب، قد لا ينظر إلى الواقع الميداني بالطريقة ذاتها التي يراها بها خصومه. ويرى مراقبون أن الدائرة الضيقة المحيطة به، إلى جانب اعتماد الكرملين على الإعلام الرسمي والأجهزة الأمنية، قد تساهم في ترسيخ صورة مختلفة عن حقيقة الأوضاع على الأرض.
غير أن السيناريو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للغرب لا يتمثل في استمرار الحرب فحسب، بل في احتمال أن يلجأ بوتين إلى توسيع نطاق المواجهة إذا شعر بأن الهزيمة تقترب. فبدلاً من القبول بتسوية سياسية، قد يختار تصعيد الضغوط على أوروبا عبر أدوات الحرب الهجينة التي تشمل الهجمات السيبرانية وعمليات التخريب وحملات التضليل الإعلامي والتدخل في البنى التحتية الحيوية.
وخلال الأشهر الأخيرة، حذرت أجهزة أمنية واستخباراتية أوروبية من تصاعد الأنشطة الروسية التي تستهدف دول القارة. وتشير هذه التحذيرات إلى تزايد الهجمات الإلكترونية ومحاولات التأثير على العمليات الديمقراطية وسلاسل الإمداد، فضلاً عن حوادث متكررة تتعلق بالتشويش على أنظمة الملاحة الجوية والبحرية.
كما شهدت دول أوروبية عدة حوادث نسبت إلى شبكات مرتبطة بموسكو، شملت أعمال تخريب للبنية التحتية وقطع كابلات اتصالات وخطوط أنابيب تحت البحر، في تطورات تعكس انتقال المواجهة تدريجياً من حدود أوكرانيا إلى فضاء أوروبي أوسع.
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف داخل حلف شمال الأطلسي من أن يؤدي استمرار الضغوط الروسية إلى احتكاك مباشر مع إحدى دول الحلف، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من الصراع بين روسيا والغرب.
وعلى الصعيد السياسي، تواجه موسكو أيضاً تحديات متنامية في محيطها الإقليمي. فالاتحاد الأوروبي يمضي قدماً في تعزيز علاقاته مع أوكرانيا، بينما تتعرض شبكات النفوذ الروسية في عدد من دول أوروبا الشرقية والقوقاز لضغوط متزايدة. كما أن تراجع نفوذ بعض الحلفاء السياسيين المقربين من الكرملين داخل أوروبا يمثل انتكاسة إضافية للمشروع الروسي في القارة.
ورغم هذه الضغوط، لا يزال الحديث عن نهاية قريبة للحرب محفوفاً بالمخاطر. فحتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، يخشى مراقبون أن يتحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة تسمح لروسيا بإعادة تنظيم قواتها وإعادة بناء قدراتها العسكرية استعداداً لجولة جديدة من الصراع.
كما أن أي تسوية لا تتضمن ضمانات أمنية واضحة وملزمة لأوكرانيا قد تترك كييف في وضع أكثر هشاشة، خصوصاً إذا تراجع الدعم العسكري الغربي أو تصاعدت الضغوط الداخلية لإجراء انتخابات وإعادة ترتيب المشهد السياسي بعد سنوات الحرب الطويلة.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى محللون أن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت روسيا تخسر الحرب أم لا، بل على كيفية تصرف بوتين إذا اقتنع بذلك فعلاً. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الكرملين غالباً ما يرد على الضغوط بتوسيع دائرة المواجهة لا تقليصها، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة من الحرب الأوكرانية شديدة الحساسية بالنسبة لأوروبا والعالم.
وبينما يراهن الغرب على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستدفع موسكو في النهاية نحو التسوية، يبقى الخوف قائماً من أن يتحول شعور الكرملين بالخسارة إلى دافع لمزيد من التصعيد، بما قد ينقل الصراع من حرب إقليمية إلى أزمة أمنية أوروبية مفتوحة لا تزال حدودها النهائية غير واضحة.

















.jpg)






