مروان موسى يكسر شكل إطلاق الأغاني.. «وثائقي» بين شاشة السينما وشوارع الإسماعيلية
يبدو أن مروان موسى لا يكتفي هذه المرة بإطلاق أغنية جديدة، بل يحاول إعادة تعريف الطريقة التي يمكن أن تُقدَّم بها الموسيقى نفسها. فمع مشروعه الجديد «وثائقي»، يذهب أحد أبرز أصوات الراب المصري إلى منطقة مختلفة تمامًا، تجمع بين السينما والموسيقى والسيرة الذاتية والشارع في عمل واحد يصعب تصنيفه داخل قالب تقليدي.
ولأول مرة في المشهد الموسيقي العربي، يُقدَّم عمل غنائي بهذه الصيغة المزدوجة؛ إذ تستضيف سينما زاوية يومي 24 و25 مايو 2026 العرض الأول لـ«وثائقي»، بالتزامن مع عروض مفتوحة في شوارع الإسماعيلية، المدينة التي ينتمي إليها مروان موسى، ليصبح الجمهور في صالة السينما، وأبناء الشارع، جزءًا من التجربة نفسها في اللحظة ذاتها.

ما يحدث هنا يتجاوز فكرة “طرح أغنية” أو حتى “كليب”، لأن «وثائقي» يبدو أقرب إلى تجربة سمعية وبصرية تحكي عن نفسها أثناء تكوينها. العمل، الذي يشارك فيه الموزع أحمد جلبا، لا يكتفي بعرض النتيجة النهائية، بل يكشف أيضًا البيئة التي خرج منها، والحياة اليومية التي تغذت عليها الموسيقى والكلمات والصور.
وفي وقت بدأت فيه موجة الراب والتراب تتراجع تدريجيًا بعد سنوات من الهيمنة على ذائقة الشباب، يحاول مروان موسى أن يطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا يتبقى بعد انطفاء الضجيج؟
الإجابة، على ما يبدو، ليست في تكرار الصيغة السائدة، بل في التجريب المستمر. فمنذ سنوات، يعمل مروان على توسيع حدود الراب المصري، عبر مزج أنماط موسيقية مختلفة؛ مرة مع المهرجانات، ومرة مع الموسيقى الشرقية، وصولًا إلى توظيف آلات تراثية مصرية داخل أعماله، في محاولة لصناعة صوت محلي لا يبدو مستوردًا بالكامل من التجارب الغربية.
وفي «وثائقي»، تصل هذه المحاولة إلى مرحلة أكثر نضجًا. فالإسماعيلية هنا ليست مجرد خلفية جغرافية، بل تتحول إلى بطل خفي للعمل. المدينة الهادئة، والشوارع المفتوحة، ولعب الكرة، والجلوس على البحيرة، وتفاصيل الحياة اليومية، كلها تصبح جزءًا من التكوين الفني للأغنية.

اللافت أيضًا أن المشروع يحمل بوضوح أثر دراسة مروان موسى للسينما والإخراج في إيطاليا، وهي الخلفية التي تظهر في معظم أعماله المصورة، لكنه يدفع بها هنا إلى أقصى مدى. الصورة لم تعد عنصرًا مكمّلًا للأغنية، بل جزءًا أصيلًا من بنائها. ولهذا يبدو «وثائقي» أقرب إلى فيلم موسيقي حي، لا يمكن فصل ما يُسمع فيه عما يُرى.
ويأخذ العمل المشاهد في رحلة تبدأ داخل “الغرفة 313”، ذلك الفضاء البصري القريب من الهنجر المهجور، بإضاءته الخافتة وأجوائه الثقيلة، قبل أن ينفتح لاحقًا على الشارع، وعلى وجوه الناس وإيقاع المدينة، وكأن العمل ينتقل من العزلة إلى الجماعة، ومن الداخل النفسي إلى الحياة اليومية.
أما موسيقيًا، فيغامر مروان موسى بخطوة شديدة الجرأة، عبر استحضار موسيقى محمد عبد الوهاب وعزف عمر خورشيد بروحهما الأصلية، ليضع هذا التراث الشرقي الكلاسيكي جنبًا إلى جنب مع كلمات راب معاصرة وإيقاعات حديثة.
والمثير أن هذا المزج لا يبدو صادمًا أو متنافراً، بل يمنح الإحساس بأن الموسيقى الشرقية والراب كانا يبحثان عن نقطة لقاء منذ وقت طويل. وكأن مروان موسى يحاول أن يثبت عمليًا أن الهوية الموسيقية المصرية قادرة على استيعاب التراث والحداثة معًا، دون أن تفقد خصوصيتها.
«وثائقي» في النهاية ليس مجرد أغنية جديدة داخل سوق الراب، بل محاولة لصناعة شكل مختلف من التلقي نفسه؛ حيث تتحول الموسيقى إلى تجربة معاشة، وتصبح المدينة جزءًا من الأداء، ويختفي الحد الفاصل بين الفيلم والأغنية والواقع.
















.jpg)
_page-0001.jpg)




.jpg)
