«هوملاندر ليس إلهاً».. كيف كشف مسلسل The Boys هشاشة القوة وصناعة الأصنام السياسية؟
يكشف The Boys، في جوهره، أن أزمة Homelander لم تكن يومًا في فائض القوة، بل في عمق الاحتياج. فالكائن الذي قدّم نفسه بوصفه نسخة حديثة من الإله، ظل طوال الوقت عاجزًا عن العيش دون اعتراف الآخرين، ودون جمهور يصفق، أو تابع يطيعه، أو شريك يمنحه شعورًا بالأهمية. وهذا وحده كافٍ لنزع صفة الألوهية عنه فلسفيًا.

عند أفلاطون، الإله كائن مكتفٍ بذاته، لا يحتاج إلى أحد كي يثبت وجوده أو يمنحه معنى. أما الإنسان، فهو كائن ناقص بطبيعته، يبحث دائمًا عن الآخر. ولهذا تبدو عبارة أفلاطون الشهيرة: «الإنسان الوحيد إما إله أو حيوان» شديدة القسوة والدقة في الوقت نفسه. لأن هوملاندر، رغم امتلاكه قدرات تتجاوز البشر، لم يستطع أبدًا الوصول إلى حالة الاكتفاء الإلهي، بل ظل طوال الوقت أسير خوفه من الوحدة، ومن فقدان الحب، ومن انكشاف هشاشته الداخلية.
ومن هنا تبدو حاجته الدائمة إلى شريك أو تابع أو جمهور، اعترافًا غير مباشر بأنه ليس إلهًا، بل طفلًا خائفًا يرتدي قناع الإله.

لهذا جاءت النهاية منطقية للغاية. فبمجرد تراجع قوته، أو حتى اهتزاز صورة القوة المطلقة داخله، ظهر الطفل المختبئ خلف الوحش. الطفل الذي لم يتجاوز صدماته الأولى، ولم يبنِ ذاته على وعي حقيقي، بل على شعور مرضي بالتفوق. كانت قوته دائمًا محاولة للهروب من ضعفه النفسي، لا تعبيرًا عن اكتماله.
وهنا تكمن عبقرية المسلسل؛ فهو لا يقدم الشر باعتباره انحرافًا فرديًا فقط، بل يكشف كيف تصنع الأنظمة الحديثة أصنامها الخاصة. فهوملاندر ليس مجرد “سوبر هيرو” منحرف، بل نموذج للفاشية السياسية حين تتحالف القوة مع الإعلام، ومع الخطاب الشعبوي، ثم تمتد بسذاجة نحو الدين نفسه، محاولة صناعة قداسة زائفة تحيط الحاكم أو البطل أو الزعيم بهالة فوق بشرية.

المسلسل يسخر بوضوح من فكرة “المنقذ المقدس”، ذلك الكائن الذي يُطلب من الجماهير ألا تناقشه بل تؤمن به فقط. ولهذا تتحول العدالة السياسية في العمل إلى عملية مستمرة لتحطيم الأصنام، لا الأشخاص فقط. لأن الفاشية لا تبدأ من القوة، بل من تحويل القوة إلى عقيدة، ثم إلى قداسة، ثم إلى شيء محرم على النقد.
ومن هنا تبدو النهاية الحقيقية للمسلسل أعمق من مجرد سقوط هوملاندر نفسه. فالنظام الذي صنعه لا يسقط تلقائيًا بسقوطه، بل يظل قائمًا وقادرًا على إعادة إنتاج نسخة جديدة منه. ربما بوجه مختلف، أو بشعار مختلف، أو حتى بخطاب أكثر نعومة، لكنه سيظل يحمل البنية نفسها: تقديس القوة، وصناعة الزعيم، وتخويف الجماهير، وتحويل الطاعة إلى فضيلة أخلاقية.
وهذا ما يجعل النهاية المنطقية ليست نهاية شخص، بل نهاية وهم. وهم الاعتقاد أن الخطر يكمن في “الطاغية الفرد”، بينما الحقيقة أن الخطر الأكبر يكمن في النظام الذي يسمح بظهوره، ثم يحميه، ثم يعيد تدويره كلما سقط.

ولهذا فإن أي عدالة سياسية حقيقية لا تبدأ بتقييد الشعوب، بل بتقييد السلطة نفسها. فالمجتمعات لا تصبح أكثر أمانًا حين تُراقب الجماهير أكثر، بل حين تصبح القوة خاضعة للمحاسبة، وغير قادرة على التحول إلى سلطة مطلقة أو مقدسة.
لأن كل سلطة بلا قيود ستبحث دائمًا عن صناعة هوملاندر جديد. وكل جماهير تُربّى على عبادة القوة، ستظل مستعدة لاستقبال الصنم التالي، مهما اختلف شكله أو شعاره أو لغته.
















.jpg)
_page-0001.jpg)




.jpg)
