من الحارة إلى الإنسان العالمي.. نجيب محفوظ ومكسيم جوركي في حوار أدبي بمعرض الكتاب
ضمن محور «تجارب ثقافية» بفعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، نظم البيت الروسي ندوة فكرية بعنوان «نجيب محفوظ ومكسيم جوركي وأوجه الشبه»، أدارها شريف جاد، مدير النشاط الثقافي بالبيت الروسي، بمشاركة الدكتور محمد نصر الجبالي، أستاذ الأدب الروسي والمترجم، وذلك بالقاعة الدولية «بلازا 2».

وسعت الندوة إلى إلقاء الضوء على العلاقات الأدبية والثقافية بين مصر وروسيا، من خلال مقارنة تجربة نجيب محفوظ، أحد أبرز رموز الرواية العربية، بتجربة مكسيم جوركي، أحد أعمدة الأدب الروسي والعالمي، مع التركيز على تأثير الواقعية الروسية في مسار محفوظ الإبداعي.
وفي كلمته، تناول شريف جاد الروابط المشتركة بين الأدبين المصري والروسي، مشيرًا إلى أن كلاً من نجيب محفوظ ومكسيم جوركي انطلقا من بيئتهما المحلية، لكنهما تجاوزا حدود المكان ليبلغا آفاقًا إنسانية عالمية. وأوضح أن الرقابة كانت تحديًا مشتركًا في مسيرتهما، حيث واجهت رواية «أولاد حارتنا» فترات من المنع في مصر، بينما تعرضت أعمال جوركي، وعلى رأسها «الأم»، لقيود مماثلة في روسيا بسبب انحيازها لقضايا الفقراء والمهمشين.
وأكد جاد أن الكاتبَين نجحا في جعل الطبقات الشعبية محورًا أساسيًا لأعمالهما، وأن ترجمات إنتاجهما الأدبي إلى لغات عديدة أسهمت في ترسيخ حضورهما على الساحة العالمية، باعتبارهما صوتين معبرين عن الإنسان البسيط وهمومه.

كما أشار إلى الدور الثقافي البارز للدكتور محمد نصر الجبالي في دعم حركة الترجمة بين العربية والروسية، والمساهمة في تأسيس أقسام جديدة للغة الروسية في الجامعات المصرية، بما يعكس جهوده في تعزيز الحوار الثقافي وبناء جسور معرفية ممتدة بين الشعبين.
من جانبه، استعرض الدكتور محمد نصر الجبالي ملامح تأثر نجيب محفوظ بالأدب الروسي منذ بداياته، موضحًا أن محفوظ تأثر بكتابات تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وجوركي، واستوعب تقنيات الواقعية الروسية في تناول تفاصيل الحياة اليومية والصراعات النفسية للشخصيات. وأكد أن محفوظ أعاد توظيف هذه الرؤية داخل السياق المصري، فجعل من الحارة المصرية نموذجًا إنسانيًا قادرًا على مخاطبة القارئ في أي مكان.
وتوقف الجبالي عند أوجه التشابه بين محفوظ وجوركي في رسم شخصية الإنسان المهمش، مشيرًا إلى أن هذه الشخصيات لا تُقدَّم بوصفها ضحية مطلقة، بل كجزء فاعل في مجتمعها، تتحمل مسؤولية خياراتها، وهو ما يضفي بعدًا نفسيًا وأخلاقيًا عميقًا على أعمال الكاتبين.

كما أشار إلى نماذج من الأدب الروسي، مثل حكايات «الموظف الصغير»، التي تكشف الغوص العميق في النفس البشرية، موضحًا أن هذا الاتجاه ترك أثرًا واضحًا في كتابات محفوظ، خاصة في تصويره للتفاصيل الدقيقة للعلاقات الإنسانية.
وتناول الجبالي دور مكسيم جوركي في المشهد الثقافي الروسي، لافتًا إلى قدرته على خلق مساحة توازن بين الدولة والمجتمع، من خلال أدب واقعي منحاز للعمال والفقراء دون صدام مباشر مع السلطة، ما جعل أعماله نموذجًا للكتابة الاجتماعية الهادفة.
وأكد في ختام حديثه على أهمية الترجمة باعتبارها أداة حيوية للتواصل الثقافي، مشيرًا إلى أن التفاعل الأدبي بين مصر وروسيا يمتد إلى القرن التاسع عشر، وأسهم في إثراء التجربتين الأدبيتين على نحو متبادل.
وفي ختام الندوة، شدد شريف جاد على أن الأدب يمثل وسيلة عميقة للتفاهم بين الشعوب، وأن الترجمة الحقيقية لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تمتد إلى نقل روح النص وسياقه الثقافي، بما يفتح أمام القارئ آفاقًا أوسع لفهم الإنسان والمجتمع.
وقدمت الندوة نموذجًا حيًا لقوة الأدب في بناء جسور حضارية بين الأمم، مؤكدة أن الحوار الثقافي بين مصر وروسيا لا يزال حاضرًا ومتجددًا عبر الكلمة والإبداع.


.jpg)

.png)

















.jpg)
.jpeg)


