النهار
الإثنين 2 فبراير 2026 11:43 مـ 14 شعبان 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

ثقافة

من رفوف الكتب إلى الخوارزميات: هل يختبر الذكاء الاصطناعي جوهر الإبداع في معرض القاهرة؟

الذكاء الأصطناعي
الذكاء الأصطناعي

أعاد الجدل المتصاعد حول استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأعمال الأدبية والفنية طرح أسئلة ملحّة داخل الوسط الثقافي، بعد تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم أن بعض النصوص المتداولة — وربما المعروضة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب — كُتبت كليًا أو جزئيًا بواسطة تقنيات ذكية، لا أقلام بشرية.


وبين من يرى في الأمر حيلة تسويقية لافتة للانتباه، ومن يعتبره مؤشرًا مبكرًا على تحوّل أعمق في صناعة النشر، تتجاوز القضية حدود المعرض لتلامس سؤالًا جوهريًا: ما الذي تبقى من الإبداع حين تدخل الخوارزميات على خط الكتابة؟
أولى الإشكاليات التي يثيرها هذا الجدل تتمثل في الغياب شبه الكامل لإطار قانوني أو تنظيمي واضح يحدد طبيعة وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الثقافي. فلا تشريعات تضبط المشهد، ولا لوائح مهنية صادرة عن نقابات أو مؤسسات رسمية، كما تفتقر دور النشر الخاصة إلى معايير معلنة للتعامل مع هذا النوع من الأعمال. هذا الفراغ يضع المجال الثقافي في منطقة رمادية، يصعب فيها التمييز بين النص الإنساني الخالص، والعمل الذي جرى توليده أو تعديله خوارزميًا.
في هذا السياق، ينقسم المثقفون والناشرون إلى اتجاهين متباينين.
الاتجاه الأول، الأقرب إلى الرؤية التقليدية، يرى أن أي اعتماد على الذكاء الاصطناعي في الكتابة — ولو بشكل محدود — ينتقص من القيمة الإنسانية للعمل الإبداعي. ويعتبر أن الإبداع فعل مرتبط بالتجربة الذاتية والوعي والذاكرة والانفعال، وأن استبدال هذه العناصر بخوارزميات تحليلية يُفرغ النص من روحه، ويضعه في خانة التدليس أو الانتحال المقنّع.
في المقابل، يدافع اتجاه آخر، يغلب عليه جيل الشباب، عن الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة لا أكثر. فالمبدع — وفق هذا التصور — يظل صاحب الفكرة والرؤية، بينما تُستخدم التكنولوجيا لتسهيل بعض المراحل التقنية أو تطوير الشكل النهائي. ويستند هذا الرأي إلى أن الفنون لم تكن يومًا منفصلة عن أدوات العصر، من برامج التحرير والتدقيق إلى تقنيات النشر الحديثة، معتبرين أن الذكاء الاصطناعي ليس قطيعة مع الإبداع، بل امتدادًا لمساره التاريخي.
غير أن النقاش لا يتوقف عند حدود القبول أو الرفض، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق:
كيف يمكن إعادة تعريف مفهوم الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي؟
وأين ينتهي دور المساعدة التقنية، ويبدأ الاستبدال الكامل للعقل البشري؟
وما الأطر القانونية والأخلاقية القادرة على تنظيم هذا التداخل دون خنق التطور أو إهدار حقوق المبدعين؟
كما تبرز مخاوف متزايدة تتعلق بتأثير الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في تكوين الأجيال الجديدة من الكتّاب، في ظل تراجع محتمل لمهارات التفكير النقدي والبحث العميق والتجربة الذاتية، وهي الركائز التي شكّلت عبر التاريخ جوهر الإبداع الإنساني.

الناشر علي راشد
وفي تصريحات تعكس هذا الانقسام، قال الناشر علي راشد، صاحب دار نشر «المحرر»، إن الإقبال على بعض الكتابات الفنية تراجع بسبب صدورها عن مؤلفين غير متخصصين، مشيرًا إلى صعوبة التحقق من مدى استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير الكتب، رغم محاولات دور النشر التدقيق قدر الإمكان، مضيفًا أن مجرد ذكر «الكتابة بالذكاء الاصطناعي» يثير لديه نفورًا واضحًا.

الناشر حسين عثمان
من جانبه، يرى الناشر حسين عثمان، صاحب دار نشر «ريشة»، أن الآراء ستظل منقسمة، لكن الحل يكمن في وضع أطر واضحة لاستخدام التكنولوجيا، مع التأكيد على ضرورة بقاء العنصر البشري في صدارة العملية الإبداعية.
وبين الحماس للتقنيات الجديدة والخشية من آثارها، يبقى المشهد الثقافي أمام مفترق طرق:
إما توافق أخلاقي ومجتمعي يوازن بين التطور وحماية روح الإبداع،
أو واقع جديد تعيد فيه الخوارزميات تشكيل المشهد الأدبي، وتطرح سؤالًا مفتوحًا حول دور الإنسان في صناعة الثقافة.

موضوعات متعلقة