من الحكاية إلى السيرة.. ازدهار كتب الفنانين في معرض الكتاب بين توثيق الذاكرة والبحث عن الإنسان
تشهد الدورة السابعة والخمسون من معرض القاهرة الدولي للكتاب حضورًا لافتًا للأعمال الأدبية التي تتناول السير الذاتية للفنانين، أو تعيد قراءة تجاربهم الإنسانية والفنية من زوايا متعددة، في ظاهرة تعكس تنامي اهتمام دور النشر بتوثيق المسارات الإبداعية لرموز الفن العربي، بمختلف مجالاته من الغناء والتمثيل والموسيقى إلى الإخراج والسينما.
ورغم صعوبة تقديم إحصاء دقيق يقارن عدد هذه الإصدارات بدورات المعرض السابقة، فإن جولة سريعة بين أجنحة دور النشر تكشف عن زيادة واضحة في الكتب التي تتناول حياة الفنانين، سواء في صورة سير ذاتية كاملة، أو كتب حوارية، أو دراسات تجمع بين التوثيق والتحليل، أو حتى أعمال تحاول تفكيك التجربة الفنية عبر مدخل إنساني وثقافي يتجاوز حدود السرد التقليدي.
وتثير هذه الظاهرة عدة تساؤلات حول أسباب هذا الرواج اللافت:
هل يعكس الأمر شغفًا متزايدًا لدى القارئ بمعرفة ما وراء الأضواء، والرغبة في الاقتراب من حياة الفنانين الذين شكّلوا جزءًا من الوجدان الجمعي؟
أم أن الجمهور لا يزال يبحث عن زوايا خفية في شخصيات عامة اعتاد رؤيتها مكتملة ومصقولة عبر الشاشة؟
أم أن هذه الكتابات تمثل محاولة لإعادة تقديم الفنان بوصفه إنسانًا، يحمل تناقضاته وهشاشته وأسئلته، تمامًا كما حمل فنه أحلام الناس ومخاوفهم؟
وفي هذا السياق، يرى الناشر علي راشد، صاحب دار نشر «المحرر»، أن الإقبال على الكتابات الفنية لا يرتبط فقط بأسماء الفنانين، بل يتأثر أيضًا بطبيعة المؤلفين، مشيرًا إلى أن بعض الإصدارات لم تحظَ بالاهتمام الكافي بسبب صدورها عن كتاب غير متخصصين في المجال الفني، ما ينعكس على عمق المعالجة ودقة التناول.
اللافت في هذه الموجة من الإصدارات هو التركيز الأكبر على فناني العقود السابقة، الذين تحوّلوا إلى أيقونات ثقافية، مثل عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، وكمال الطويل، وسعاد حسني، وغيرهم من رموز ما يُنظر إليه بوصفه العصر الذهبي للفن العربي. ويبدو أن هذه الشخصيات لا تزال قادرة على إثارة فضول القراء، ليس فقط لقيمتها الفنية، بل لما يحيط بها من غموض وأساطير وتفاصيل إنسانية لم تُحسم بعد.
في المقابل، لا تغيب تمامًا السير الذاتية للفنانين المعاصرين، إذ تظهر أعمال تتناول تجارب أسماء مثل عادل إمام أو المخرج داوود عبد السيد، لكنها تظل أقل حضورًا مقارنة بزخم الكتابات عن رواد الماضي. وربما يعود ذلك إلى أن المسافة الزمنية تمنح الكاتب حرية أوسع في التحليل، وتمنح القارئ مساحة للحنين، أو لأن بعض التجارب الفنية لا تزال مفتوحة، ولم تُغلق فصولها الأخيرة بعد.
وتكشف هذه الإصدارات، في مجملها، عن وعي متزايد بأهمية الأرشفة الثقافية والفنية، لا باعتبارها مجرد سرد لحياة المشاهير، بل كجزء أصيل من كتابة التاريخ الاجتماعي والوجداني للمجتمع المصري والعربي، حيث يتقاطع الفن مع السياسة، والحياة الخاصة مع التحولات العامة، والنجومية مع الهشاشة الإنسانية.
وهكذا يتحول معرض القاهرة الدولي للكتاب، إلى جانب كونه فضاءً لعرض الإبداع الأدبي، إلى مساحة لإعادة اكتشاف الفنانين خارج إطار أعمالهم الفنية، في محاولة للإجابة عن سؤال قديم متجدد:
من هو الفنان حين تنطفئ الأضواء، ويبقى الإنسان؟


.jpg)

.png)

















.jpg)
.jpeg)


