النهار
السبت 24 أكتوبر 2026 03:25 مـ 12 جمادى أول 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
البرلمان العربي: فوز هشام الحصري وسعيد السعدي وإحسان بركات وعبد السلام نصية بمناصب نواب رئيس البرلمان العربي حادث مأساوي في قنا.. مصرع عامل وابنته بعد اصطدام سيارة بعمود إنارة نبيل فهمي يهنئ سعد العتيبي بانتخابه رئيسًا للبرلمان العربي انتخاب 4 نواب لرئيس البرلمان العربي من مصر وعُمان والأردن وليبيا ضبط مصور أفراح بالبحيرة يروج لبيع طائرة «درون» بدون ترخيص عبر مواقع التواصل مصطفى الكيلاني لـ«النهار» في قراءة تحليلية لختام مهرجان الجونة السينمائي: دورة استثنائية تؤكد قوة السينما العربية.. ولا مجاملات في جوائز الأفلام الفلسطينية حادث مروع بكفر الشيخ.. مقص يسقط من الطابق الثاني ويخترق رأس طفلة بعد استغاثة الأهالي.. إلغاء نقل طلاب مدرسة الشهيد كمال عبد الرحيم بقنا جهاز تنمية المشروعات يعلن وحدة للابتكار ويكشف دعم 170 شركة ناشئة المتحف المصري الكبير يستعد للاحتفال بالذكرى الأولى لافتتاحه بسلسلة من الفعاليات 10 آلاف جنيه دخلًا و11.6 ألف مصروفات.. ماذا تغير مع نمو الاقتصاد؟ الغرف التجارية: منتدى مصر 2026 فرصة لعرض مشكلات المستثمرين أمام الحكومة

ثقافة

حين يصرخ الديك في وجه الجشع.. الصُرّة ذات القرشين تعود إلى الحياة في معرض الكتاب

كتاب "الصُرّة ذات القرشين"
كتاب "الصُرّة ذات القرشين"

في زحام الإصدارات وتنوّع الثقافات التي يحتضنها معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، يطلّ كتاب «الصُرّة ذات القرشين» كعمل استثنائي يعبر القارات والزمن، حاملًا معه روح الحكاية الشعبية الأوروبية وذكاءها اللاذع. يقدّم المركز القومي للترجمة، برئاسة الأستاذة الدكتورة رشا صالح، هذا الإصدار المترجم عن اللغة الرومانية، ليضع القارئ العربي أمام واحدة من أشهر وأمتع الحكايات التي رسخت في الوجدان الروماني، من تأليف الأديب الكبير إيون كريانغا، أحد أعمدة الأدب الكلاسيكي في رومانيا، وصاحب أسلوب فريد يجمع بين الحكمة الشعبية والسخرية العميقة، ويحوّل البساطة إلى أداة نقد اجتماعي حادة وذكية.

الصُرّة ذات القرشين

الكتاب من ترجمة المستشرق والمترجم والأكاديمي الروماني جورج غريغوري، أحد أبرز المتخصصين في الدراسات العربية والشرق أوسطية في رومانيا، والذي ينقل الحكاية إلى العربية بروحها الساخرة ونبضها الإنساني، محافظًا على مذاقها الشعبي وقدرتها على الإدهاش.

تبدو «الصُرّة ذات القرشين» للوهلة الأولى حكاية بسيطة، لكنها في جوهرها درس أخلاقي عميق، مغلف بالفكاهة والمفارقة. حكاية عن الطمع حين يعمي، وعن البخل حين يتحول إلى لعنة تطارد صاحبها. بطلتها عجوز بخيلة تمتلك دجاجة تبيض مرتين في اليوم، فتتعامل مع هذا العطاء الطبيعي بشراهة قاسية، تحرس البيض كأنه كنز لا يجوز مشاركته مع أحد. في المقابل، يقف شيخ فقير لا يملك سوى ديك واحد، يطلب منها بعض البيض بدافع الحاجة، فتقابله بالسخرية والاستهزاء، وتدفعه دفعًا إلى تصديق الوهم: أن يضرب ديكه عله يبيض مثل دجاجتها.

ومن هنا تبدأ الحكاية في الانفلات من منطق الواقع إلى رحابة الخيال الشعبي. يهرب الديك المظلوم، وكأن القدر قرر أن يمنحه فرصة للانتقام الرمزي، ليعثر في طريقه على صُرّة صغيرة تحتوي على قرشين فقط، قيمة تبدو ضئيلة، لكنها تتحول لاحقًا إلى مفتاح كل التحولات. تمتد يد رجل ثري جشع لتسرق الصُرّة، ظنًا أن الديك كائن ضعيف لا حول له ولا قوة، غير أن الديك يفاجئ الجميع بإصراره الغريب، مطلقًا صرخته الشهيرة التي تتحول إلى لازمة شعبية ساخرة:
«أعيدوا لي الصُرّة ذات القرشين!»

يحاول الثري التخلص من هذا الصوت المزعج بكل الطرق، فيلقي بالديك في بئر، ثم في تنور مشتعل بالجمر، لكن الحكاية الشعبية لا تخضع لقوانين المنطق الصارم. ينتصر الذكاء الرمزي؛ يبتلع الديك ماء البئر ليطفئ النار، وينجو مرة بعد مرة، ويواصل مطاردته العنيدة لحقه المسلوب. تتصاعد الأحداث في إيقاع مشوّق، وتتراكم المبالغات المقصودة، حتى تبلغ ذروتها حين يبتلع الديك قطيع المواشي بأكمله، ثم يلتهم خزينة الذهب، في انقلاب ساخر للأدوار: يصبح الضعيف قوة لا تُقهر، ويغدو الغني أسير خوفه وجشعه.

أمام هذا الطوفان غير المتوقع، يرضخ الثري في النهاية، ويعيد الصُرّة، ليعود الديك إلى صاحبه لا مجرد حامل لقرشين، بل محمّلًا بالغنائم، في مفارقة تهكمية تؤكد أن الحق، مهما بدا صغيرًا، قد يعود مضاعفًا حين يُطالب به بإصرار.

أما العجوز البخيلة، فتقف عند نهاية الحكاية وحيدة، محاصَرة بغيظها وحسدها، وقد فقدت دجاجتها وبيضها معًا. لا عقاب مباشر، ولا خطبة أخلاقية، فقط نهاية ساخرة تتركها فقيرة لا تملك سوى الندم، في إدانة ذكية للسلوك لا للأشخاص، وكشف لنمط إنساني يتكرر عبر الأزمنة والثقافات.

«الصُرّة ذات القرشين» ليست مجرد حكاية للتسلية، بل مرآة ساخرة تعكس وجوه الطمع والبخل، وتذكير بأن العدالة في المخيال الشعبي قد تأتي على هيئة ديك عنيد، يصرخ في وجه العالم مطالبًا بحقه. إنها حكاية عن القوة الكامنة في الإصرار، وعن سحر القصص التي تحمل في بساطتها حكمة لا تشيخ، وتثبت أن الحكاية، حين تُروى بذكاء، قادرة على أن تنتصر للضعفاء… وتفضح الجشع بابتسامة.

موضوعات متعلقة