النهار
السبت 24 يناير 2026 07:40 مـ 5 شعبان 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
وكيل اتصالات النواب لـ ”النهار”: جلسات استماع لتحديد إمكانية تطبيق منع استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال محافظ القليوبية يعقد إجتماعاً ”تشاركياً” مع نواب البرلمان لمناقشة الخطة الإستثمارية للعام 2026/2027 «كيف نقرأ التاريخ»؟...ندوة بجامعة عين شمس السبت المقبل وزير التعليم يهنئ الرئيس السيسي والشعب المصري بالذكرى 74 لعيد الشرطة «الرواية والتاريخ في سرديات نجيب محفوظ» بندوة في معرض الكتاب بعد توجيهات الرئيس السيسي.. حراك برلماني واسع حول ملف «حماية الأطفال على الإنترنت» وتقنين استخدام الهواتف مذيعة أخدت غرضها مني وعملتلي بلوك..أبو الليف يثير الجدل بمنشور عبر فيسبوك يشكلون درعًا حصينًا لكل من يتستهدف أرض مصر وشعبها .. نقيب الإعلاميين يهنىء الرئيس السيسي بعيد الشرطة نجوم أوبرا الأسكندرية تغرد بألحان الموجى وفيادة علاء عبد السلام علي مسرح سيد درويش محمد هاشم.. حين يتحول الناشر إلى ضمير ثقافي: ميريت وشرقيات في قلب ذاكرة النشر المصري تعرف على الدول المشاركة بكأس العالم لسيف المبارزة للناشئين والشباب بالقاهرة إخماد حريق داخل مستشفى أطفال مصر دون خسائر بشرية

ثقافة

حين يصرخ الديك في وجه الجشع.. الصُرّة ذات القرشين تعود إلى الحياة في معرض الكتاب

كتاب "الصُرّة ذات القرشين"
كتاب "الصُرّة ذات القرشين"

في زحام الإصدارات وتنوّع الثقافات التي يحتضنها معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، يطلّ كتاب «الصُرّة ذات القرشين» كعمل استثنائي يعبر القارات والزمن، حاملًا معه روح الحكاية الشعبية الأوروبية وذكاءها اللاذع. يقدّم المركز القومي للترجمة، برئاسة الأستاذة الدكتورة رشا صالح، هذا الإصدار المترجم عن اللغة الرومانية، ليضع القارئ العربي أمام واحدة من أشهر وأمتع الحكايات التي رسخت في الوجدان الروماني، من تأليف الأديب الكبير إيون كريانغا، أحد أعمدة الأدب الكلاسيكي في رومانيا، وصاحب أسلوب فريد يجمع بين الحكمة الشعبية والسخرية العميقة، ويحوّل البساطة إلى أداة نقد اجتماعي حادة وذكية.

الصُرّة ذات القرشين

الكتاب من ترجمة المستشرق والمترجم والأكاديمي الروماني جورج غريغوري، أحد أبرز المتخصصين في الدراسات العربية والشرق أوسطية في رومانيا، والذي ينقل الحكاية إلى العربية بروحها الساخرة ونبضها الإنساني، محافظًا على مذاقها الشعبي وقدرتها على الإدهاش.

تبدو «الصُرّة ذات القرشين» للوهلة الأولى حكاية بسيطة، لكنها في جوهرها درس أخلاقي عميق، مغلف بالفكاهة والمفارقة. حكاية عن الطمع حين يعمي، وعن البخل حين يتحول إلى لعنة تطارد صاحبها. بطلتها عجوز بخيلة تمتلك دجاجة تبيض مرتين في اليوم، فتتعامل مع هذا العطاء الطبيعي بشراهة قاسية، تحرس البيض كأنه كنز لا يجوز مشاركته مع أحد. في المقابل، يقف شيخ فقير لا يملك سوى ديك واحد، يطلب منها بعض البيض بدافع الحاجة، فتقابله بالسخرية والاستهزاء، وتدفعه دفعًا إلى تصديق الوهم: أن يضرب ديكه عله يبيض مثل دجاجتها.

ومن هنا تبدأ الحكاية في الانفلات من منطق الواقع إلى رحابة الخيال الشعبي. يهرب الديك المظلوم، وكأن القدر قرر أن يمنحه فرصة للانتقام الرمزي، ليعثر في طريقه على صُرّة صغيرة تحتوي على قرشين فقط، قيمة تبدو ضئيلة، لكنها تتحول لاحقًا إلى مفتاح كل التحولات. تمتد يد رجل ثري جشع لتسرق الصُرّة، ظنًا أن الديك كائن ضعيف لا حول له ولا قوة، غير أن الديك يفاجئ الجميع بإصراره الغريب، مطلقًا صرخته الشهيرة التي تتحول إلى لازمة شعبية ساخرة:
«أعيدوا لي الصُرّة ذات القرشين!»

يحاول الثري التخلص من هذا الصوت المزعج بكل الطرق، فيلقي بالديك في بئر، ثم في تنور مشتعل بالجمر، لكن الحكاية الشعبية لا تخضع لقوانين المنطق الصارم. ينتصر الذكاء الرمزي؛ يبتلع الديك ماء البئر ليطفئ النار، وينجو مرة بعد مرة، ويواصل مطاردته العنيدة لحقه المسلوب. تتصاعد الأحداث في إيقاع مشوّق، وتتراكم المبالغات المقصودة، حتى تبلغ ذروتها حين يبتلع الديك قطيع المواشي بأكمله، ثم يلتهم خزينة الذهب، في انقلاب ساخر للأدوار: يصبح الضعيف قوة لا تُقهر، ويغدو الغني أسير خوفه وجشعه.

أمام هذا الطوفان غير المتوقع، يرضخ الثري في النهاية، ويعيد الصُرّة، ليعود الديك إلى صاحبه لا مجرد حامل لقرشين، بل محمّلًا بالغنائم، في مفارقة تهكمية تؤكد أن الحق، مهما بدا صغيرًا، قد يعود مضاعفًا حين يُطالب به بإصرار.

أما العجوز البخيلة، فتقف عند نهاية الحكاية وحيدة، محاصَرة بغيظها وحسدها، وقد فقدت دجاجتها وبيضها معًا. لا عقاب مباشر، ولا خطبة أخلاقية، فقط نهاية ساخرة تتركها فقيرة لا تملك سوى الندم، في إدانة ذكية للسلوك لا للأشخاص، وكشف لنمط إنساني يتكرر عبر الأزمنة والثقافات.

«الصُرّة ذات القرشين» ليست مجرد حكاية للتسلية، بل مرآة ساخرة تعكس وجوه الطمع والبخل، وتذكير بأن العدالة في المخيال الشعبي قد تأتي على هيئة ديك عنيد، يصرخ في وجه العالم مطالبًا بحقه. إنها حكاية عن القوة الكامنة في الإصرار، وعن سحر القصص التي تحمل في بساطتها حكمة لا تشيخ، وتثبت أن الحكاية، حين تُروى بذكاء، قادرة على أن تنتصر للضعفاء… وتفضح الجشع بابتسامة.

موضوعات متعلقة