النهار
الإثنين 19 يناير 2026 05:46 مـ 30 رجب 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
وزيرة التخطيط تلقي الكلمة الافتتاحية لمنتدى الابتكار والاستثمار العربي برلمانية تدعو لإطلاق مبادرة «صناع مصر» لتحويل التعليم الفني إلى قوة إنتاجية عضو بمجلس الشيوخ: توجيهات الرئيس بشأن أسطول قناة السويس تدعم تنافسية الموانئ المصرية «للاطمئنان على صحته».. رئيس الوزراء يجرى إتصالاً هاتفياً بالبابا تواضروس الثاني هشام محي الدين رئيساً تنفيذياً لتكنولوجيا المعلومات والمشروعات بالبنك الزراعي المصري رئيس مجلس النواب يلتقي رئيس مجلس القضاء الأعلى ويهنئه بتولي مهام منصبه «مانيج إنجن» تحقق تصنيفات متقدمة في تقارير Gartner وIDC لإدارة نقاط النهاية تراجع كبير في عملة البتكوين بعد تهديد ترامب إزالة 1221 حالة تعدٍ بالقليوبية.. محافظ القليوبية يشدد على عدم التهاون مع مخالفات البناء لتحقيق التنمية المستدامة.. محافظ القليوبية ورئيس جامعة بنها يوقعان بروتوكول تعاون تمنى له العودة لأرض الوطن سالما ..للمرة الثانية شيخ الأزهر يطمئن على صحة البابا تواضروس بلغ بسرقة 2 كيلو ب12 مليون.. القبض على المتهمين بقطع الطريق على تاجر ذهب ونجله والتعدي عليهما في قنا

فن

”فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي”.. كتاب جديد يكشف آليات التأثير في زمن الخوارزميات

"فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي"
"فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي"

صدر حديثًا عن دار ليدر للنشر والتوزيع، كتاب "فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي" للدكتور محمد شومان، أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس والعميد المؤسس لكلية الإعلام بالجامعة البريطانية والمعهد الدولي العالي للإعلام، ليقدّم معالجة فلسفية ونقدية معمّقة لمفهوم الرأي العام، بوصفه ظاهرة سياسية واجتماعية متحولة، وعلاقته الجدلية بآليات الدعاية التقليدية والرقمية في عالم تحكمه الخوارزميات وتعيد تشكيله المنصات العملاقة.
ولا يكتفي الكتاب بتتبع المسار التاريخي لظاهرة الرأي العام، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة جذوره الفلسفية، وموقعه في بنية السلطة، وحدوده المعرفية، وإمكاناته التحررية، فضلًا عن قابليته للتلاعب والاستغلال. وينطلق المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن الرأي العام ليس مجرد تعبير تجميعي عن مواقف الأفراد، بل هو بناء اجتماعي معقد، تتداخل في تشكيله عوامل ثقافية وتعليمية واقتصادية وسياسية وإعلامية، تتفاعل جميعها في سياقات تاريخية متغيرة.
يعتمد الكتاب على أربعة نماذج إرشادية (Paradigms) لفهم الرأي العام وتحليل أدواره في المجتمع، هي: النموذج المعرفي الذي ينظر إلى الرأي بوصفه ناتجًا لعمليات الإدراك ومعالجة المعلومات، والنموذج البنائي الوظيفي الذي يراه عنصرًا من عناصر التوازن الاجتماعي، والنموذج التفاعلي الرمزي الذي يركز على التفاعل واللغة والرموز في تشكيل المواقف، وأخيرًا النموذج النقدي الجديد الذي ينطلق من نقد علاقات الهيمنة والتلاعب، مستلهمًا أطروحات مدرسة فرانكفورت ويورغن هابرماس.
ويستعرض المؤلف تطور دراسات الرأي العام، منذ نشأته الحديثة في القرن الثامن عشر مع روسو وبنثام، بوصفه قوة رقابية أخلاقية على السلطة، وصولًا إلى عصر الدولة القومية والصحافة المطبوعة وظهور المجال العام. كما يعود إلى الجذور القديمة للفكرة في الحضارات الصينية والمصرية واليونانية، موضحًا أن تلك المجتمعات لم تعرف الرأي العام كقوة مستقلة، بل ربطته دائمًا بالانسجام الاجتماعي أو السلطة.
وفي هذا السياق، يتوقف الكتاب مطولًا عند النقاش الفكري الكبير الذي أثاره والتر ليبمان في كتابه الشهير «الرأي العام» (1922)، حيث شكك في عقلانية الجماهير وقدرتها على الفهم والحكم، مؤكدًا أن الجمهور يعيش داخل «بيئة زائفة» تصنعها الصور النمطية والدعاية، ما يجعله عرضة للتلاعب. وقد دعا ليبمان إلى الاعتماد على نخبة من الخبراء بديلًا عن الديمقراطية المباشرة، وهو ما فجّر سجالًا فلسفيًا واسعًا مع جون ديوي، الذي دافع عن الديمقراطية التشاركية، ورأى أن أزمة الجمهور لا تبرر إقصاءه، بل تستدعي تطوير التعليم والصحافة والمجال العام.
ويعيد الكتاب قراءة هذا «النقاش الكبير» في ضوء العصر الرقمي، مشيرًا إلى أن الأسئلة القديمة حول حكم الأغلبية أم حكم الخبراء، وعقلانية الجماهير، ودور الإعلام، لم تفقد راهنيتها، بل ازدادت تعقيدًا مع صعود الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، واقتصاد البيانات الضخمة.
وفي فصل آخر، يناقش المؤلف نظريات تشكيل الرأي العام، مثل ترتيب الأولويات ودوامة الصمت، والنماذج التكاملية المعاصرة، مبرزًا كيف أصبحت الخوارزميات «حارس بوابة» جديدًا، يحدد ما يُرى وما يُخفى، ويضخم بعض القضايا ويهمش أخرى، ويصنع استقطابًا حادًا، ويعزز غرف الصدى، ويفتت المجال العام بدلًا من توسيعه.
أما في محور الدعاية، فيميز الكتاب بوضوح بين الإعلان والدعاية، من حيث القصد والسياق والأهداف، متتبعًا تطورها من أفلاطون الذي اعتبر الخطابة أداة للتلاعب، مرورًا بإدوارد برنيز الذي صاغ مفهوم «هندسة الإجماع»، وصولًا إلى أشكالها الرقمية المعاصرة التي تعتمد على الأخبار الكاذبة، والتزييف العميق، والتلاعب الخوارزمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة التأثير.
ويكشف المؤلف كيف تحولت المنصات الرقمية، التي بُشر بها باعتبارها فضاءً للتحرر والمساواة، إلى أدوات للهيمنة الناعمة، تديرها شركات عملاقة تمتلك سلطة غير مسبوقة على العواطف والخيارات والانتخابات. فهذه المنصات لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله وفق منطق الربح، والانتباه، والاستقطاب.
ويخصص الكتاب فصلًا كاملًا لإشكالية قياس الرأي العام، متسائلًا عن مدى موضوعية استطلاعات الرأي التقليدية والرقمية، وحدود تمثيلها للمجتمع، وتأثرها بالتحيزات المنهجية والخوارزمية. ويطرح المؤلف تساؤلًا جوهريًا: هل هذه القياسات تعكس الحقيقة، أم أنها تصنع وهم الإجماع وتعيد إنتاجه لخدمة أجندات سياسية واقتصادية محددة؟
وفي خاتمته، يذهب د. شومان إلى أبعد من التحليل الوصفي، ليطرح سؤالًا وجوديًا بالغ الخطورة: هل ما زال الرأي العام موجودًا كقوة مستقلة؟ أم أننا نشهد تفككه تحت وطأة الرأسمالية الرقمية، واحتكار التكنولوجيا، وصعود الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للدعاية الرقمية أن تحول الرأي العام إلى مجرد وهم يُدار لصالح النخب المسيطرة؟
ويحذر الكتاب من أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بمستقبل الديمقراطية، بل بمستقبل الإنسان نفسه، في عالم يتجه نحو ما بعد الإنسان، حيث تُدار القرارات عبر الخوارزميات، ويُختزل الوعي في بيانات، ويُعاد تعريف المشاركة والحرية.
ويخلص المؤلف إلى ضرورة تبني مدخل تكاملي في دراسة الرأي العام، يجمع بين النماذج المعرفية والبنائية والتفاعلية والنقدية، لفهم التعقيد المتزايد للعالم المعاصر. ففلسفة الرأي العام والدعاية ليست مجرد دراسة تقنية، بل هي تأمل عميق في معنى الحقيقة، والسلطة، والحرية، والمسؤولية.
يُعد كتاب «فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي» مرجعًا أساسيًا لفهم آليات التأثير في القرن الحادي والعشرين، ودعوة مفتوحة لإعادة التفكير في معنى «الرأي» و«الإجماع» و«المجال العام» في زمن الخوارزميات.
المؤلف في سطور:
الدكتور محمد شومان أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس وجامعة قطر، والعميد المؤسس لكلية الإعلام بالجامعة البريطانية والمعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق. صدر له 32 كتابًا في الإعلام الرقمي، والرأي العام، والتحليل النقدي للخطاب، واتصالات الأزمات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.