إيران تدخل مرحلة “الضغط المركّب”: احتقان داخلي، تهديد خارجي، وتحريض إسرائيلي… هل بدأ العدّ التنازلي؟
تدخل إيران واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدًا في تاريخها الحديث مرحلة لا تقوم على عامل واحد من الضغط، بل مرحلة حرجة ومعقدة من الضغوط المركّبة التي لم تعرفها منذ عقود. فما يجري اليوم لا يمكن اختصاره في احتجاجات اقتصادية داخلية فقط، بل هو احتقان متصاعد في الشارع الإيراني يقابله تصعيد خارجي مكثف من واشنطن، مع تحريض إسرائيلي علني من جانب قادة إسرائيليين وأمريكيين حول إمكانية تدخل أو استخدام القوة، يلمّح إلى أن “الوقت قد حان”مما يضع النظام في طهران على حافة الانفجار السياسي والاجتماعي في لحظة قد تعيد رسم توازنات الداخل والمنطقة معًا.
أولًا: المشهد الداخلي — غضب اقتصادي يتحوّل إلى تحدّ سياسي
اندلعت احتجاجات واسعة النطاق بسبب انهيار الاقتصاد الإيراني،حيث يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم يتجاوز 50%، وتراجع قيمة العملة الوطنية (الريال)، ونقص في السلع الأساسية، وهو ما دفع الغضب ليشمل الشارع بأكمله وليس فقط الفئات الهامشية. فتوسعت الإحتجاجات وشملت أكثر من 25 محافظة وإقليمًا لتتحول سريعًا إلى نزاعات تحدّت شرعية النظام السياسي نفسه، حاملة معها شعارات تتجاوز المطالب المعيشية لتصل إلي تساؤلات مباشرة حول الأداء السياسي وإدارة الدولة.ولم تعد الأزمة اقتصادية فقط، بل أزمة ثقة وشرعية بين النظام وشرائح متزايدة من المجتمع.
ومع ذلك، ورغم حدة المشهد، فإن الصورة الداخلية لم تصل بعد إلى مستوى الانفجار الشامل،ولكنها تشكّل تهديدًا لشرعية النظام،فبحسب تقارير صحفية غربية موثوقة، لا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة على تشكّل تنظيم مسلح موحّد داخل صفوف المتظاهرين، ولا على انتقال الاحتجاجات إلى مواجهة عسكرية مفتوحة داخل المدن. وما يتم تداوله من مقاطع فيديو تُظهر أفرادًا يحملون أسلحة يُفهم في إطار حالات فردية أو تصرفات فوضوية معزولة، وليس كدليل على نشوء حركة تمرّد مسلحة قادرة على السيطرة أو فرض وقائع ميدانية. بعبارة أدق، الاحتجاجات خطيرة ومؤلمة للنظام، لكنها لم تتحول إلى حرب أهلية.
ثانيًا: الضغط الخارجي من واشنطن والتحريض الاسرائيلي...هل يتكرر سيناريو فنزويلا في إيران
بينما تعاني إيران من الداخل، تأتي الضغوط الخارجية في توقيت يزيد من حدة الأزمة، مع تهديدات مباشرة من البيت الأبيض وبيانات حول احتمالات مواجهة جديدة مع طهران، فلذلك تزداد هشاشة الداخل تعقيدًا مع الضغط الخارجي المتصاعد. وقد خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات شديدة اللهجة، محذرًا إيران من أن قتل المتظاهرين سيقابل بـ“ضربة قوية جدًا”. ولم يكن مضمون التهديد هو الأخطر بل طريقته؛ إذ قامت الحكومة الأمريكية بنشر رسالة لترامب موجهة إلى إيران باللغة الفارسية، يقول فيها: "أنا رجل أفعال، وإن لم تكونوا تعلمون، فأنتم تعلمون الآن". هذه الرسالة لم تكن موجهة للنظام فقط، بل للشارع الإيراني أيضًا، في محاولة واضحة لرفع منسوب الضغط النفسي والسياسي على القيادة في طهران.
وتزامن التصعيد الأمريكي مع خطاب إسرائيلي أكثر وضوحًا وحدّة، حيث بدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن “حدث قريب”، وعن تطورات قد تغيّر قواعد اللعبة، بينما نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت عبارة مقتضبة لكنها شديدة الدلالة تخص إيران وهي: "حان الوقت". في السياق الإسرائيلي، هذه اللغة ليست جديدة، لكنها حين تُقال في لحظة اضطراب داخلي إيراني، فإنها تُقرأ كجزء من حرب نفسية واستراتيجية تهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن إيران محاصَرة من الداخل والخارج في آن واحد.
وأكد الخبير العربي طارق الشامي في تصريح له، أن: "تهديد ترامب بالتدخل في الشأن الإيراني لا يجب التعامل معه كخطاب شعبوي فقط، بل كجزء من نمط سياسي معروف يستخدم فيه الرئيس الأمريكي لغة عسكرية مباشرة لإيصال فكرة أن “الخيارات جاهزة على الطاولة”". ويؤكد الشامي أن هذه التهديدات، حتى وإن لم تُترجم فورًا إلى عمل عسكري، تضع النظام الإيراني أمام معادلة صعبة كما أكد أن تهديد الرئيس الأميركي بالتدخل في إيران ليس مجرد كلام عابر؛لكن يشير إلى حالة من الاستعداد العملي،وأن النظام الإيراني لا يجب أن يتجاهل هذه التهديدات باعتبارها مجرد تصريحات سياسية عابرة.
وفي هذا السياق يبرز التساؤول الذي يتردد بقوة هل تسير إيران نحو نموذج شبيه بما جرى في فنزويلا؟ ويجيب بعض المراقبين موضحين سيناريو أكثر تطرفًا، يتمثل في إمكانية لجوء الولايات المتحدة إلى تحييد أو خطف المرشد الأعلى علي خامنئي على غرار ما نفذته واشنطن في حالة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. غير أن هذا السيناريو، رغم تداوله إعلاميًا، يصطدم بواقع شديد التعقيد في الحالة الإيرانية. فخامنئي ليس رئيسًا يمكن عزله أو إخراجه بسهولة، بل يمثل رأس هرم منظومة عقائدية–أمنية مغلقة، تحيط به طبقات كثيفة من الحماية المؤسسية، وعلى رأسها الحرس الثوري. وأي محاولة أمريكية مباشرة من هذا النوع لن تُقرأ كخطوة ضغط سياسية، بل كعمل عدائي بالغ الخطورة قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة، ويمنح النظام الإيراني ذريعة لتوحيد الداخل بدل تفكيكه. فتواجه إيران عقوبات قاسية، تراجعًا حادًا في مستوى المعيشة، وشارعًا غاضبًا، في مقابل سلطة تعتمد على تماسك أجهزتها الأمنية للحفاظ على السيطرة
وفي هذا السياق أكد أستاذ العلوم السياسية والخبير العربي حسين رويوران "إن الولايات المتحدة لا تستطيع تكرار سيناريو فنزويلا في إيران، وذلك بسبب الفوارق الكبيرة بين البلدين من حيث القوة العسكرية، الترسانة الدفاعية، والبنية السياسية للدولة الإيرانية مقارنة بفينزويلا، مشددًا على أن أي تدخل مباشر في إيران سيكون أكثر تعقيدًا وصعوبة بكثير من خطوات تجاه دولة مثل فنزويلا"
لذلك، تبدو الاستراتيجية الأمريكية — إن وُجدت — أقرب إلى الاستنزاف طويل الأمد والضغط غير المباشر، وليس إلى مغامرة صادمة قد تنقلب نتائجها عكسيًا. المقارنة مع فنزويلا هنا تظل رمزية أكثر منها عملية، لأن كلفة هذا السيناريو في إيران أعلى بكثير من أن تُحتمل بسهولة ،من هنا، فإن السيناريو الأقرب ليس سقوطًا سريعًا، ولا استقرارًا مضمونًا، بل مسارًا ضبابيًا من التآكل البطيء، قد يُبقي النظام قائمًا شكليًا، لكنه يضعه أمام اختبار وجودي طويل الأمد
في المحصلة، تقف إيران اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية. الداخل يغلي لكنه لم ينفجر، الخارج يضغط لكنه لم يضرب، وإسرائيل تلوّح دون أن تكشف أوراقها كاملة. هذا المشهد لا يعني بالضرورة أن الحرب باتت حتمية، لكنه يؤكد أن مرحلة الاستقرار النسبي انتهت، وأن أي خطأ في الحسابات سواء في طريقة التعامل مع الاحتجاجات أو في تقدير نوايا الخصوم قد يدفع بالأزمة إلى مستوى أخطر. العدّ التنازلي، إن كان قد بدأ، فهو ليس لحظة واحدة، بل سلسلة قرارات خاطئة قد تجعل من الضغط المركّب انفجارًا مفتوحًا على كل الاحتمالات


.jpg)

.png)













.jpeg)


.jpg)



