الصحفي على جبهة أكتوبر.. حكايات أبعد من صورة الشاشة
36 صحفيًا وثقوا حرب 1973 من أرض العمليات.. وشهيدان سبقا العبور على جبهة الاستنزاف
مع حلول الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر، تعود إلى الذاكرة أعمال سينمائية تناولت سنوات الحرب وما سبقها على الجبهة، ومن بينها فيلم «الممر»، الذي تناول مرحلة حرب الاستنزاف، وقدم بين شخصياته الصحفي «إحسان»، الذي جسده الفنان أحمد رزق.
ظهرت الشخصية في البداية بمساحة كوميدية واضحة، قبل أن تتغير مع تطور الأحداث واحتكاكها بالمقاتلين وما يواجهونه في الميدان، وعند عرض الفيلم عام 2019 أثارت الشخصية نقاشًا حول مدى اقترابها من طبيعة المراسل الحربي، واعترض مراسلون عاصروا العمل على الجبهة على بعض تفاصيلها، بينما رفض نقاد اعتبار شخصية سينمائية واحدة تعميمًا على الصحفيين أو المراسلين الحربيين.
بعيدًا عن صورة الشاشة، تحتفظ ذاكرة الصحافة المصرية بحكايات أخرى للصحفي على الجبهة، بدأت قبل حرب أكتوبر بسنوات، عندما عمل صحفيون ومصورون وسط ظروف القتال خلال حرب الاستنزاف، ودفع اثنان منهم حياتهما أثناء أداء عملهما.
في 14 مارس 1969، استشهد محمد بخيت أبو السعود، محرر جريدة «المساء»، أثناء أداء عمله مراسلًا على الجبهة، وفي 30 أبريل 1970 استشهد حسن عبد القادر، مصور جريدة «الجمهورية»، أثناء أداء عمله مصورًا صحفيًا عسكريًا، وفق البيانات المنشورة عن سجل شرف نقابة الصحفيين.
ومع اندلاع حرب أكتوبر، اتسعت دائرة العمل الصحفي في الميدان، ويضم سجل المراسلين الحربيين 36 صحفيًا شاركوا في تغطية الحرب من أرض العمليات، وفق القوائم المنشورة استنادًا إلى سجلات إدارة الشؤون المعنوية.
وتوزعت الأسماء على عدد من المؤسسات الصحفية، بينها «الأهرام» و«أخبار اليوم» و«الجمهورية» ودار الهلال ووكالة أنباء الشرق الأوسط و«روزاليوسف» و«صباح الخير».
وضمت القائمة عبده مباشر ومحمد باشا ومحمد عبد المنعم ومحمد لطفي وحسن التوني من «الأهرام»، وصلاح قبضايا وفاروق الشاذلي وفتحي رزق وجمال الغيطاني من مؤسسة «أخبار اليوم»، إلى جانب صحفيين ومصورين من مؤسسات صحفية أخرى.
ولم يكن وجود هؤلاء على الجبهة مجرد انتقال بالمهنة من غرفة التحرير إلى موقع آخر، فالمراسل الحربي كان يعمل في ظروف العمليات العسكرية ويتحرك وفق ما تسمح به طبيعة المعركة، ليعود بما شاهده إلى صفحات الصحف، بينما سجل المصورون بالكاميرا مشاهد من الحرب بقي بعضها شاهدًا عليها حتى اليوم.
وتكشف تجربة الكاتب الصحفي عبده مباشر جانبًا من طبيعة تلك المهمة، إذ ارتبط عمله مراسلًا حربيًا بالتحرك مع القوات، وتذكر المصادر التي تناولت تجربته مشاركته في مهام خلف خطوط القوات الإسرائيلية مع رجال المجموعة 39 قتال بقيادة إبراهيم الرفاعي، قبل أن يصبح لاحقًا أحد أبرز من كتبوا عن الشؤون العسكرية وحرب أكتوبر.
ولم تكن علاقة الصحافة والإعلام بالمقاتلين محصورة في المراسلين المكلفين بتغطية العمليات، فشهادات من عاشوا سنوات المواجهة تكشف جانبًا آخر من حضور الصحفيين والإعلاميين بين القوات.
وفي حديثه لـ«النهار» مع الزميلة شروق الخياط، يستعيد محمد ثابت، أحد المشاركين في حرب أكتوبر، زيارات ميدانية كان يقوم بها صحفيون وإعلاميون إلى مواقع القوات، ويلتقون خلالها الجنود ويتحدثون معهم، مؤكدًا أن وجودهم كان يحمل أثرًا معنويًا لدى المقاتلين.
ومن بين الأسماء التي بقيت في ذاكرته الإذاعي أحمد سعيد، أحد أشهر الأصوات الإعلامية المصرية في تلك المرحلة، إذ يتذكر ثابت أنه كان يأتي إليهم ضمن زيارات ميدانية، إلى جانب صحفيين وإعلاميين آخرين.
ولا تضع شهادة ثابت أحمد سعيد ضمن قائمة المراسلين الحربيين في أكتوبر، وإنما تكشف شكلًا آخر من حضور الإعلام بين القوات، فيما يقدم الإذاعي حمدي الكنيسي نموذجًا مختلفًا للمراسل الذي كان ينتقل بالفعل إلى الجبهة خلال الحرب.
وروى الكنيسي في شهاداته عن تلك الفترة أنه كان ينطلق بعد الفجر إلى الجبهة ويعود مساء إلى مبنى الإذاعة، حيث كان المكتب العسكري في ماسبيرو، فيما كان أحمد سعيد موجودًا داخل المكتب خلال الحرب.
ومن الجبهة قدم الكنيسي «صوت المعركة» و«يوميات مراسل حربي»، وأجرى لقاءات مع المقاتلين، لتصل أصواتهم عبر الإذاعة إلى المصريين، في واحدة من التجارب التي سجلت الحرب بالصوت من موقع الحدث.
وبقيت تجارب المراسلين بعد توقف القتال، إذ تحولت مشاهد عاشها عدد منهم إلى مقالات وكتب وشهادات سجلت جانبًا من المعركة من موقع الصحفي الذي شاهدها وعاش ظروفها، لا من موقع من عاد إلى وقائعها بعد سنوات.
وكان جمال الغيطاني أحد أبرز هذه الأسماء، إذ عمل مراسلًا حربيًا لمؤسسة «أخبار اليوم» خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وأصبحت تجربة الجبهة لاحقًا جزءًا مهمًا من مسيرته الصحفية والأدبية.
وفي أكتوبر 2018، أعادت نقابة الصحفيين بعض أصحاب هذه التجارب إلى الواجهة، عندما كرمت عددًا من المراسلين الحربيين في حرب أكتوبر، بينهم عبده مباشر، كما كرمت اسم الكاتب الصحفي جمال الغيطاني والمصور الصحفي شوقي مصطفى من دار الهلال.
وبعد عقود من الحرب، ظلت صورة الصحفي نفسها موضوعًا للبحث، وتناولت الباحثة سارة عبد العزيز كامل صورة المهنة على الشاشة في كتابها «صورة الصحفي في السينما.. مشاهد صحفية في الأفلام العربية»، الذي تتبع حضور الصحفي في الأفلام الروائية المصرية خلال الفترة من 1952 إلى 2009، ورصد اختلاف هذه الصورة باختلاف السياقات السياسية والاجتماعية.
لكن العودة إلى سجل المهنة وشهادات من كانوا على الجبهة تكشف صورة لا تصنعها السينما وحدها، فهناك مراسل حمل دفتره وتحرك على أرض العمليات، ومصور حمل كاميرته، وإذاعي سجل أصوات المقاتلين، وصحفيون وإعلاميون وصلوا إلى مواقع القوات في زيارات ميدانية.
ولا تضع هذه الوقائع السينما في مواجهة التاريخ، ولا تعني أن على العمل الفني أن يقدم الصحفي بطلًا دائمًا، أو أن ظهور شخصية ساخرة يمثل إساءة إلى المهنة، لكنها تفتح في ذكرى أكتوبر نافذة على فصل من تاريخ الصحافة المصرية كان فيه الصحفي جزءًا من مشهد الجبهة، شاهدًا وناقلًا لما تسمح به ظروف الحرب.
وبين شخصية «إحسان» التي بقيت على شاشة السينما، والأسماء التي بقيت في سجلات المهنة، تبدو الحكاية أوسع من صورة واحدة، 36 صحفيًا سجلتهم قوائم المراسلين الحربيين في أكتوبر، وشهيدان سبقا العبور خلال حرب الاستنزاف، وتجارب وشهادات بقيت بعد أكثر من نصف قرن شاهدة على حضور الصحفي المصري في سنوات الحرب.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






