«المآذن العالية».. خطة العبور تحت مظلة الصواريخ
الشاذلي بنى التصور على التقدم من 10 إلى 12 كيلومترًا شرق القناة.. و«التوجيه 41» وضع تفاصيل اقتحام خط بارليف
بين ضفتي قناة السويس بضعة كيلومترات، لكنها بعد نكسة يونيو 1967 احتاجت إلى سنوات من إعادة البناء والتدريب والتخطيط قبل أن تتمكن القوات المصرية من عبورها إلى الشرق
ولم تكن المشكلة في عبور القناة وحدها، وإنما فيما سيحدث بعده: إلى أي مدى يمكن للقوات أن تتقدم داخل سيناء؟ وهل تستطيع الاحتفاظ بالأرض التي تصل إليها في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي؟
كانت القوات المسلحة تعيد بناء قدراتها وتخوض حرب الاستنزاف، فيما استمر الإعداد لمعركة جديدة، حتى تولى الفريق سعد الدين الشاذلي رئاسة أركان حرب القوات المسلحة في مايو 1971، وأصبح تحديد حجم العملية الهجومية وأهدافها في قلب التخطيط للحرب
درس الشاذلي إمكانات القوات المصرية والإسرائيلية، ووضع تصورًا لعملية محدودة تقوم على عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، ثم التقدم من 10 إلى 12 كيلومترًا شرق القناة واتخاذ أوضاع دفاعية
حمل التصور اسم «المآذن العالية»، ولم يكن العمق المحدد للتقدم عشوائيًا، فقد ارتبط بالنطاق الذي تستطيع فيه القوات المصرية الاستفادة من مظلة الدفاع الجوي، بينما كان التوغل إلى مسافات أبعد يزيد من تعرض القوات البرية للتفوق الجوي الإسرائيلي
كانت الفكرة أن تعبر القوات وتقاتل وتتمركز داخل نطاق تستطيع حمايته، بدلًا من دفعها إلى عمق لا تتوافر لها فيه الحماية نفسها
وفي المقابل، كان الفريق أول محمد صادق، وزير الحربية آنذاك، يتبنى تصورًا لعملية أوسع تستهدف الوصول إلى المضائق، وفي ظل اختلاف التصورين جرى إعداد «الخطة 41» للعملية الأوسع، و«المآذن العالية» للعملية المحدودة
لكن تحديد المكان الذي ستصل إليه القوات لم يكن سوى جزء من المهمة، فقبل الوصول إلى هذا العمق كان عليها اجتياز قناة السويس واقتحام خط بارليف ونقل الرجال والأسلحة والذخائر والمعدات إلى الضفة الشرقية
هنا دخل «التوجيه 41» إلى المشهد
ورغم تشابه الاسمين، فإن «التوجيه 41» يختلف عن «الخطة 41»، فالأخيرة ارتبطت بالتصور الأوسع للعملية، بينما تناول التوجيه التفاصيل التنفيذية لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف
ويروي اللواء سمير فرج، الذي كان يدرس في كلية أركان حرب قبل الحرب، أن الشاذلي أمر بتشكيل لجنة لإعداد التوجيه، بعد مراجعة المشكلات التي يمكن أن تواجه عملية العبور ووضع الحلول والبدائل للتعامل معها، قبل أن يناقشه مع ضباط كلية أركان حرب قبل الحرب بأشهر
دخل التخطيط إلى تفاصيل تنظيم عبور المشاة، واقتحام نقاط خط بارليف، وفتح الثغرات في الساتر الترابي، والتعامل مع أنابيب المواد الحارقة، والسيطرة على مصاطب الدبابات الإسرائيلية، واستخدام ستائر الدخان لحماية مناطق العبور، إلى جانب توقيتات التحرك وتجهيز المقاتلين بالأسلحة والذخائر
لم يكن نجاح العملية مرتبطًا بوصول أول موجة من المقاتلين إلى الضفة الشرقية فقط، وإنما بقدرة القوات التالية على العبور واستمرار القتال، ووصول الأسلحة والمعدات، وإنشاء الكباري وتأمين رؤوس الكباري
ومع استمرار الاستعداد للحرب، تطورت الخطط مع تغير الظروف والإمكانات، وصولًا إلى خطة العمليات التي حملت اسم «بدر» قبل حرب أكتوبر، فيما ظل عبور القناة واقتحام خط بارليف وإنشاء رؤوس كباري شرقها في قلب العملية
ولم يكن الطريق من يونيو 1967 إلى أكتوبر 1973 نتاج خطة واحدة أو عمل قائد واحد، فقد سبق الحرب مسار طويل من إعادة بناء القوات المسلحة، وحرب الاستنزاف، وتطوير التسليح والدفاع الجوي والتدريب، إلى جانب عمل قيادات وهيئات وأفرع وتشكيلات متعددة
وفي الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات المصرية الهجوم، وعبرت موجات المشاة قناة السويس، وبدأ اقتحام خط بارليف وإنشاء رؤوس الكباري على الضفة الشرقية
كانت «المآذن العالية» واحدة من المحطات الرئيسية في مسار طويل من التخطيط للعبور، وتطورت الخطط بعدها حتى اندلاع الحرب، لكن الفكرة التي قامت عليها ظلت واضحة: تحديد هدف تستطيع القوات تنفيذه والاحتفاظ بما تحققه على الأرض


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






