خاص| الدراسات العليا في العلوم الإنسانية.. وجاهة اجتماعية أم ضرورة لبناء العقل والمجتمع؟
أثارت تصريحات الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، الأستاذ بجامعة الأزهر، بشأن عدم جدوى الدراسات العليا في كليات العلوم الإنسانية، حالة واسعة من الجدل بين المؤيدين والمعارضين، خاصة في ظل ما تطرحه هذه التصريحات من أسئلة تتعلق بقيمة الدراسات الإنسانية ودورها في تكوين الفرد والمجتمع، ومدى ارتباط الدراسات الأكاديمية بالواقع ومتغيراته المتسارعة.

وبعيدًا عن تبني موقف مسبق تجاه تصريحات الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، تبرز الحاجة إلى الاستماع إلى آراء المتخصصين والأكاديميين والعاملين في حقل العلوم الإنسانية، لمحاولة الوقوف على أبعاد القضية، وفهم الدوافع التي تقف خلف هذه الرؤية، وكذلك البحث في جدوى الدراسات العليا وأثرها الحقيقي في المجتمع المصري.
وتصب تصريحات الدكتور محمد إبراهيم العشماوي في اتجاه يرى أن جانبًا من الدراسات العليا في العلوم الإنسانية قد تحول لدى بعض الدارسين إلى وسيلة للبحث عن وجاهة اجتماعية، أو الحصول على ألقاب أكاديمية، أو قضاء سنوات من العمر بعيدًا عن الواقع العملي ومتطلباته، في ظل عالم تتغير فيه أدوات المعرفة والعمل بصورة متسارعة.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحصول على درجة علمية عليا لا ينبغي أن يكون هدفًا قائمًا بذاته، وإنما يجب أن يرتبط بغاية واضحة، سواء كانت تطوير المعرفة، أو البحث العلمي، أو خدمة المجتمع، أو تطوير القدرات المهنية والأكاديمية. أما حين تتحول الشهادة إلى مجرد وسيلة للحصول على لقب اجتماعي أو مكانة شكلية، فإن قيمتها الحقيقية تصبح محل تساؤل.
وفي السياق ذاته، علّق الدكتور محمد إبراهيم طعيمة على تصريحات العشماوي، معتبرًا أنها، في جانب كبير منها، تصب في الاتجاه الصحيح، مع وجود بعض الاستثناءات التي تستدعي النظر إليها بصورة مختلفة.
وأوضح طعيمة أن هناك فئات بالفعل تسعى إلى استكمال الدراسات العليا بهدف تطوير نفسها أكاديميًا، أو استخدام الشهادة في أغراض مرتبطة بالترقيات، أو الحصول على منح وحوافز، أو تحقيق متطلبات وظيفية وأكاديمية محددة، وهو ما يجعل الدراسة العليا بالنسبة إليها وسيلة لها هدف واضح، وليست مجرد تحصيل لشهادة جديدة.
وأضاف أن تطوير الإنسان لنفسه في مجالات العلوم الإنسانية لا يتوقف بالضرورة على الحصول على شهادة أكاديمية، مؤكدًا أن المعرفة يمكن اكتسابها وتطويرها بوسائل متعددة، وأن الباحث أو المهتم بمجال من مجالات العلوم الإنسانية يستطيع أن يوسع مداركه من خلال القراءة والبحث والاطلاع والممارسة والتفاعل مع الواقع، دون أن تكون الدرجة العلمية شرطًا وحيدًا لذلك.
وأشار إلى أن هناك، في المقابل، من يتجه إلى الدراسات العليا بحثًا عن الوجاهة الاجتماعية، أو رغبة في الحصول على لقب «دكتور» أو «باحث»، أو الاستفادة من المكانة التي تمنحها بعض الألقاب الأكاديمية داخل المجتمع، وهو ما يطرح تساؤلًا حول الدافع الحقيقي وراء استكمال الدراسات العليا، وحول ما إذا كانت الغاية هي إنتاج المعرفة بالفعل أم مجرد الحصول على مكانة اجتماعية مرتبطة بالشهادة.
أما بشأن مسألة التعميم، وبخاصة أن جامعة الأزهر يغلب على قطاعات واسعة منها الطابع الإنساني في العلوم والتخصصات، فأوضح طعيمة أن الحكم على المقصود من التصريحات في هذه النقطة يظل مرتبطًا بالسياق الكامل الذي قيلت فيه، قائلًا إن الدكتور العشماوي هو الأقدر على توضيح مقصده، وربما يكون جزء من التصريح قد اقتُطع من سياقه.
ومع ذلك، أكد طعيمة اعتقاده بأن التصريح يحمل قدرًا كبيرًا من الصواب، خصوصًا إذا كان المقصود منه إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها البعض مع الدراسات العليا، وتحويلها من غاية شكلية إلى وسيلة حقيقية للمعرفة والتطوير وخدمة المجتمع.
وفي مقابل هذه الرؤية، تطرح معلمة الدراسات الإنسانية الأستاذة آيات أشرف زاوية أخرى للقضية، ترى من خلالها أن المشكلة لا تبدأ عند مرحلة الدراسات العليا وحدها، وإنما تمتد إلى مراحل التعليم السابقة، وإلى الطريقة التي جرى بها التعامل مع العلوم الإنسانية داخل المنظومة التعليمية.
وترى آيات أشرف أن الأزمة بدأت مع التغييرات التي طرأت على مقررات الثانوية العامة، وما صاحبها من تهميش للعلوم الإنسانية، رغم الدور الذي تؤديه هذه العلوم في تكوين شخصية الطالب، وتنمية قدرته على التفكير وفهم المجتمع الذي يعيش داخله.
وتوضح أن العلوم الإنسانية لم تكن مجرد مواد دراسية تضاف إلى المناهج، وإنما كانت مساحة لإعمال العقل، ومحاولة لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ والأفكار والقيم والعلاقات التي تحكم الحياة العامة. ومن ثم فإن تراجع حضورها، بحسب رؤيتها، لا ينعكس فقط على التحصيل الدراسي، وإنما يمتد أثره إلى تكوين الأجيال الجديدة وطريقة إدراكها للواقع.
وتؤكد أن تكوين شخصية قادرة على فهم المجتمع يجب أن يسبق انخراط الفرد فيه ومشاركته في شؤونه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكون عضوًا فاعلًا في مجتمعه إذا كان يفتقد الأدوات التي تساعده على فهمه وتحليل الظواهر التي تحيط به.
وترى أن تهميش العلوم الإنسانية ساهم في خلق حالة من الاغتراب الاجتماعي لدى قطاعات من الأجيال الجديدة، نتيجة ضعف القدرة على فهم آليات المجتمع ومؤسساته ومفاهيمه الأساسية، مشيرة إلى أن المدرسة نفسها لم تعد تقوم بالدور الكافي في تقديم هذا النوع من المعرفة.
وتضرب مثالًا على ذلك بوجود خريجين من كليات مختلفة لا يعرفون حتى مفهوم «المجتمع المدني»، وهو ما تعتبره مؤشرًا على وجود فجوة معرفية تتجاوز حدود المناهج الدراسية لتصبح قضية مرتبطة بقدرة الفرد على فهم البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيش فيها.
ولا تتوقف المشكلة، وفقًا لآيات أشرف، عند الطلاب أو المناهج، وإنما تمتد كذلك إلى أعضاء هيئات التدريس أنفسهم، الذين قد يجد بعضهم نفسه محاصرًا في نمط من العمل الروتيني، يتركز في أداء الوظيفة والحصول على الراتب أو الحوافز، أو في بعض الحالات السعي إلى مصادر دخل إضافية من خلال الدروس الخصوصية، بدلًا من أن يكون التعليم مساحة للبحث والتفكير وإنتاج المعرفة.
ومن هنا، فإن الجدل حول الدراسات العليا في العلوم الإنسانية لا يمكن اختزاله، بحسب هذا الطرح، في سؤال بسيط من نوع: هل الشهادة العليا مفيدة أم غير مفيدة؟
فالسؤال الأعمق يتعلق بالغاية من التعليم نفسه، وبالدور الذي يفترض أن تؤديه العلوم الإنسانية في بناء الإنسان، وبالطريقة التي يتم بها توظيف البحث العلمي داخل الجامعات، وبمدى ارتباط الدراسات الأكاديمية بقضايا المجتمع واحتياجاته الفعلية.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن جزءًا من الدراسات العليا أصبح مرتبطًا بالرغبة في الحصول على لقب أو مكانة اجتماعية أو مكاسب وظيفية، يرى آخرون أن المشكلة الحقيقية تكمن في تراجع قيمة العلوم الإنسانية نفسها داخل المنظومة التعليمية والمجتمعية، وأن علاج الخلل لا يكون بإضعاف الدراسات العليا أو التشكيك في جدواها، وإنما بإعادة تعريف دورها وربطها بالواقع.
وتحذر آيات أشرف من أن استمرار تهميش العلوم الإنسانية قد تكون له نتائج تتجاوز حدود التعليم، معتبرة أن إضعاف هذه العلوم يعني إضعاف قدرة المجتمع على التفكير والفهم والتحليل، وأن هذا التهميش يمثل، من وجهة نظرها، تغذية للتطرف وتهديدًا للمجتمع وهدمًا لما يمكن وصفه بالعقل الجمعي.
وبين الرؤيتين، تبدو القضية أكثر تعقيدًا من مجرد الدفاع عن الدراسات العليا أو رفضها. فالدراسات العليا يمكن أن تكون وسيلة حقيقية لإنتاج المعرفة وتطوير الباحث وخدمة المجتمع، لكنها قد تتحول كذلك إلى هدف شكلي إذا انفصلت عن البحث الحقيقي والواقع واحتياجاته.
كما أن العلوم الإنسانية، في المقابل، لا يمكن قياس قيمتها فقط بمدى قدرتها على توفير وظيفة مباشرة لخريجيها، إذ إن دورها يمتد إلى تشكيل الوعي، وفهم المجتمع، وتحليل الظواهر الإنسانية، وتكوين القدرة على التفكير النقدي، وهي أدوار يصعب اختزالها في معيار مادي أو وظيفي واحد.
ومن هنا يظل الجدل الذي أثارته تصريحات الدكتور محمد إبراهيم العشماوي فرصة لإعادة طرح سؤال أوسع: هل تحتاج العلوم الإنسانية إلى مزيد من الدراسات العليا، أم تحتاج قبل ذلك إلى إعادة اكتشاف وظيفتها الحقيقية؟
فإذا كانت بعض الدراسات العليا قد فقدت جزءًا من معناها وتحولت لدى البعض إلى سباق على الألقاب والشهادات، فإن الحل لا يبدو في إلغاء قيمة العلم والمعرفة، وإنما في إعادة الاعتبار للبحث الحقيقي، وربط الدراسة الأكاديمية بالواقع، وتشجيع من يمتلك مشروعًا معرفيًا حقيقيًا على استكماله.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على مكانة العلوم الإنسانية داخل التعليم ليس ترفًا أكاديميًا، وإنما يرتبط بشكل مباشر بقدرة الأجيال الجديدة على فهم ذاتها ومجتمعها، وعلى المشاركة فيه بصورة أكثر وعيًا، وعلى امتلاك الأدوات الفكرية التي تساعدها على مواجهة الظواهر الاجتماعية والثقافية والفكرية المعقدة.
وبذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: «هل الدراسات العليا في العلوم الإنسانية بلا جدوى؟»، وإنما: «ما الذي نريده من الدراسات العليا، وما الذي نريده من العلوم الإنسانية أصلًا؟».
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي يمكن أن تحدد ما إذا كانت الشهادة العليا مجرد لقب يُضاف إلى الاسم، أم مشروعًا حقيقيًا لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان وخدمة المجتمع.




.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)
.jpg)






