النهار
الإثنين 10 أغسطس 2026 09:26 مـ 25 صفر 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
قطع المياه عن عدة مناطق بالقاهرة لمدة 4 ساعات.. تعرف على الموعد والأماكن اللواء رأفت الشرقاوي لـ«النهار»: جريمة التجمع الخامس تكشف تخطيطًا مسبقًا.. وتعدد مسارح الواقعة يعكس إصرار الجاني على تنفيذ مخططه حزب المصريين: توجيهات السيسي تعكس حرص الدولة على حماية مسار الإصلاح الاقتصادي الأمن يتدخل بعد فيديو أثار الجدل.. ضبط شخص ظهر مع طفل يقبله بالقليوبية جمال أبو الفتوح: الصادرات الزراعية تتجاوز 6.2 مليون طن وتدعم موارد الدولة الحبس والغرامة.. عقوبات مشددة للاحتيال الإلكتروني على بطاقات البنوك الأهلي ينظم ممرًا شرفيًا لاستقبال الصفقات الجديدة في معسكر إسبانيا بلا رخصة قيادة وأتوبيس منتهي التراخيص.. ضبط سائق سار عكس الإتجاه بشبرا لحوم فاسدة تهدد صحة المواطنين.. ضبط 200 كيلو داخل هايبر ببنها مفتي الجمهورية ينعى السفير دياب اللوح سفير دولة فلسطين لدى القاهرة تحويلات مرورية بشارع بن سندر بالقاهرة لمدة 10 أيام بسبب إصلاح هبوط أرضي اليمن : وزيرة الشؤون القانونية تبحث مع وزير المالية تعزيز التنسيق المشترك ودعم تنفيذ مهام الوزارة

عربي ودولي

خبير استراتيجي لـ”النهار”: ترامب يطوّق رفض نتنياهو للانسحاب ويعيد هندسة المرحلة المقبلة في غزة

نتنياهو وترامب
نتنياهو وترامب

يرى الخبير الاستراتيجي الفلسطيني الدكتور محمد خليل مصلح، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتعامل مع رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للانسحاب المرحلي من قطاع غزة باعتباره مشكلة قابلة للإدارة، وليس أزمة يمكن أن تقود في الوقت الراهن إلى صدام جذري داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي.

ويشير مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، إلى أن واشنطن تميز بين الرفض العلني الذي يخدم في جانب كبير منه حسابات نتنياهو الداخلية وإرضاء ائتلافه اليميني، وبين السلوك العملي الذي تريده الإدارة الأمريكية من إسرائيل، والمتمثل في خفض العمليات العسكرية، وعدم توسيع السيطرة الميدانية، والإبقاء على مسار التفاوض ونزع السلاح مفتوحًا.

وبحسب مصلح، فإن إدارة ترامب لا تبدو معنية في هذه المرحلة بإجبار نتنياهو على إعلان قبول رسمي وصريح بخطة الانسحاب، بقدر اهتمامها بانتزاع التزامات تنفيذية تدريجية على الأرض. وتسمح هذه المقاربة لنتنياهو بالحفاظ على هامش للمناورة أمام جمهوره وائتلافه السياسي، في الوقت الذي تواصل فيه واشنطن دفع المسار التفاوضي إلى الأمام، بحيث يبقى الرفض الإسرائيلي في حدود الموقف السياسي والخطاب الداخلي، ولا يتحول إلى رفض عسكري أو إجرائي ينسف الخطة.

واشنطن تفصل الخطاب والتنفيذ

ويعتبر مصلح أن الفصل بين الخطاب السياسي والتنفيذ العملي يمثل إحدى أبرز أدوات إدارة ترامب في التعامل مع نتنياهو، إذ يمكن لواشنطن أن تتعايش مؤقتًا مع تصريحات إسرائيلية ترفض الانسحاب المرحلي، طالما أن الحكومة الإسرائيلية تلتزم عمليًا بالمطالب الأمريكية المتعلقة بخفض التصعيد وعدم توسيع العمليات العسكرية وإتاحة المجال أمام تنفيذ بنود الاتفاق.

ويتيح هذا الأسلوب لنتنياهو الحفاظ على صورته أمام الناخب الإسرائيلي، ولا سيما في ظل الضغوط التي يواجهها من التيار اليميني داخل حكومته، بينما تحصل واشنطن في المقابل على مساحة كافية لمواصلة تنفيذ خطتها دون الدخول مبكرًا في مواجهة سياسية علنية مع الحكومة الإسرائيلية.

ويرى الباحث الفلسطيني أن هذا الفصل لا يعني أن الإدارة الأمريكية تخلت عن هدف الانسحاب، وإنما يعني أنها تحاول إعادة تعريف طريقة الوصول إليه. فبدل تحويل الانسحاب إلى التزام سياسي إسرائيلي فوري، يجري التعامل معه باعتباره مسارًا تنفيذيًا يمكن تحقيقه عبر خطوات متدرجة وإعادة انتشار ميدانية وضمانات أمنية، بما يقلل من الكلفة السياسية على نتنياهو ويمنع انهيار المسار التفاوضي.

الضغط عبر القنوات الخلفية

ويضيف مصلح أن واشنطن تعتمد، إلى جانب الرسائل السياسية، على قنوات دبلوماسية ومبعوثين خاصين لإدارة الخلاف مع نتنياهو بعيدًا عن المواجهة العلنية. وتتركز الاتصالات، وفق تقديره، حول إعادة تموضع القوات الإسرائيلية باتجاه الخطوط المتفق عليها، ووقف عمليات الاغتيال والهجمات، وتهيئة الظروف للانتقال إلى المراحل التالية من الخطة.

وتمنح هذه القنوات إدارة ترامب قدرة أكبر على تعديل بعض بنود الخطة أو صياغة ضمانات أمنية جديدة دون دفع نتنياهو إلى إعلان تراجع مباشر أمام الرأي العام الإسرائيلي. كما تسمح لواشنطن باختبار مدى استعداد الحكومة الإسرائيلية للانتقال من الاعتراض السياسي إلى الالتزام العملي، وهو الفاصل الذي يرى مصلح أنه سيحدد طبيعة المواجهة المقبلة بين الطرفين.

ولا يرتبط الخلاف، وفق هذا التصور، بمسألة الانسحاب وحدها، وإنما أيضًا بتموضع القوات الإسرائيلية واستمرار العمليات الهجومية. ولذلك فإن أي تقدم في إعادة الانتشار أو خفض العمليات يمكن أن تنظر إليه واشنطن باعتباره خطوة جزئية في اتجاه تنفيذ الخطة، حتى في حال استمرار نتنياهو في استخدام خطاب رافض للانسحاب أمام قاعدته السياسية.

إعادة تعريف الانسحاب

ويعتقد مصلح أن إحدى الأدوات الأساسية التي قد تلجأ إليها إدارة ترامب تتمثل في تحويل مفهوم الانسحاب الكامل إلى ترتيبات أمنية مرحلية أكثر قابلية للتنفيذ. فواشنطن، وفق تقديره، تدرك أن مطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل من غزة دفعة واحدة من دون ضمانات أمنية قد تصطدم برفض إسرائيلي واسع، ولذلك قد تدفع باتجاه إعادة انتشار تدريجية من مناطق محددة، بالتوازي مع ترتيبات للتحقق من نزع السلاح وآليات مراقبة دولية أو أمريكية.

وتشمل الصيغة المحتملة، بحسب مصلح، إقامة مناطق عازلة وترتيبات مراقبة مؤقتة، مع منح إسرائيل قدرة محدودة على الرد في حال وقوع خروقات موثقة، وربط كل مرحلة انتقالية بمجموعة من المؤشرات الأمنية المحددة والقابلة للقياس. وبهذا الأسلوب تحاول واشنطن معالجة المخاوف الإسرائيلية من أن يؤدي الانسحاب إلى فراغ أمني يمكن أن تستغله حركة حماس.

ويرى مصلح أن إعادة صياغة المصطلحات قد تكون جزءًا من الحل السياسي؛ إذ يمكن تسويق الانسحاب المرحلي تحت عناوين مثل «إعادة الانتشار» أو «الانسحاب المشروط» أو «الانتقال المدروس بين الخطوط الأمنية»، بما يسمح لترامب بالحفاظ على جوهر خطته، وفي الوقت نفسه يمنح نتنياهو مساحة لتقديم الترتيبات أمام جمهوره باعتبارها إجراءات أمنية لا تراجعًا سياسيًا مباشرًا.

انتخابات نتنياهو تضيق هامش المناورة

وفي قراءة مصلح، يرتبط موقف نتنياهو بدرجة كبيرة بحساباته السياسية الداخلية، إذ لا يستطيع رئيس الحكومة الإسرائيلية تقديم تنازلات واضحة بشأن الانسحاب من غزة دون مواجهة ائتلافه اليميني وقاعدته الانتخابية. ولذلك، فإن تأجيل الالتزامات الرسمية قد يصبح بالنسبة إليه وسيلة للحفاظ على تماسك حكومته إلى حين اتضاح نتائج المعركة السياسية الداخلية.

غير أن الباحث الفلسطيني يطرح احتمالًا مختلفًا للمرحلة التالية، يتمثل في أن سقوط حكومة نتنياهو وتشكيل حكومة جديدة قد يمنح إدارة ترامب مساحة أوسع لتنفيذ خطتها. ويذهب إلى أن الحكومة المقبلة، حتى لو لم تكن أكثر اعتدالًا في موقفها من الملف الفلسطيني، قد تكون أكثر استعدادًا للتعامل مع ترامب وبناء علاقة ثقة معه، وهو ما قد يسهّل الانتقال إلى الترتيبات التي تواجهها حكومة نتنياهو الحالية بتحفظات سياسية وأمنية.

وبذلك، لا يرى مصلح أن مستقبل الخطة الأمريكية يرتبط بصورة نهائية بموقف نتنياهو الحالي، وإنما يعتبر أن الإدارة الأمريكية قد تراهن أيضًا على تغير البيئة السياسية الإسرائيلية نفسها، خصوصًا إذا تحول رئيس الحكومة من شريك قادر على تنفيذ التفاهمات إلى عقبة أمام المسار الذي تسعى واشنطن إلى تثبيته.

لماذا تتجنب واشنطن الصدام؟

ويشير مصلح إلى أن إدارة ترامب تملك أسبابًا استراتيجية واضحة لتجنب الاصطدام المباشر مع نتنياهو في هذه المرحلة، أبرزها الخشية من انهيار الخطة الأمريكية وتحميل واشنطن مسؤولية فشلها، أو عودة التصعيد العسكري الواسع، أو منح نتنياهو فرصة لاستثمار الخلاف مع الإدارة الأمريكية باعتباره مواجهة بين الأمن الإسرائيلي والضغوط الخارجية.

ومن هذا المنطلق، تميل واشنطن إلى سياسة الاحتواء والضغط الهادئ، بحيث تستوعب الحسابات السياسية والانتخابية لنتنياهو مقابل الحصول على التزام عملي بخفض التصعيد وعدم عرقلة الانتقال إلى المرحلة التالية. وتسمح هذه المقاربة لترامب بالحفاظ على علاقته الاستراتيجية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه إبقاء الحكومة الإسرائيلية داخل الإطار العام للخطة.

ويعني ذلك أن الإدارة الأمريكية لا تريد في الوقت الحالي تحويل الخلاف حول الانسحاب إلى معركة سياسية منفصلة عن مسار غزة، وإنما تسعى إلى معالجة الخلاف باعتباره عقدة تفاوضية يمكن تجاوزها من خلال إعادة صياغة الترتيبات الأمنية والميدانية.

واشنطن ترسم حدود التسامح

لكن مرونة إدارة ترامب، وفق مصلح، ليست مفتوحة بلا سقف. فطبيعة السلوك الإسرائيلي على الأرض هي التي ستحدد متى ينتقل الخلاف من مشكلة قابلة للإدارة إلى أزمة سياسية فعلية بين واشنطن وحكومة نتنياهو.

وفي حال بقي الرفض الإسرائيلي في الإطار الخطابي، بالتزامن مع تقليص تدريجي للعمليات العسكرية، فإن واشنطن ستواصل التفاوض والضغط عبر القنوات الخلفية. أما إذا جرى تنفيذ إعادة انتشار محدودة ومتفق عليها، فمن المرجح أن تعتبر الإدارة الأمريكية ذلك تقدمًا جزئيًا يمكن البناء عليه للانتقال إلى مراحل أخرى.

في المقابل، فإن استمرار عمليات الاغتيال والهجمات الواسعة رغم المطالب الأمريكية سيضع واشنطن أمام خيار ممارسة ضغط سياسي أكثر وضوحًا. ويصبح الأمر أكثر خطورة إذا اتجهت إسرائيل إلى توسيع سيطرتها الميدانية أو شن عملية عسكرية شاملة في القطاع، لأن ذلك، وفق تقدير مصلح، سيهدد الخطة الأمريكية برمتها وقد يدفع إدارة ترامب إلى التدخل المباشر والضغط العلني.

كما أن رفض إسرائيل لأي صيغة للتحقق أو التفاوض يمكن أن ينقل المسؤولية السياسية عن تعطيل التسوية إلى نتنياهو بصورة مباشرة، خصوصًا إذا اقتنعت واشنطن بأن المشكلة لم تعد في تفاصيل الترتيبات الأمنية وإنما في محاولة إبقاء الوضع الميداني القائم من دون أفق للانتقال إلى المرحلة التالية.

نتنياهو بين التأجيل والضغط

ويرجح مصلح أن يسعى نتنياهو خلال المرحلة المقبلة إلى تأجيل التزاماته الرسمية، مستفيدًا من حساسية الملف داخل إسرائيل، لكنه سيواجه في الوقت نفسه تراجعًا تدريجيًا في هامش المناورة إذا خلصت إدارة ترامب إلى أن بقاء القوات الإسرائيلية في مواقعها الحالية أصبح العقبة الرئيسية أمام تنفيذ خطتها.

وفي هذه الحالة، قد تنتقل واشنطن تدريجيًا من الرسائل السرية والاتصالات الدبلوماسية إلى مواقف علنية أكثر حسمًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على صيغة تسمح لإسرائيل بإبداء تحفظاتها الأمنية والسياسية، من دون منحها القدرة على تعطيل المسار الاستراتيجي الذي تريده الإدارة الأمريكية.

وبحسب هذا التقدير، فإن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة حول إعلان نتنياهو موافقته على الانسحاب المرحلي، وإنما حول ما إذا كان سيقبل بمقتضياته العملية: خفض العمليات، وإعادة الانتشار المحدودة، وعدم توسيع السيطرة، وقبول آليات التحقق، والإبقاء على التفاوض مفتوحًا.

صدام مؤجل لا تحالف منهار

ويخلص مصلح إلى أن إدارة ترامب لا تبدو في الوقت الراهن بصدد إجبار نتنياهو قسرًا على إعلان قبول الانسحاب المرحلي، بل ستواصل الضغط لتحقيق جوهره ميدانيًا من خلال تقليص العمليات العسكرية، وتنفيذ عمليات إعادة انتشار محدودة، وبناء منظومة ضمانات أمنية قادرة على طمأنة إسرائيل إلى عدم نشوء فراغ أمني.

غير أن استمرار التعطيل الإسرائيلي سيغيّر حسابات واشنطن تدريجيًا، خصوصًا إذا تحولت الاعتراضات السياسية إلى إجراءات ميدانية تمنع تنفيذ الخطة. وعندها قد تنتقل إدارة ترامب إلى مواجهة سياسية مباشرة مع حكومة نتنياهو، وربما تصبح هذه المواجهة أكثر وضوحًا بعد الانتخابات الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة المساس بالتحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وبذلك، فإن الخلاف بين ترامب ونتنياهو، وفق قراءة مصلح، لا يتجه في مرحلته الحالية إلى قطيعة استراتيجية، بل إلى اختبار تدريجي للقدرة على فرض الوقائع التنفيذية خلف الخطاب السياسي. وبينما يحاول نتنياهو شراء الوقت وتأجيل الالتزامات التي قد تهدد مستقبله السياسي، تعمل واشنطن على تحويل الانسحاب من مطلب سياسي صدامي إلى سلسلة ترتيبات أمنية وميدانية يصعب رفضها من دون الظهور باعتباره الطرف الذي يعطل المسار بأكمله.

موضوعات متعلقة