الساحل الأفريقي يشتعل.. هجمات مالي تكشف حرب النفوذ الكبرى في القارة
أعادت الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي خلال الأيام الأخيرة ملف منطقة الساحل إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعدما استهدفت جماعات مسلحة عدداً من المواقع العسكرية في شمال ووسط البلاد بشكل متزامن، إذ أظهرت أن الجماعات المسلحة ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على التخطيط والتنسيق والتحرك عبر مسافات واسعة، رغم سنوات من العمليات العسكرية التي نفذتها الحكومة المالية وحلفاؤها.
وأعلنت الحكومة المالية أنها استعادت السيطرة على المواقع المستهدفة وألحقت خسائر بالمهاجمين، بينما أكدت الجماعات المسلحة تحقيق مكاسب ميدانية، لتبقى الحقيقة أن الصراع دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، كما كشفت التقارير عن مشاركة فصائل مرتبطة بجبهة تحرير أزواد إلى جانب جماعات متشددة، وهو ما يعكس وجود تنسيق ميداني بين أطراف كانت تتحرك سابقاً بشكل منفصل، الأمر الذي يزيد الضغوط على الجيش المالي ويهدد بتوسيع رقعة المواجهات.
لكن الأهم أن ما يجري في الساحل لم يعد مجرد حرب ضد الإرهاب، بل تحول إلى صراع نفوذ دولي على واحدة من أكثر المناطق أهمية في إفريقيا، فالمنطقة تمثل حلقة وصل بين شمال وغرب ووسط القارة، وتضم ثروات استراتيجية من الذهب واليورانيوم والمعادن النادرة، كما تتحكم في طرق الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا والتجارة العابرة للصحراء، وهو ما جعلها محط اهتمام القوى الكبرى.
وتكمن خطورة هذه التطورات أيضاً في انها تمتد آثارها إلى منطقة الساحل بأكملها، خاصة الجزائر التي تمتلك حدوداً صحراوية طويلة مع مالي، فأي تدهور أمني يعني تنشيط شبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر، واحتمال انتقال عناصر مسلحة عبر الحدود، وهو ما يجعل الجزائر تعتبر استقرار مالي جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، لذلك كثفت مراقبة حدودها وعززت انتشارها العسكري تحسباً لأي تصعيد.
ولسنوات طويلة كانت فرنسا اللاعب الخارجي الأبرز في الساحل، مستندة إلى إرثها الاستعماري ولكن خلال السنوات الأخيرة تراجع النفوذ الفرنسي الذي ظل مهيمناً لعقود،حيث أن استمرار الهجمات واتساع رقعة العنف أثار انتقادات، و اعتبر كثيرون أن الوجود الفرنسي لم يحقق الاستقرار الموعود، بل تزامن مع تدهور الأوضاع الأمنية.
وفي ذات الوقت الذي انسحبت فيه القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وفقدانها نفوذها ومكانتها في الساحل وأفريقيا بسبب الغضب الشعبي والانقلابات العسكرية، عززت روسيا حضورها ونفوذها عبر التعاون العسكري مع الحكومات الجديدة، باعتبارها شريكاً أمنياً بديلاً دون شروط بينما تحافظ الولايات المتحدة على وجودها الأمني، وتواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي من خلال الاستثمارات ومشروعات البنية التحتية، كما تحاول تركيا تعزيز وجودها الاقتصادي في هذه المنطقة عبر التعاون التجاري والصناعات الدفاعية وهكذا أصبحت منطقة الساحل ساحة تنافس بين قوى دولية تسعى كل منها إلى ترسيخ نفوذها في إفريقيا.
وسط هذا التنافس، أصبحت الجماعات المسلحة عاملاً تستغله كل الأطراف، فكلما تدهور الوضع الأمني، زادت حاجة الحكومات إلى الدعم الخارجي، وكلما تغيرت التحالفات، سعت القوى الدولية إلى ملء أي فراغ يتركه منافسوها ويصبح منافسة على النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي في واحدة من أكثر المناطق أهمية بالنسبة لمستقبل إفريقيا.




.png)












.jpg)


.jpg)






