ماهر مقلد يكتب: معادلات الواقع الإقليمي
جاء الاتفاق المزمع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في توقيت كان يترقبه العالم بكثير من الحذر والاهتمام حيث سادت أجواء إيجابية نسبياً بعد الإعلان عن مسودة هذا الاتفاق الأولي، وصحيحٌ أنه حتى الآن لا تزال التسريبات حول البنود التفصيلية غير مؤكدة بشكل رسمي كامل من الجانبين الإيراني أو الأمريكي، إلا أن هذا الإعلان جاء نتاج مسار طويل وشاق من المفاوضات وتبادل الشروط المعقدة بين الطرفين.
وعندما ننظر إلى هذا التطور، نجد أنه يمثل مرحلة جوهرية في طبيعة العلاقات الدولية فهو يؤكد ضرورة جلوس جميع الأطراف إلى مائدة الحوار، إذ لم يكن استخدام القوة أو التلويح بها يوماً حلاً ناجعاً لأي نزاع مهما بلغت حدته، فالخسائر الكبيرة التي يخلّفها اللجوء إلى العنف تعصف بالأبرياء وتؤلم الضمير الإنساني، ورغم اختلاف القادة والأنظمة، ورفع كل نظام شعار حماية مصالح دولته الوطنية، إلا أنه تبيّن بالدليل القاطع أنه حينما تتغلب الحلول التفاوضية، تكون المكاسب المشتركة أكبر بكثير من كلفة الحروب.
تتركز العناوين العريضة للاتفاق الراهن حول ملفات مفصلية:
الملف النووي: وضع قيود واضحة على البرنامج النووي الإيراني.
الملف الاقتصادي: الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة مقابل شروط محددة.
الملف الإقليمي: تحييد إيران عن الصراعات الدولية، والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
لقد كانت تجربة التصعيد العسكري مريرة، وتأثرت التجارة العالمية بدرجة غير متوقعة نتيجة هذا الخلاف، خاصة بعد الإغلاق الذي شهده مضيق هرمز، والذي يعد الشريان الحيوي للملاحة الدولية وهمزة الوصل للتجارة وإمدادات الطاقة العالمية، بناءً على ذلك، فإن نجاح هذا الاتفاق سينعكس إيجاباً وبدرجة عالية على استقرار منطقة الخليج العربي، والتي واجهت تهديدات أمنية وصاروخية مباشرة مست دولاً كالكويت والإمارات والبحرين خلال الأشهر الماضية.
أما المعضلة الأكبر فتبقى في الملف اللبناني، فالاستقرار هناك ما زال معلقاً ومفتوحاً على طبيعة النوايا الإسرائيلية والميدانية، وتشير التسريبات إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب مهتم إلى أبعد حد بأن يتزامن توقيع الاتفاق مع وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، وفي المقابل، تظهر إشارات علنية من طهران تبدي حرصها على تضمين الساحة اللبنانية في هذا الإطار.
لكن في الداخل اللبناني، يرفض الكثيرون بالمطلق ربط واقعهم بالبعد الإيراني أو أن يستمر هذا الربط، فلا أحد يتقبل —بعد كل ما جرى من دمار وتجربة قاسية جراء الحرب غير المسبوقة التي شنتها إسرائيل بسبب حزب الله— أن تستمر الهيمنة أو التأثير الإيراني على القرار الداخلي، ورغم فداحة الخسائر، فإن قدرة الشعب اللبناني على استعادة الحياة وإرادة البقاء تظل هائلة، وقد بدا ذلك جلياً مع الإشارات الأولى لقرب توقيع الاتفاق، حيث بدأت على الفور تدفقات أعداد كبيرة من النازحين العائدين من أبناء الجنوب إلى قراهم، متمسكين بأرضهم وبداية مرحلة جديدة.
هل كسبت إيران من الاتفاق؟ نعم
ليس من منظور مكسب ولكن كسبت الاستقرار
هل ربحت الولايات المتحدة؟ نعم والفوائد كثيرة
هذا لا ينفي أبدا حجم الخسائر المهول





.jpg)






