ماهر مقلد يكتب: إسرائيل .. أخى جاوز الظالمون المدى
فى زياراتي السابقة لمدينة صور التاريخية والحضارية، كان هناك هاجس مشترك يسيطر على ملامح الناس وأحاديثهم اليومية -على الرغم من مظاهر الحياة- كانت التوقعات والأحاسيس لدى غالبية أبناء الجنوب اللبناني تشير بنبرة من القلق إلى أن إسرائيل تنوي شن حرب موسعة على الجنوب. كان عدد كبير من السكان الذين التقيتهم يقولون بصراحة إنهم يخشون الحرب المقبلة.
حينها، كنت أتساءل بيني وبين نفسي مستغرباً لماذا تكون هناك حرب جديدة مع إسرائيل؟ لبنان كدولة لا يشكل أي تهديد استراتيجي أو عسكري لإسرائيل، وحتى لو كانت الذريعة هي ترسانة حزب الله التي تحاول إسرائيل تضخيمها، فإن القراءة الواقعية للتوازن العسكري تؤكد أن الحزب، لم يكن في أي يوم من الأيام يمتلك القدرة العسكرية التي تحقق تكافؤاً أو توازناً حقيقياً مع الآلة الحربية الإسرائيلية الضخمة.
علاوة على ذلك، جاء هذا التوتر في وقت كانت الدولة اللبنانية قد بدأت فيه بتبني سياسة جديدة وتوجهات مسؤولة لأول مرة، تؤكد على ضرورة نزع سلاح كل التنظيمات في الداخل اللبناني بما فيها حزب الله، وأن يكون السلاح حصرياً بيد قوى الأمن والجيش اللبناني وحده. لكن إسرائيل، وبكل أسف، ضربت عرض الحائط بهذه الأجواء واستغلت حادثاً عارضاً تمثل في إطلاق حزب الله لعدد من الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، لتتخذ منه ذريعة لشن حرب شرسة وضارية لا تزال مستمرة حتى اليوم.
مشاهد تفوق العقل وهنا نستحضر الشاعر على محمود طه فى قصيدة اخى جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا
إن ما تفعله إسرائيل في لبنان اليوم يتجاوز في فظاعته وتفاصيله أي تصور عقلاني أو منطق عسكري؛ فالعالم يقف اليوم شاهداً "بأم العين" على مشهد مأساوي، حيث تُسخّر دولة كامل إمكانياتها من طيران حربي وصواريخ فتاكة لضرب المدنيين العزل دون ذنب أو جريمة.
إن الصراع بين إسرائيل وحزب الله معروف وله حدود وأبعاد، وفي الحروب التقليدية، يُفترض أن تكون الجبهات العسكرية والتحصينات هي الأهداف التي تضربها الجيوش، لكن ما تفعله إسرائيل في لبنان الآن يتجاوز كل هذه المعايير، وهو صورة طبق الأصل مما فعلته وتفعله في قطاع غزة من سياسة "الأرض المحروقة".
سياسة التدمير الممنهج ومحو الجغرافيا
إن آلة الحرب الإسرائيلية نفذت تدميراً ممنهجاً للهوية والوجود اللبناني في الجنوب، حيث أسفر هذا الجنون عن تدمير أكثر من 100 قرية في الجنوب اللبناني بالكامل،
واليوم، يمتد هذا الجنون ويتصاعد بشكل مرعب؛ حيث تتوعد إسرائيل باستهداف الضاحية الجنوبية التي تقع في قلب العاصمة بيروت،
تكمن بشاعة هذا العدوان في طبيعة المجتمع اللبناني نفسه؛ فالشعب اللبناني شعب متعدد ومتنوع، ولا يشكل فريقاً واحداً أو لوناً سياسياً أو طائفياً واحداً، وبالتالي فإن إسرائيل تعاقب الشعب اللبناني بأكمله وتضرب مدنه بلا تمييز، وهو ما يمثل جريمة حرب كبرى وعقاباً جماعياً مكتمل الأركان.
أمام هذا الواقع الكارثي، يظهر جلياً أن المقومات وأوراق القوة التي يمتلكها لبنان بمفرده في الوقت الحالي، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تساعد على دحر هذا العدوان أو إجبار الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من الجنوب. إن لبنان اليوم بحاجة ماسة ومصيرية إلى تدخل عاجل من
المجتمع الدولي والدول الكبرى: لفرض وقف فوري لإطلاق النار ولجم الآلة العسكرية.
إن ما يحدث في لبنان هو جنون حقيقي وجريمة موصوفة ضد الإنسانية، وللإسف الشديد، يكتفي العالم حتى الآن بالمتابعة والصمت.





.jpg)
_page-0001.jpg)




.jpg)
