باحث لـ”النهار”: إيران أفشلت محاولة تقديم نتنياهو كـ”مهندس الشرق الأوسط الجديد”
قال الباحث التركي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، د. بكير أتاجان، إن الحرب الأخيرة على إيران كشفت عن مفارقة استراتيجية عميقة داخل المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، موضحاً أن تل أبيب وواشنطن حققتا “مكاسب تكتيكية” خلال المواجهة، لكنهما في المقابل واجهتا تآكلاً تدريجياً في معادلة الردع التقليدية التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.
وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن الحسابات الأمريكية الإسرائيلية بعد الحرب بُنيت على تصور مبسط يفترض أن ضرب إيران سيؤدي تلقائياً إلى ردع حلفائها، وطمأنة الخليج، وتعزيز الهيمنة الأمريكية أمام الصين وروسيا، إضافة إلى إعادة تقديم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باعتباره "مهندس الشرق الأوسط الجديد".
وأشار إلى أن المشكلة الأساسية في هذه الرؤية تمثلت في افتراض واشنطن وتل أبيب أن العالم سيتصرف وفق السيناريو الذي صاغتاه مسبقاً، إلا أن الوقائع الجيوسياسية جاءت مختلفة، خصوصاً مع الموقفين الصيني والروسي.
وأضاف أن بكين لم تتعامل مع الأزمة الإيرانية باعتبارها حرباً ينبغي الانخراط فيها لصالح المشروع الأمريكي، بل تمسكت بنهجها القائم على “الاستقرار المنضبط” وحماية أمن الطاقة وشبكات العلاقات الاقتصادية المتوازنة، فيما ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال حضوره في بكين، لاعباً لا يزال جزءاً من معادلة القوى الدولية رغم محاولات عزله غربياً.
ورأى الباحث التركي أن الرواية التي حاول نتنياهو تسويقها بعد الحرب بدأت بالتصدع سريعاً، لأن إسرائيل قدمت المواجهة مع إيران بوصفها لحظة تاريخية ستعيد تشكيل النظام الإقليمي وتعيد ترميم الردع الإسرائيلي بصورة دائمة، إلا أن المنطقة – بحسب تعبيره – “لم تتموضع كما أرادت تل أبيب”.
وأكد أتاجان أن مضيق هرمز تحول خلال الحرب إلى مركز الثقل الحقيقي للأزمة، بعدما أصبح التلويح بتهديد الملاحة فيه قادراً على زعزعة أسواق النفط العالمية وسلاسل الشحن والتأمين وحسابات التضخم الدولية، معتبراً أن الحرب نقلت الأزمة من إطارها الإيراني إلى مستوى كشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.
وأوضح أن واشنطن، التي استخدمت لسنوات مفهوم الشرعية الدولية بصورة انتقائية، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى الدبلوماسية والوساطة وحتى الاستعانة بالتأثير الصيني لمنع انفجار شامل للأزمة، معتبراً أن الحرب كشفت أحد أخطر الأصول الجيوسياسية الإيرانية والمتمثل في القدرة على تهديد شريان الطاقة العالمي.
وفي الجانب العسكري، أشار الباحث إلى أن حزب الله دخل المواجهة بأدوات منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية، مثل الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية والمقاومة للتشويش الإلكتروني، ما أدى إلى اختبار حقيقي لمنظومات التفوق العسكري الإسرائيلي القائمة على الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية.
وأضاف أن واشنطن وتل أبيب تعاملتا مع النفوذ الإيراني باعتباره بنية مركزية يمكن إسقاطها بضربة مباشرة، بينما كشف الواقع أن هذا النفوذ يعمل بمنطق “الشبكات المرنة” لا بمنطق الدولة التقليدية، إذ بقي قادراً على إعادة التشكل وفتح جبهات متعددة في لبنان والعراق واليمن والبحر الأحمر.
وأشار إلى أن الضربات العسكرية استطاعت تدمير بنى مادية، لكنها لم تتمكن من إنهاء الفكرة أو تعطيل الشبكات المرتبطة بالمحور الإيراني، بل دفعت نحو تطوير أدوات أكثر مرونة وأقل تكلفة وأكثر قدرة على تجاوز التفوق العسكري التقليدي.
وفي ما يتعلق بالخليج، رأى أتاجان أن محاولات نتنياهو إظهار تقارب سياسي مع بعض العواصم الخليجية لم تعزز مسار التطبيع كما كان متوقعاً، بل وضعت تلك الدول في موقف أكثر حساسية أمام الرأي العام الداخلي، موضحاً أن دول الخليج تدرك أن الجغرافيا أكثر ثباتاً من التحالفات السياسية، وأنها ستبقى في جوار دائم مع إيران مهما تغيرت التحالفات الإقليمية.
كما اعتبر أن شخصيات إسرائيلية متطرفة مثل إيتمار بن غفير ساهمت في تعميق أزمة الصورة الدولية لإسرائيل، خاصة مع تصاعد مشاهد المجازر والدمار في قطاع غزة، وهو ما أضعف – بحسب وصفه – السردية الإسرائيلية المتعلقة بـ“الدولة الديمقراطية الأمنية” أمام الرأي العام العالمي.
وقال الباحث التركي إن المشهد الإقليمي الذي أفرزته الحرب بات شديد التعقيد؛ إذ أحرج نتنياهو حلفاءه الخليجيين، وأضعف بن غفير صورة إسرائيل دولياً، فيما اختبر حزب الله حدود التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، بينما رفضت الصين الانخراط الكامل في الاستراتيجية الأمريكية، واستمرت روسيا لاعباً حاضراً رغم الضغوط الغربية، في حين اكتشفت إيران أن الجغرافيا قد تكون أحياناً أثقل تأثيراً من القوة العسكرية المباشرة.
وأكد أتاجان أن السؤال المركزي بعد الحرب لم يعد يتعلق بقدرة إسرائيل على إلحاق ضرر عسكري بإيران، بل بمدى قدرة القوة العسكرية وحدها على إنتاج نظام إقليمي مستقر، معتبراً أن الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية الإسرائيلية نفسها.
وختم الباحث التركي تحليله بالقول إن تل أبيب أثبتت قدرتها على التدمير، لكنها أثبتت أيضاً أن التدمير لا يصنع بالضرورة نظاماً سياسياً مستقراً، فيما بدأت واشنطن تدرك أن الشرق الأوسط لم يعد يُدار فقط بمنطق التفوق العسكري، بل بمنطق التعقيد الشبكي وتعدد مراكز التأثير الإقليمي والدولي.
وأضاف أن الحرب التي صُممت لترسيخ الردع الإسرائيلي انتهت – بصورة مفارِقة – إلى إعادة تعريف مفهوم الردع نفسه، حيث لم يعد قائماً على احتكار القوة، بل على القدرة على شلّ الأنظمة الحيوية بأدوات منخفضة الكلفة وعالية المرونة، معتبراً أن التاريخ قد يتذكر هذه الحرب باعتبارها لحظة بداية تآكل القواعد التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، وليس بوصفها مجرد محطة لهزيمة إيران.

















.jpg)
_page-0001.jpg)




.jpg)
