النهار
الأربعاء 29 أبريل 2026 02:05 مـ 12 ذو القعدة 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

عربي ودولي

أسعد العويوي لـ:النهار”: الانتخابات الفلسطينية تحولت إلى مساحة لإدارة التوازنات العائلية

الانتخابات الفلسطينية - أرشيفية
الانتخابات الفلسطينية - أرشيفية

قال الأكاديمي الفلسطيني والباحث السياسي الدكتور أسعد العويوي إن الانتخابات البلدية تشهد تحوّلًا تدريجيًا عن وظيفتها السياسية الأساسية، لتصبح في كثير من الحالات أداة لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية التقليدية، بدلًا من كونها ساحة للتنافس على البرامج والرؤى التنموية.

وأوضح العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، أن هذه الانتخابات، التي يفترض أن تعكس تنافسًا ديمقراطيًا قائمًا على الكفاءة والخطط، باتت تتحول إلى مساحة لإدارة التوازنات العائلية، وفي بعض الحالات إلى ساحة مفتوحة لتكريس النفوذ الاجتماعي والعصبيات، بما يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها السياسي الحقيقي.

أزمة العمل الحزبي

وأشار العويوي إلى أن غياب الأحزاب السياسية عن المشهد لا يقتصر على تراجع حضورها فقط، بل يمتد إلى طبيعة هذا الغياب، حيث تبدو الأحزاب إما منهكة تنظيميًا، أو بعيدة عن قواعدها الاجتماعية، أو فاقدة لثقة الجمهور.

وبيّن أن هذا التراجع لا يمكن اعتباره ظرفًا عابرًا، بل يعكس أزمة بنيوية عميقة في بنية العمل الحزبي، إذ لم تعد هذه الأحزاب قادرة على لعب دورها كأداة لتنظيم المصالح العامة أو تقديم بدائل سياسية حقيقية، ما يضعف قدرتها على التأثير في الحياة المحلية.

قيود الاحتلال والانقسام

ولفت إلى أن السياق الفلسطيني يضاعف من حدة هذه الأزمة، في ظل واقع الاحتلال الإسرائيلي والانقسام السياسي والجغرافي، حيث تفرض القيود الميدانية تحديات كبيرة على الحركة والتنظيم والحملات الانتخابية.

وأضاف أن هذه الظروف لا تؤثر فقط على مجريات العملية الانتخابية، بل تنعكس أيضًا على بنية الفعل السياسي، إذ تُضعف الثقة بالمسار الديمقراطي وتحدّ من قدرة الأحزاب على العمل الطبيعي، خاصة في مناطق حساسة مثل القدس التي تخضع لقيود إضافية ومعقدة.

صعود العشيرة سياسيًا

وأكد العويوي أن الفراغ الذي تتركه الأحزاب، في ظل هذا الواقع المقيد، تملؤه العائلة والعشيرة باعتبارهما الأكثر قدرة على الحشد والتنظيم، إلا أن هذا الصعود لا يمثل تطورًا سياسيًا، بل عودة إلى أنماط ما قبل الدولة المؤسسية.

وأوضح أن الاختيار الانتخابي في هذا السياق لا يستند إلى البرامج أو الكفاءة، بل إلى اعتبارات الانتماء والقرابة، ما يحول الانتخابات إلى عملية لإعادة توزيع النفوذ الاجتماعي، بدلًا من كونها ممارسة ديمقراطية قائمة على التمثيل الحقيقي.

تآكل مفهوم المواطنة

وأشار إلى أن هذا النمط يعيد إنتاج نفس البنية الاجتماعية التي يُفترض أن تتجاوزها العملية الديمقراطية، حيث يتم تكريس تمايز غير معلن بين العائلات الأقوى والأضعف، وبين الشبكات الأكثر نفوذًا وتلك الأقل حضورًا.

وبيّن أن المجالس البلدية، في هذه الحالة، تتحول إلى امتداد للتوازنات التقليدية، بدلًا من أن تكون مؤسسات قائمة على الكفاءة والمساءلة، ما يضعف مفهوم المواطنة المتساوية ويقوّض أسس الإدارة الحديثة.

إضعاف العملية الديمقراطية

وأضاف العويوي أن اختزال التنافس الانتخابي في الإطار العائلي، في ظل الغياب السياسي والضغوط الميدانية، يؤدي إلى إضعاف جوهر العملية الديمقراطية، لتتحول إلى طقس اجتماعي أكثر منها فعلًا سياسيًا.

وأوضح أن غياب البرامج يعني غياب المحاسبة، فيما يؤدي حضور العصبية إلى تراجع مفهوم المسؤولية العامة، ليحل محله تمثيل رمزي للعائلات والعشائر، بعيدًا عن معايير الأداء والكفاءة.

أزمة ثقافة سياسية

واعتبر أن هذا الواقع لا يعكس فقط ضعف الأحزاب، بل يكشف عن أزمة أعمق في الثقافة السياسية، حيث لم تنجح عملية التحول الديمقراطي المحلي، تحت ضغط الاحتلال والانقسام، في ترسيخ قواعد المشاركة القائمة على الفكر والبرامج.

وأضاف أن هذه الظروف أعادت إنتاج أنماط تقليدية من التنظيم الاجتماعي، قد تكون أكثر قدرة على التكيف مع الواقع، لكنها أقل قدرة على تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.

مأزق المسار الانتخابي

وشدد العويوي على أن استمرار هذا المسار، في ظل تراجع العمل السياسي وتقييد المجال العام، سيبقي الانتخابات البلدية في دائرة مغلقة بين غياب السياسة وصعود العصبية.

وأكد أن كسر هذه الحلقة يتطلب إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، وبناء وعي انتخابي يربط بين التمثيل والكفاءة، إلى جانب توفير بيئة سياسية تضمن الحد الأدنى من الحرية والمشاركة المتكافئة، بما يعيد للعملية الانتخابية معناها الديمقراطي الحقيقي.

موضوعات متعلقة