التصعيد الأمريكي الإيراني: بين الرواية الرسمية والواقع الاستخباراتي المعقد
تشير التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الولايات المتحدة تمكنت من توجيه ضربات قاسية لإيران، حيث أكد في خطاب متلفز أن القدرات الإيرانية في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة تراجعت بشكل كبير، مدعياً أن منشآت التصنيع ومنصات الإطلاق تعرضت لتدمير شبه كامل، ولم يتبقي سوى قدرات محدودة. كما أعلن عن إطار زمني لإنهاء العمليات العسكرية يتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، في محاولة لإظهار تقدم سريع وحاسم في مجريات الحرب.
في السياق ذاته، صرح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة انخفضت بنسبة تصل إلى 90% منذ بداية النزاع، مؤكداً خلال مؤتمر صحفي أن القوات الأمريكية ستواصل اعتراض أي صواريخ يتم إطلاقها، وأن الساعات الأخيرة شهدت أدنى معدل للهجمات منذ اندلاع المواجهات. كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ أكثر من 12,300 ضربة جوية داخل الأراضي الإيرانية حتى الأربعاء الماضي.
وفقاً لمصادر استخباراتية، أسفرت هذه الضربات عن مقتل قيادات بارزة، من بينهم علي خامنئي وعلي لاريجاني. ومع ذلك، يبرز التقرير وجود فجوة واضحة بين عدد الصواريخ التي أطلقتها إيران وتلك التي تم تدميرها داخل مخازنها، حيث ركز البنتاغون على انخفاض وتيرة الهجمات دون التأكيد على القضاء الكامل على الترسانة الصاروخية الإيرانية.
الواقع الاستخباراتي: قدرات إيرانية مستمرة وتناقض الروايات
على صعيد آخر، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها دمرت و ألحقت أضراراً بأكثر من 155 سفينة إيرانية تابعة للنظام. إلا أن تقارير نقلتها CNN عن مصادر استخباراتية حديثة تشير إلى أن نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية لا تزال سليمة. كما أكدت هذه المصادر أن إيران ما زالت تمتلك آلاف الطائرات المسيرة الهجومية، وهو ما يعادل حوالي 50% من قدراتها الأصلية في هذا المجال، إضافة إلى بقاء جزء كبير من صواريخ كروز الدفاعية الساحلية جاهزاً للاستخدام.
وتعكس هذه التقديرات صورة مقلقة، حيث أشار أحد المصادر إلى أن طهران لا تزال قادرة على إحداث دمار واسع وفوضى كبيرة في المنطقة اعتماداً على ما تبقى من قدراتها العسكرية. كما كشفت التقييمات عن وجود منصات إطلاق مدفونة تحت الأنقاض نتيجة القصف الأمريكي والإسرائيلي، إلا أنها لم تُدمر بالكامل، بل أصبح الوصول إليها فقط أكثر صعوبة بشكل مؤقت.
هذا التباين في المعطيات يسلط الضوء على تناقض واضح بين الرواية الرسمية الأمريكية والتقارير الاستخباراتية، حيث تؤكد شبكة CNN أن الواقع أكثر تعقيداً مما يتم الإعلان عنه. وفي هذا الإطار، يرى محللون أن التصريحات السياسية تميل إلى تضخيم حجم الإنجاز العسكري، في حين تعكس التقارير الميدانية استمرار التهديد الإيراني بشكل ملموس.
وفيما يتعلق بالقدرات البحرية، ورغم إعلان دونالد ترامب عن تدمير البحرية الإيرانية بالكامل، تشير التقارير إلى أن نحو 50% من هذه القدرات لا تزال قائمة، خصوصاً لدى الحرس الثوري، الذي يحتفظ بمئات وربما آلاف الزوارق الصغيرة والسفن السطحية والطائرات المسيرة البحرية الجاهزة للقتال.
وتؤكد الباحثة أنيكا غانزفيلد أن إيران لا تزال تمتلك قدرات مؤثرة، مشيرة إلى نجاحها في استهداف حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة. كما أوضحت أن البحرية التابعة للحرس الثوري تمثل المصدر الرئيسي للتهديد في هذا المضيق الحيوي، وأن هناك العديد من الأهداف التي لم يتم تحييدها بعد. في المقابل، اعترفت واشنطن في نقاشاتها الداخلية بعدم قدرتها على ضمان إعادة فتح المضيق بشكل كامل أمام الملاحة قبل انتهاء الحرب.
ويرجع الخبراء جزءاً كبيراً من صمود القدرات الإيرانية إلى اعتمادها على بنية تحتية عسكرية تحت الأرض، حيث طورت طهران على مدار عقود شبكة معقدة من الأنفاق والكهوف لتخزين منصات الإطلاق وحمايتها من الاستهداف. كما تبنت تكتيك "اضرب واهرب" باستخدام منصات متحركة، ما صعب عملية تعقبها وتدميرها، وهو التحدي ذاته الذي واجهته الولايات المتحدة سابقاً في صراعات أخرى.
ردود البيت الأبيض والبنتاغون على التقارير الإعلامي
في المقابل، نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي صحة التقارير التي تقلل من حجم الإنجازات العسكرية، ووصفتها بأنها محاولات لتقويض الإدارة الأمريكية. وأكدت أن العملية العسكرية، التي أُطلق عليها "الغضب الملحمي"، حققت أهدافها، مشيرة إلى تدمير ثلثي منشآت الإنتاج الإيرانية، وتحقيق سيطرة جوية كاملة بالتعاون مع إسرائيل. كما حذرت من أن النظام الإيراني يواجه وضعاً متدهوراً، وأنه أمام خيارين: إما التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة أو مواجهة ضربات أشد.
بدوره، وصف المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل تقرير CNN بأنه "خاطئ تماماً"، مؤكداً أن الجيش الأمريكي يسبق الجدول الزمني في تحقيق أهدافه، والتي تشمل تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية، وقوتها البحرية، والقضاء على وكلائها، ومنعها من امتلاك سلاح نووي. ومع ذلك، لا تزال القوات الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة، بما في ذلك دول الخليج وإسرائيل، يتعرضون لهجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
التحديات العسكرية الأمريكية ومستقبل الصراع
وفي ظل هذه المعطيات، أشارت صحيفة بوليتيكو إلى أن تدمير ما تبقى من الصواريخ الباليستية الإيرانية يمثل تحدياً كبيراً، نظراً لوجودها في مواقع شديدة التحصين. كما يواجه البنتاغون مشكلة متزايدة تتمثل في تناقص الأهداف ذات القيمة الاستراتيجية داخل إيران، حيث أكد مسؤولون أن عدد المنشآت التي يمكن استهدافها دون اللجوء إلى غزو بري أصبح محدوداً للغاية.
وتشير التقديرات إلى أن الضربات الجوية الأمريكية بدأت تفقد فعاليتها تدريجياً، في ظل صعوبة الوصول إلى المخازن المحصنة تحت الأرض. ويرى بعض المسؤولين أن استمرار هذا الوضع قد يمنح إيران نفوذاً أكبر، ويشجعها على رفض الدخول في مفاوضات بشأن برنامجها النووي أو أمن المنطقة، ما يعقد المشهد ويطيل أمد الصراع.
رغم التأكيدات الأمريكية على تحقيق تقدم كبير في إضعاف القدرات الإيرانية، تكشف التقارير الاستخباراتية عن واقع أكثر تعقيداً، حيث لا تزال إيران تحتفظ بجزء كبير من قوتها العسكرية، خاصة في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات البحرية. ويبدو أن الحسم العسكري السريع، الذي تتحدث عنه الإدارة الأمريكية، يواجه تحديات ميدانية حقيقية، ما يجعل مستقبل الصراع مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين التصعيد المستمر أو الدخول في مسار تفاوضي طويل ومعقد.





















.jpg)

