اللواء محمد الغباري: إيران ليست العدو الحقيقي.. وأسباب الصراع أكبر من المعلن
اللواء محمد الغباري يكشف ل”النهار” خفايا الصراع الأمريكي–الإيراني وحرب الاستنزاف التي تُعيد تشكيل الشرق الأوسط
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية في الشرق الأوسط، تتجدد الأسئلة حول حقيقة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وما إذا كان هذا العداء يعكس مواجهة مباشرة أم أنه جزء من ترتيبات أعمق تحكمها حسابات النفوذ والطاقة وصراع القوى الكبرى. وبين ما هو معلن وما يدور خلف الكواليس، تتداخل الأبعاد التاريخية مع الاستراتيجيات الحديثة، لتكشف عن مشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح، خاصة مع تصاعد دور الصين كقوة منافسة، واستمرار حالة الاستنزاف غير المباشر بين الأطراف المتصارعة.
وفي هذا الحوار الخاص ل "النهار"، يتحدث الخبير الاستراتيجي اللواء محمد الغباري عن الجذور الحقيقية للعلاقة بين أمريكا وإيران، كاشفًا ما يصفه بوظيفة هذا الصراع في خدمة الوجود الأمريكي بالمنطقة، ودور النفط والطاقة في إدارة التوازنات الدولية، خاصة في ظل الصعود الصيني، كما يتطرق إلى كواليس المفاوضات غير المعلنة بين واشنطن وطهران وأسباب تعثرها، إلى جانب تحليله لأسباب استمرار النفوذ الأمريكي في الخليج، ورؤيته لأهداف المشروع الإسرائيلي وتوجهاته التوسعية في المرحلة المقبلة.
وفيما يلي نص الحوار:
ما هي جذور العلاقة المعقدة بين أمريكا وإيران، وكيف تتداخل العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية في هذا السياق؟
كل التحليلات التي تُحلل الآن كلها تُحلل من على السطح. لكن عندما نأتي لنتحدث في حقيقة هذا الموضوع، فلا بد أن نصل إلى الجذور أولًا. ما هي أسباب الحرب بين أمريكا وإيران؟ ما سبب هذا العداء الموجود؟
في البداية أنا شخصيًا من الناس الذين لم يؤيدوا أن هناك عداءً بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، لوجود ارتباطًا عقائديًا في العهد القديم بين إيران وبين اليهود هذه العلاقة تعود إلى زمن كورش الفارسي، الملك الذي سمح لهم بالعودة إلي أرض كنعان مرة أخري لبناء دولتهم.
هؤلاء اليهود الذين عادوا يُعرفون بـ سبط يهوذا، وكان عددهم حوالي خمسين ألف شخص. هؤلاء الذين عادوا بدأوا حلم إقامة دولتهم من جديد، بعد أن انتهت الدولة اليهودية السابقة بالكامل بسبب الاحتلال البابلي. ومن هنا، بدأ يظهر ارتباط تاريخي وديني بين اليهود وإيران، إذ أن العلاقة بين الشعبين تعود إلى هذه الفترة التاريخية القديمة، قبل أن تتشكل السياسة الحديثة بين الدول.
وعندما نعود للسطح مرة أخري لنسأل ماذا عن أمريكا مع إيران؟ فنجد أن أمريكا تستخدم إيران كدولة وظيفية كعدو للعرب لكي تتمكن من التواجد بقواعدها الأمريكية الموجودة. ومن هنا كانت حرب الخليج خدعة، حرب الخليج الثانية، وهي احتلال العراق للكويت، ثم تحرير الكويت من العراق، كانت خدعة لكي تتواجد القوات الأمريكية في المنطقة وتكون هي الحامية للعرب.
وعندما انتهي صدام سنة 2003، كانوا قد زرعوا الفتنة بين الشيعة والسنة لكي يقلبوا العدو الحقيقي للعرب ليصبح إيران، وتستمر القوات الأمريكية في التواجد. ولكن السبب الحقيقي لوجود القوات الأمريكية في المنطقة شيئان: السيطرة على منابع البترول، هذا أمر عادي، والحرب القادمة التي هي بخصوص الصين و إيران.
و لكي أُثبت هذا الكلام في الوقت الحالي، سنعود إلى خطاب الاتحاد الخاص بترامب أمام الكونغرس ومجلس الشيوخ، الذي يعيده كل عام. هذا الخطاب عندما حدد فيه التهديدات لأمريكا، ذكر فيها الصين وروسيا ولم يذكر فيها إيران. إذًا هنا العدو الرئيسي لديه هو الصين.
لماذا سيعادي الصين؟
لأن الصين اليوم أصبحت أكبر منتج صناعي في العالم بعد أمريكا. أمريكا نسبتها 27% من الإنتاج العالمي، والصين 23%، وأظن أن الصين خلال الخمس سنوات الماضية ارتفعت من حوالي 10% حتى وصلت إلى 23%. فاليوم أمريكا لا تريدها أن تصل إلى 27% لتصبح مثلها، وهنا يجب أن تكون الحرب موجودة.
وهنا سنسأل كيف سيحد من الصين ؟ وسأوضح أنه لن يذهب ليحاربها الآن ويخسر معارك وما إلى ذلك، فالناس تنظر إلى الحرب على أنها آخر شيء. بل سيدخل ويلعب على محور الاقتصاد، أي الطاقة، والصين تستورد طاقتها كلها من الخارج، تأخذ 1.5 مليون من فنزويلا و1.3 مليون برميل في اليوم من إيران، وبذلك تمثل إيران في إنتاجها 20% من صناعة الصين على هذه النسبة.
و إذا وقفت هذه المصادر سينخفض إنتاجها بنسبة 20%، وبالتالي لن تستطيع أن تصل إلى أن تكون شريكًا في الإنتاج العالمي وتصبح على قدم المساواة مع أمريكا في العالم كله، وهذا يدخل ترامب في حسابات اقتصادية تكون هي الأقوى بعد ذلك.
فهو انتهى من فنزويلا وأخذ بترولها، إذًا يتبقى بترول إيران. لكنه لن يستطيع أن ينهي إيران مثل فنزويلا، فماذا يفعل؟ يضغط علي إيران علي جميع المستويات
ما العوامل التي تعرقل سير المفاوضات السرية بين أمريكا وإيران؟
كنت أشارك في مباحثات سرية، مباحثات غير مباشرة من قبل، فنرى ما الذي يُطرح في المباحثات غير المباشرة. هذه المباحثات عندما تكون متوقفة، يكون لها نظام ولها حديث، ويجب أن ننظر كيف تتم المباحثات
عندما نأتي لننظر إلى المفاوضات، فإن أي مفاوضات في أزمة من الأزمات يمكن أن تسير بسلاسة ويمكن أن تتوقف. عندما تتوقف، تكون بحاجة إلى شيء يُحركها، فيكون فيها شيء من الضغوط، قد تكون اقتصادية، قد تكون اجتماعية، وقد تكون ضغوطًا عسكرية في النهاية.
فالمفاوضات مع إيران و أمريكا كانت حول العديد من النقاط أولها النووي، لكن النووي، هم يعرفون أنهم دمروه وأنه انتهى، وحتى أمس خرج ترامب وقال: نحن أنهينا التهديد النووي الإيراني.إذاً أنتم تعرفون أنه انتهى،ولذلك في المفاوضات ليس هو الأساس.
ثانيها تدمير صناعة الصواريخ الباليستية.. لكن أي أحد يستطيع أن يصنعها، وما تم ضربه اليوم سيُصنع غدًا، ويمكن شراؤه، ما دامت دولة غنية يمكنها أن تشتريه من السوق، كما تشتري الآن من الصين وروسيا. إذاً ما المشكلة اليوم؟.
أنا من وجهة نظري، وبخبرتي في المباحثات غير المباشرة، أقول إن هناك أمرًا سريًا في هذه المباحثات. المفاوضات السرية التي قيلت ولم يُعلن عنها غالبًا ستكون أن تُخفض إيران إنتاجها من البترول، وأن تُخفض تصديرها للصين. وهنا إيران لا ترضى ولا تستطيع، لماذا؟ لأنها تأخذ سلاحها الآن الحديث من الصين، سواء الدفاع الجوي أو الصواريخ. إذًا اليوم هي لا تستطيع أن تقول للصين لا، ولذلك تتوقف المفاوضات.
إذا كيف ستتم المفاوضات؟
سيصل الصراع إلى النقطة التي يقول فيها أحد الأطراف "كفى"، أي عندما تنفد قدراته على الاستمرار، سواء بنفاد صواريخه، أو عدم قدرته على التعويض، أو تضاعف خسائره، أو انعكاس الضغط عليه داخليًا، كما يحدث مع إسرائيل.
اليوم تبدو إسرائيل صامتة، ولا تصدر التصريحات كما كانت تفعل سابقًا، وتعمل بهدوء، وقد تراجعت قدراتها نتيجة التأثير الكبير للخسائر. كما فرضت قيودًا إعلامية صارمة على تغطية الأحداث، فلا يُسمح للمراسلين بالوصول إلى مواقع الاستهداف، بل يُرصدون من أعلى المباني والفنادق.
لذلك، لا يعرف أحد حجم الخسائر الحقيقي لدى إسرائيل، لكن من خلال متابعة حجم المشاركة في العمليات العسكرية ونوع الذخائر المستخدمة، يمكن تقدير مدى تأثرها. وهكذا يقترب الصراع من نهايته، وتبدأ المفاوضات.
كما أن الولايات المتحدة واجهت مشكلة بسبب الآثار السلبية للحرب، إذ أصبح تأثير الحرب عالميًا، لا يقتصر على المنطقة فقط، بل شمل اضطراب التجارة العالمية، وخلل نظم الطاقة، ما أثر على دول وشركات عدة، خاصة الأمريكية منها.
فعندما تضرب إيران شركات البترول في العراق، يتوقف الإنتاج، ويحتاج سنوات عديدة لإعادة التشغيل مرة أخري. كما يتأثر الإنتاج العالمي نتيجة أُغلاق مضيق هرمز. كذلك، توقف معامل التكرير يحتاج شهورًا طويلة لاستعادة كفاءتها. هذه التداعيات تُشكّل ضغطًا كبيرًا على الولايات المتحدة، وتجبرها على الانخراط في المفاوضات، حتى لو كانت بشكل غير مباشر.
هل هذه الحرب الموجودة حرب تقليدية أم حرب غير تقليدية؟ ماذا تسميها؟
أنا من الناس الذين قالوا عن هذه الحرب، منذ المرة الماضية، منذ حرب الاثني عشر يومًا في السنة الماضية، إن اسمها "حرب استنزاف". الكثير تفاجأ من المصطلح، لأن تفكيرهم أن حرب الاستنزاف تكون قوات متشابكة على جبهات مستمرة، مثل حرب الاستنزاف قبل 73.
فقلت لا، عندما نحتاج إلى تفعيل المباحثات نضغط، وكل طرف يضغط بما يملكه، وإذا لم يقبل الطرف الآخر هذا الضغط، يزيد الضغط، وهكذا.
فحرب الاستنزاف تختلف عن الحرب التقليدية، لأن أهداف الضغط تكون مُعلنة. مثلًا كأن شخصين يتشاجران مع بعض، شخص يقول لآخر: انتبه، إذا ضربتك سأُسقطك أرضًا، فيرد عليه الآخر: مد يدك وسأكسرها. هنا كل طرف حدد هدفه؛ الأول يريد ضربه، والثاني يريد كسر يده.
إذا لم يقبل أحدهما، يبدأ التنفيذ، فتتطور الأمور: قد تكون دفعة، ثم عصا، ثم أداة أخرى. المفاوضات تسير على هذا النحو. في البداية قال له: سأدمر نظامك السياسي، وسأدمر ما تبقى من برنامجك النووي، وسأدمر صناعة الصواريخ الباليستية.
الطرف الآخر رد بما يستطيع؛ لأن أمريكا بعيدة عنه، فكيف يرد؟ يرد عبر أطرافه. ما هذه الأطراف؟ يضغط في أمن إسرائيل، ويضغط في أمن الخليج، يُغلق مضيق هرمز، ليعزلك عن أوروبا، حليفك الرئيسي، لأنه الأكثر تأثرًا بمضيق هرمز، وقد يغلق مضيق باب المندب . إذًا كل طرف حدد أهدافه منذ البداية وبدأ التصعيد عليها، ولذلك أُسميها حرب استنزاف وليست حربًا تقليدية.
لماذا يظل الخليج تحت النفوذ الأمريكي رغم الدعوات العربية لقوة مشتركة مستقلة؟
فيما يخص الخليج، فالولايات المتحدة وإيران كانا دائمًا يرفضان أي حماية عربية مستقلة. منذ أيام عبد الناصر وحسني مبارك والسادات، كانت هناك دعوات لتشكيل قوة عربية مشتركة لحماية الدول العربية من الغزوات والتهديدات الأمنية، لكن هذه المبادرة لم تُقبل من قبل إيران وأمريكا، وحتى بعض الدول العربية التزمت بالرفض الأمريكي، وقبلت بوجود القواعد الأمريكية على أراضيها.
اليوم، زاد العداء بين الخليج وإيران،نتيجة التصعيد الأمريكي الذي كان هدفه ضمان استمرار القوات الأمريكية في المنطقة. ومن ثم، لا يمكن للخليج أن يطالب أمريكا بسحب قواعدها بسهولة، فهناك شعور بالخوف من التهديدات العسكرية الإيرانية، حيث يدرك الخليجيون قوة الجيش الإيراني والحرس الثوري، بتعداد أكتر من مليون ونص ويخشون التدخل المباشر، لذلك سيظل الخليج تحت النفوذ الأمريكي، وينفذ ما تطلبه واشنطن.
إسرائيل بين العقيدة والجيش: ما هو الهدف الحقيقي للمشروع الصهيوني في التوسع والسيطرة، ولماذا يسعى لتعزيز الجيش والكتلة السكانية اليهودية؟
بالنسبة لإسرائيل، فهي تعتمد على العلم والتخطيط الدقيق، مثل أي دولة تتجه للحرب. عندما تدخل إسرائيل في حرب ضد حزب الله أو المقاومة الفلسطينية، لا توجد قوة دولة شاملة تُمثل حزب الله أو لبنان أو حماس بالكامل. أما إيران، فتمتلك قوة شاملة، لكن هذه القوى لا تواجه بعضها مباشرة على الأرض، ولا توجد حدود واضحة بينهما، وبالتالي لن تُستخدم القوات البرية بشكل مباشر. لهذا السبب، تبدو إسرائيل آمنة نسبيًا، لأنها تضرب أهدافها من بعيد.
وعند النظر إلى المشروع الصهيوني لإقامة الدولة، يتضح أن هذا المشروع دائمًا يقوم على الأسس العقائدية، فالحرب ليست على السياسة بل على العقيدة. ولا يزال المصريون، بما فيهم المثقفون، مخدوعين؛ فهم يسمعون كثيرًا من الإعلام الرسمي ومن بعض السياسيين أن إسرائيل تسعى لإقامة دولتها من النيل إلى الفرات. وهذا فهم خاطئ، لأن امتداد الدولة من النيل إلى الفرات يتعلق بالسياسة كما قال هرتزل، أما نحن فنحارب على أساس العقيدة، وهم كذلك يحاربون على أساس العقيدة.
وظهر بوضوح التوجه العقائدي لهم عندما دخل الإسرائيليون في مباحثات السلام معنا . وقتها وضحت ذلك في عام 2003، حين قلت إن إسرائيل تسعى لإقامة دولتهم من العريش إلى الفرات. فالخرائط الخاصة بهم موجودة، وهي تؤكد أن هدفهم الأساسي قائم على عقيدة دينية. فحسب تفسيرهم لسفر التكوين، الإصحاح التاسع، يُقال إن الله سبحانه وتعالى منح سيدنا إبراهيم عندما كان واقفا في بئر سبع بعد ما خرج من مصر، منحه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير،وهو نهر الفرات، ليصبح لأبنائه وذريته.

ولكن عندما ننظر إلي الجانب الجغرافي، فالنهر المشار إليه أكبر من نهر النيل، وهو ما يجعل كثيرين يشككون في تحديده. فيذهب الإسرائيليون إلى أن هذا النهر الخاص بمصر ليس النيل، ولكن النهر المقصود هو نهر العريش، والخرائط لديهم تشير إلى العريش كموقع استراتيجي للتوسع.
وخلال مباحثات السلام، كانوا مصرين على جعل حدود دولتهم عند العريش، كجزء من المرحلة الثالثة لتوسعهم، على غرار مرحلة سيدنا داوود، حيث استندوا إلى قوانين داوود التي منحته الوصول إلى العريش. وعندما رفضنا ذلك، وأوقف الرئيس السادات المباحثات، أُجبروا على التراجع وقبول الحدود الدولية لعام 1906. رغم ذلك، لم يتوقفوا عن محاولاتهم، حيث قدموا مشروع تبادل أراضي في عام 1983، ثم أعادوا عرضه في 1994، ومرة أخرى في 2003، والذي رفضناه جميعًا. لاحقًا، في 2011، تم زرع الإرهاب في سيناء، عند العريش ورفح. وفي العصر الحديث، يعمل الإرهاب كحرب بالوكالة، حيث يُزرع لإحداث انقسام بين الجيوش أو لإضعاف نمو الدولة، كما حدث في العراق وسوريا واليمن، بهدف منع نمو الدولة.
في سيناء، المنطقة المستهدفة كانت خالية من الجيوش أو الاقتصاد القوي، مما يجعل هدفهم سياسيًا بالأساس؛ أي إنشاء إمارة إسلامية صغيرة متوافقة مع مصالحهم، وكان للإخوان دور في دعم هذا المخطط. العريش بالنسبة لهم هي نقطة الأساس في هذا المشروع.
ومن الناحية الأخري، الأمم المتحدة أعطت إسرائيل عام 1947 أراضيً تختلف عن أراضيها التاريخية؛ فقد منحتها الشاطئ والنقب، بينما أراضي الدولة التاريخية التي يشير إليها الإسرائيليون كانت يهوذا والسامرة والقدس. وإذا سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية، التي تشملهم فإنها ستؤسس دولتهم على هذه الأراضي التاريخية.
من هذا المنطلق، فإن إقامة الدولة الإسرائيلية الممتدة حتى الفرات لا يمكن أن تتحقق من دون السيطرة على الضفة الغربية. وهذا ما يفسر الهجوم في 7 أكتوبر؛ فقد توقعت أن التهجير لن يكون من غزة، لأن غزة ليست جزءًا من خارطة الملك داوود التاريخية، وقد انسحب منها شارون في 2005 من طرف واحد. ولكن هدفهم الأساسي هو السيطرة على الضفة الغربية، حيث تهجر منها حتى الآن نحو 40 ألف فلسطيني، وهدمت أربع مخيمات فلسطينية قديمة، وأقيمت مستعمرات إسرائيلية على الأرض، ليصبح الاحتلال الإسرائيلي مسيطرًا على نحو 78% من أراضي الضفة الغربية.
أما غزة، فلم يُهجر منها أحد إلا من يحمل جنسية أخرى ويخرج برغبته. لذلك، الضفة الغربية هي المحور الأساسي في مخططهم، وهي هدف المرحلة القادمة.
أما سوريا، فقد تم تهميشها بعد أن فقدت السيطرة على جيشها القوي، وأصبح التفاوض معها أسهل،خاصة ان الشرع يوافق علي أي شئ و خاصة بعد اتفاقهم مع الأكراد، مما يسهل السيطرة على شرق وغرب سوريا، حيث يشكل الشرق صحراء وقبائل يمكن التعامل معها وفق مصالحهم.
هناك أيضًا رمزية دينية واستراتيجية، كما ورد في إذاعة الجيش الإسرائيلي من محاضرة سموتريتش للقوات الإسرائيلية في الجولان، حيث ذكر "يا أبناء مصعدة، حان الآن لتردوا الرب وتحرروا آرام". مصعدة هي قلعة اعتصم بها اليهود سنة 70 ميلادية، وأصبحت رمزًا للصمود، بينما آرام بحسب سفر العهد القديم تمثل دمشق، ما يدل على أن الاتجاه القادم هو التوسع نحو دمشق وسوريا عمومًا.
ولكن إسرائيل لن تبدأ استخدام القوات البرية ضد جيوش أخرى إلا بعد تعزيز الكتلة السكانية اليهودية، إذ يخطط نتنياهو لجلب نحو مليون ونصف يهودي من أمريكا اللاتينية وأمريكا الجنوبية، وقد أعلن صراحة في جنازة ضحايا حادث شارلي إبدو في فرنسا عن رغبته في استقدام عشرين ألفًا من فرنسا لتثقيف هذه الكتلة، بما يعزز قدرات الجيش ويتيح له مواجهة أي خصم مستقبلي.
بهذا تكون الصورة العامة للتوسع الإسرائيلي واضحة: التركيز على الضفة الغربية، تعزيز الكتلة السكانية اليهودية، السيطرة على مناطق استراتيجية في سوريا، وإقامة مستعمرات وفق المخطط التاريخي والديني، مع استغلال الرمزية الدينية لتعزيز الروح المعنوية لدى الجيش والمجتمع الإسرائيلي.
ويستمر المشروع الإسرائيلي في التوسع وفق خطته. وبعد السيطرة على الضفة الغربية، يتركز الهدف على دمشق وما حولها. بهذا الشكل، يستطيع المشروع الإسرائيلي إدارة الأراضي الجديدة والسيطرة عليها دون مواجهة مباشرة.














.jpeg)





.jpg)

