أسامة شرشر يكتب: أنا وياسر عرفات فى نقابة الصحفيين
كنت حريصًا على أن تكون ندوة كتابي (أنا وياسر عرفات) في بيت صاحبة الجلالة، قلعة الحريات، نقابة الصحفيين، التى انطلقت منها على مر العصور والأيام، أولى طلقات رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكانت سلالم نقابة الصحفيين رمزًا لسقوط الطغاة.
فلذلك كان حرصي على أن تحتضن نقابة الصحفيين مناقشة كتاب عن رمز تاريخي مثل ياسر عرفات، خاصة أن مصر احتضنته في طفولته وشبابه، وفي نضاله وكفاحه، واعتبره عبد الناصر الأب الشرعي للمقاومة الفلسطينية واصطحبه إلى روسيا بجواز سفر مصري باسم (محسن أمين) ليكون أول لقاء بين عرفات والجانب الروسي في الكرملين في زيارة مهدت لعلاقة استراتيجية في هذا التوقيت بين عرفات والحكومة الروسية.
ولأن ياسر عرفات ارتوى من نيل مصر واحتضنته مدارسها وكلية الهندسة بها فإنه أصبح ضابط احتياط في الجيش المصري إبان مقاومة العدوان الثلاثي، حتى تستشعر أن ثقافته وجيناته جمعت بين تسامح وقبول الآخر والتعايش السلمي، وكذلك النضال من أجل الحق لأن الطريق الوحيد للخلاص من الكيان الصهيوني هو طريق المقاومة المسلحة المشروعة التى كبدت إسرائيل خسائر خطيرة في غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان.
وكما قلت فإن مجلة تايم الأمريكية تنبأت مبكرًا سنة 1968 بأن عرفات سيكون زعيمًا للمقاومة ومناضلًا أسطوريًّا ورمزًا للصمود وأخطر شخصية في الشرق الأوسط.
والذي دفعنا لإصدار هذا الكتاب، في هذا التوقيت الهام والخطير، هو أن ياسر عرفات أحد الرموز التاريخية التى أحيت القضية الفلسطينية والمقاومة، وأنشأ منظمة فتح التى كان ميلادها في الكويت سنة 1964 وفرعها الآخر بقيادة الرئيس الحالي محمود عباس أبو مازن في الدوحة وكانت بتمويل من الرئيس هواري بومدين هذا الرجل العروبي الذي ساهم في دعم كل حركات التحرر.
وكان الاحتضان الأكبر والقبلة السياسية هي مصر التى تعاملت مع كل الكيانات الفلسطينية باحتواء واحتضان رغم اختلافها أيديولوجيًا أحيانًا مع بعض الفصائل، ولكن قدرها أنها هي الراعي الأكبر للحفاظ على القضية وعدم تصفيتها على مر الأيام والرؤساء بداية من عبد الناصر مرورًا بالسادات ومبارك وحتى الرئيس السيسي الذي قال «لا للتهجير ولا لتصفية القضية الفلسطينية».
ولكن الشىء المحزن أنه ما زالت الاختلافات الفلسطينية حول السلطة والكراسي مستمرة، وخرجت حتى من الغرف المغلفة لتصبح بثًّا مباشرًا على الهواء، ومن يدفع فاتورة هذا الخلاف والاختلاف هو المواطن الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس.
ودعونا نفتخر بياسر عرفات عندما أعلن عام 1974 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه جاء يحمل في يده غصن زيتون وفي اليد الأخرى بندقية (وأتمنى ألا أستعمل البندقية).
ورغم الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية نتيجة الضربات الموجعة للكيان الإسرائيلي فإن الضربة القاصمة لها هي أيلول الأسود ووقف الدعم الخليجي عن القضية، فجاءت أوسلو بما لها وما عليها عام 1994، وكان ياسر عرفات يعلم تمامًا بحسه النضالي والسياسي وخبرته التى اكتسبها على مدار عشرات السنوات أنه لا يأمن اليمين المتطرف الإسرائيلى، ورغم ذلك استمر في مفاوضات أوسلو لعله يحصل على البقية الباقية من الأراضي الفلسطينية، وكان نتنياهو وقتها هو مهندس فشل هذه المفاوضات رغم أنه لم يكن في الواجهة بل كان في الصف الثاني سياسيًّا.
وكان هناك اعتراف ضمني من ياسر عرفات عندما قال لي إنه أخطأ عندما لم يستعن بأحد عباقرة الدبلوماسية المصرية وهو السفير أسامة الباز الذي، حسب تعبيره، كان يمثل رمزًا دبلوماسيًّا مهمًّا جدًّا، كان يجب الاستعانة به في مفاوضات أوسلو مثلما استعانت به مصر في مفاوضات كامب ديفيد.
وأعتقد أن السفير أسامة الباز يستحق تكريمًا حقيقيّا؛ لأن مصر لم تكرمه حتى الآن كأحد أهم رموز الخارجية المصرية على مر الأيام والعصور.
واليوم بعد الضغط العسكري الإسرائيلي الأمريكي والضغط الإسرائيلي في الضفة بمشروع الاستيطان نجد أن الحلم الصهيوني الترامبى أصبح تحقيق حلم (إسرائيل بلا حدود) و(من النيل إلى طهران).
فلذلك كانت رؤية ياسر عرفات ثاقبة أنه كان يخشى على المستقبل الفلسطيني من حالة الانقسام والاختلاف والتردي، وحدث ما حدث بعد موته أن ظهر في المشهد حركة حماس عام 2006 وكانت لعبة إسرائيلية أمريكية لكي يتم تصفية منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات حيًّا وميتًا.. ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.
فكان كتابي (أنا وياسر عرفات) جرس إنذار للأجيال الجديدة من الشباب الفلسطيني والشباب المصري والشباب العربي أنه لا يعرف قيمة رمز تاريخي في حجم وقيمة ياسر عرفات الذي يوازي مثلًا زعيمًا بحجم نيلسون مانديلا صاحب قضية مكافحة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا فكان الرمزان العربي والأفريقي هما نتاج قصص نضال وكفاح أسطورية.
ومع عدم تفاؤلي بما يفعله ترامب لوقف إطلاق النار والمرحلة الثانية في غزة وفتح المعابر، ولكن يبقى أخطر أمر يفعله هو (مشروع ترامب للسلام العالمي) الذي أشتم فيه أنه (مسمار جحا) صهيوني لتصفية حل الدولتين والقضية الفلسطينية، لكن برضا عربي من بعض اللاعبين الجدد الذين هرولوا نحو التطبيع، وهذا مكمن الخطورة.
العالم لا يحترم إلا لغة القوة، فأفيقوا يا عرب، وتوحدوا خلف مصر في هذه الظروف الاقتصادية، لأنها القوة الوحيدة التى تمتلك جيشًا عربيًّا قادرًا على وقف هذا المد الصهيوني والإسرائيلي.
وكما قلتها مرارًا وتكرارًا (المتغطي بالأمريكان عريان).
فالتوحد حاليًّا يؤسس لمشروع شرق أوسط قوي يتشكل بين مصر وتركيا وباكستان وربما معهم إيران لوقف المد الترامبي الصهيوني الإسرائيلي.
فلا خلاص للحفاظ على القضية الفلسطينية والهوية العربية إلا من خلال التوحد ضد أفكار ترامب الشيطان الأكبر ونتنياهو الشيطان الأصغر، فكلاهما يريد حذف فلسطين من الخريطة العالمية وتحقيق هدف إسرائيل بالسيطرة على كل الدول العربية.
فلذلك جاء كتابي (أنا وياسر عرفات) رسالة للأجيال الجديدة أن تعرف هذا الرمز النضالي الذي استُشهد في سبيل وطنه وما سعى إلى سلطة أو منصب في أي لحظة في حياته.
والحقيقة أن أفضل ما حققته المواجهة مع إسرائيل في غزة والضفة، هي تعريف الشباب الأمريكي والأوروبي بالقضية الفلسطينية ورموزها التاريخيين مثل ياسر عرفات الذي يمثل آخر قنديل زيت للحفاظ على أرض المقاومة والقضية الفلسطينية.

النائب والإعلامي أسامة شرشر مع الزعيم ياسر عرفات - أرشيفية








.jpg)
.jpeg)

