كيف يؤثر العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي على المرحلة الثانية؟ تمارا حداد تجيب
جاء إعلان الاحتلال الإسرائيلي العثور على جثة ران غويلي، آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، ليشكّل لحظة مفصلية في مسار التفاهمات القائمة، ويفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل المرحلة الثانية، وحدود التزام حكومة بنيامين نتنياهو بها، وانعكاسات هذا التطور على الفلسطينيين، سياسيًا وميدانيًا وإنسانيًا.
وفي ذلك السياق، قالت الدكتورة تمارا حداد، الكاتبة والباحثة السياسية الفلسطينية، إن هذا الإعلان لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا أمنيًا معزولًا، بل باعتباره تحولًا استراتيجيًا يغيّر موازين الكلفة والالتزام، ويعيد صياغة حسابات نتنياهو الداخلية والخارجية.
انتهاء ملف الأسرى
وأوضحت "حداد"، في تصريحات لـ"النهار"، أن إعلان الاحتلال العثور على آخر جثة يعني، عمليًا، انتهاء ملف الأسرى الإسرائيليين بشكل كامل، وهو الملف الذي شكّل طوال الشهور الماضية العبء السياسي والأخلاقي الأكبر على حكومة نتنياهو أمام الرأي العام الإسرائيلي، وأمام الشارع، وأمام عائلات الأسرى، وأمام الوسطاء الدوليين.
وأضافت أن هذا الانتهاء سينعكس بقوة على المرحلة الثانية، لكن ليس بالضرورة لصالح المواطنين الفلسطينيين، بل على العكس تمامًا. فبانتهاء هذا الملف، أُزيح عن كاهل نتنياهو الضغط الأكثر حساسية، ولم يعد مقيّدًا بالتزامات أخلاقية أو سياسية مرتبطة بحياة أسرى إسرائيليين داخل غزة.
نتنياهو غير مُلزَم
بحسب حداد، فإن نتنياهو، بعد انتهاء ملف الأسرى، لم يعد يشعر بأنه ملزم بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، وتحديدًا ما يتعلق بالانسحاب من أراضي قطاع غزة. بل إن الانسحاب، من وجهة نظره، بات عبئًا سياسيًا داخليًا، لأنه يُفقد اليمين المتشدد، الذي يستند إليه، جزءًا من قاعدته الانتخابية.
وأشارت إلى أن الدخول في المرحلة الثانية كان مشروطًا، بالنسبة لإسرائيل، بكلفة استمرار ملف الأسرى، ومع زوال هذه الكلفة، أصبح الالتزام الإسرائيلي ضعيفًا وقابلًا للتراجع. فالانسحاب لم يعد استحقاقًا حتميًا، بل خيارًا يمكن الانقلاب عليه أو تفريغه من مضمونه.
سقوط الكلفة السياسية
وأكدت حداد أن أخطر ما في انتهاء ملف الأسرى هو سقوط الكلفة السياسية والأخلاقية عن إسرائيل في حال عادت إلى التصعيد أو القتال، أو لجأت إلى افتعال ذرائع أمنية جديدة، مثل الادعاء بوقوع حادث أمني محتمل في أي لحظة.
ولفتت إلى أن نتنياهو اليوم لا يخشى على أسرى، ولا يخشى تحركًا شعبيًا إسرائيليًا ضاغطًا، وهو ما يمنحه هامشًا واسعًا للمناورة والانقلاب. ومن هنا، ترى أن المرحلة الثانية، من منظور نتنياهو، ليست سوى انسحاب “عفن”، وإعادة إعمار، وتهدئة طويلة، وهي ملفات لا يريد الالتزام بها.
انسحاب قابل للتراجع
شددت الباحثة الفلسطينية على أن واقع الانسحاب من قطاع غزة أصبح أضعف من أي وقت مضى، ولم يعد التزامًا ثابتًا، بل خيارًا قابلًا للتراجع أو الالتفاف. فالخروج من القطاع لم يعد بالنسبة لنتنياهو ضرورة سياسية أو أخلاقية، بل مخاطرة انتخابية داخلية.
وبالتالي، فإن احتمال تراجع إسرائيل عن استحقاق الانسحاب بات مرتفعًا، سواء عبر التأجيل، أو فرض وقائع ميدانية، أو ربط الانسحاب بشروط أمنية جديدة لا تنتهي.
معبر رفح المشروط
وفيما يخص معبر رفح، أكدت حداد أنه لا يوجد أي تأكيد كامل على فتحه بشكل شامل. فرغم وجود ضغوط أمريكية ومصرية، إلا أن فتح المعبر – إن حدث – سيكون مشروطًا بدرجة كبيرة.
وأوضحت أن الشرط الأول سيكون تحديد أعداد الداخلين والخارجين والمسافرين، مع فرض نقطة رقابة أمنية من قبل الجانب الإسرائيلي، على غرار ما يحدث في معبر اللنبي والجسر بين الجانب الأردني والفلسطيني.
وأضافت أن فتح معبر رفح كان مرتبطًا بعدة ملفات، أبرزها ملف الأسرى الذي انتهى، إلى جانب الضغط الأمريكي المصري، وحاجة إسرائيل لإلزام حماس. أما اليوم، فستكون هناك ضغوط لفتح المعبر، نعم، لكنه سيكون فتحًا جزئيًا ومقيّدًا.
ترتيبات أمنية جديدة
وتوقعت حداد أن تلجأ إسرائيل مستقبلًا إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة في معبر رفح، تحت ذرائع متعددة، مثل التهديدات الأمنية، أو التهريب، أو الادعاء بسيطرة حركة حماس العلنية أو الخفية على المعبر.
ورأت أن السيناريو المرجح هو فتح جزئي، مع إمكانية الإغلاق في أي وقت تشاء إسرائيل، وفرض رقابة متشددة، وإدارة أمنية معقدة، وربما تأجيل مقصود، بهدف استخدام رفح كورقة ضغط بديلة بعد انتهاء ورقة الأسرى.
تفريغ الاتفاق
وحول احتمال انقلاب نتنياهو على الاتفاق، قالت حداد إن الاحتمالية مرتفعة جدًا، لكن ليس عبر كسر الاتفاق بشكل مباشر، بل من خلال تفريغه من مضمونه.
وأوضحت أن نتنياهو سيستخدم ذرائع أمنية وقانونية، مثل عدم نزع سلاح الفصائل، أو الادعاء بإعادة تنظيم حركة حماس عسكريًا، وهو ما يروّج له الإعلام العبري، بزعم أن حماس بدأت تعيد ترتيب صفوفها.
كما سيستغل أي إطلاق صواريخ فردية، أو عمليات محدودة، أو فشل آلية الرقابة الدولية، أو عدم دخول قوة الاستقرار الدولية حتى الآن، لتبرير التراجع أو التعطيل.
مرحلة بلا سقف زمني
كما نوهت حداد إلى نقطة شديدة الأهمية، وهي أن المرحلة الثانية غير مشروطة بسقف زمني واضح، وهو ما يمنح نتنياهو مساحة واسعة للمماطلة والمراوغة.
ففي حال الانقلاب على الموقف، سيكون السؤال حول رد الفعل الأمريكي، وهنا أكدت حداد أن الموقف الأمريكي يتماهى بدرجة كبيرة مع إسرائيل. قد تعترض واشنطن لفظيًا، وقد تمارس ضغطًا إعلاميًا، لكنها لن تفرض عقوبات حقيقية.
واشنطن تدير الأزمة
وشرحت حداد أن أمريكا لا تعتبر غزة أولوية في هذه المرحلة، إذ تركز على ملفات إيران، والبحر الأحمر، والحرب الأوكرانية الروسية، إلى جانب انشغال ترامب بالانتخابات الأمريكية في نهاية العام.
وأقصى ما يمكن أن تفعله واشنطن هو منع احتلال كامل قطاع غزة، أو منع كارثة إنسانية كبرى، لكنها لن تفرض تنفيذ المرحلة الثانية بالقوة، ولن تُجبر إسرائيل على الانسحاب من غزة.
وبذلك، فإن الولايات المتحدة، وفق حداد، لا تحل الصراع، بل تدير الأزمة، ويظل فتح المعابر جزئيًا وغير مضمون، ويتحول إلى ورقة مساومة سياسية.
الهدف النهائي
تختم حداد بالتأكيد على أن نتنياهو يملك الدافع والغطاء للاستمرار في هذا المسار، بسبب اعتماده على يمين متشدد وخوفه من خسارة قاعدته الانتخابية. كما أن واشنطن لن تكسر العصا على إسرائيل، لأن الضمان المتبقي اليوم ليس سياسيًا بل ميدانيًا وإقليميًا.
وشددت على أن الهدف النهائي ما زال قائمًا، ويتمثل في منع سيطرة الفلسطينيين على أرضهم، وتقليل الديمغرافيا الفلسطينية داخل قطاع غزة، وفتح الباب أمام سيناريوهات التهجير.
أما الإعلان عن العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي، رأت حداد أن هدفه النهائي، بالنسبة لنتنياهو، ليس سوى تمهيد الطريق لنزع سلاح الفصائل، وهو ما سيُطرح باعتباره الاستحقاق الأساسي في المرحلة الثانية.


.jpg)

.png)

















.jpg)
.jpeg)


