الأفكار ليست مباحة.. معركة الهوية الفكرية في عصر النسخ
مع التطور المتسارع للتكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تصاعدت بشكل ملحوظ ظاهرة سرقة المحتوى، بما يشمل الصور، والتصاميم، والمقاطع المرئية، والمقالات الصحفية، والعلامات التجارية، وأصبح الوصول السهل إلى المحتوى الرقمي عاملاً رئيسياً في تفشي هذه الانتهاكات، مقابل صعوبة ضبطها في بعض الأحيان.
وتُعرَّف سرقة المحتوى بأنها استخدام أعمال فكرية أو إبداعية يملكها الغير دون الحصول على إذن مسبق، أو دون الالتزام بضوابط الاقتباس المشروع، بما يضر بالمصالح المادية أو المعنوية لصاحب الحق. وتشمل هذه الانتهاكات مجالات متعددة، أبرزها الصحافة، والإعلام، وصناعة المحتوى الرقمي، والتصميم، والموسيقى، والبرمجيات.
السيد اللواء دكتور "ناجح أحمد زكي" مساعد وزير الداخلية للشرطة المتخصصة سابقا، ومدرس باكادمية الشرطة حاليا، مدير الإدارة العامة لحقوق الملكية الفكرية والمصنفات، يتحدث مع النهار

في المقابل، يقرّ القانون مبدأ الاستخدام العادل، الذي يسمح بالاقتباس المحدود من الأعمال المحمية لأغراض محددة، مثل التعليم، والبحث العلمي، والنقد، والتغطية الإخبارية، شريطة الإشارة إلى المصدر، وألا يؤدي الاستخدام إلى الإضرار بالقيمة السوقية أو الحقوق الأصلية للعمل.
سرقة بلا بصمات.. الهوية الفكرية في مهب الريح
وتبرز العلامات التجارية كأحد أكثر الجوانب عرضة للانتهاك، حيث يشمل التقليد استخدام أسماء أو شعارات أو ألوان أو تصاميم متشابهة قد تُحدث لبساً لدى المستهلك، حتى وإن كان التشابه جزئياً، ويُعد ذلك مخالفة قانونية إذا استغل شهرة العلامة الأصلية أو أضر بثقة الجمهور.
أما في المجال الصحفي، فيحظى المحتوى بحماية قانونية كاملة، ولا يجوز نسخه أو إعادة نشره كلياً أو جزئياً دون التزام واضح بضوابط الاقتباس، إذ إن سرعة النشر أو الطابع الإخباري لا يبرران التعدي على حقوق الملكية الفكرية.
لم تعد سرقة الهوية الفكرية جريمة خفية تُرتكب في الظل، بل تحولت إلى ظاهرة علنية تتغذى على الفضاء الرقمي، وتستهدف العقول قبل الجيوب. في زمن السرعة وإعادة النشر، أصبحت الفكرة عرضة للنهب، والجهد الإبداعي مهددًا بالضياع، وسط ضعف الحماية وغياب الردع.
من الفكرة إلى السطو
سرقة الهوية الفكرية لا تعني فقط النسخ الحرفي، بل تشمل الاستيلاء على الأفكار، والتحقيقات الصحفية، والأبحاث العلمية، والأعمال الأدبية، مع تغيير الصياغة أو حذف اسم صاحبها الأصلي. هذا النوع من السطو “الناعم” يُعد الأخطر، لأنه يصعب كشفه ويمنح السارق مظهر الشرعية.
الصحافة تحت التهديد
في الوسط الصحفي، تتجلى الظاهرة بوضوح عبر نقل الموضوعات والتحقيقات كاملة أو مجتزأة دون الإشارة إلى المصدر، أو إعادة نشرها تحت أسماء أخرى. ويؤكد صحفيون أن بعض المؤسسات تتغاضى عن هذه الممارسات بدعوى “السبق” أو ضغط التنافس، ما يضرب أسس المهنة وأخلاقياتها.
الفضاء الرقمي.. ساحة مفتوحة للسرقة
مع انتشار المنصات الرقمية، أصبح الوصول إلى المحتوى أسهل من أي وقت مضى، وكذلك سرقته. فبضغطة زر يمكن نسخ مقال، أو فكرة برنامج، أو تصميم، وإعادة نشره خلال دقائق. ورغم وجود أدوات تقنية لكشف الانتحال، إلا أن كثيرًا من السرقات تمر دون مساءلة.
ضحايا بلا حماية
أصحاب الأفكار المسروقة، خاصة الشباب وصناع المحتوى المستقلين، يجدون أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع جهات أكبر تمتلك المنصات والنفوذ. كثيرون يتراجعون عن المطالبة بحقوقهم خوفًا من التعقيدات القانونية أو التشهير أو خسارة فرص العمل.
ماذا يقول القانون؟
القانون المصري ينص على حماية حقوق الملكية الفكرية ويجرّم التعدي عليها، سواء في المصنفات الأدبية أو الفنية أو الصحفية، ويقر عقوبات مالية وحبسًا في بعض الحالات. لكن تطبيق القانون يظل التحدي الأكبر، خاصة مع صعوبة إثبات سرقة “الفكرة” مقارنة بسرقة النص الحرفي.
أزمة وعي قبل أن تكون قانون
يرى خبراء أن سرقة الهوية الفكرية ليست فقط مشكلة تشريعات، بل أزمة وعي وأخلاق مهنية. فالاستهانة بحقوق الآخرين، وتطبيع النقل دون نسب، يعكسان خللًا في الثقافة المهنية والتعليمية.
معركة حماية الإبداع
حماية الهوية الفكرية تتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمؤسسات الإعلامية والنقابات المهنية، إلى جانب نشر الوعي بحقوق الملكية الفكرية، وتشجيع المبدعين على توثيق أعمالهم والدفاع عنها.
ويبقي السؤال مفتوح
في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال: من يحمي الفكرة قبل أن تُسرق؟


.jpg)

.png)

















.jpg)
.jpeg)


