22 أبريل 2021 04:21 10 رمضان 1442
النهار

رئيس التحرير أسامة شرشر

  • بنك مصر
ثقافة

الفقى يروى شهادته على 8 سنوات فى القصر الرئاسى بجوار مبارك ”الحلقة الثانية ”

غلاف المذكرات
غلاف المذكرات

  • الرئيس مبارك كان يشعر بضعف شديد أمام المؤسسة الدينية ومؤسسة القضاء
  • عرّاف هندى تنبأ للفقى بالعودة للقصر فاعتقد أنه سيعود مريضًا للقصر العينى لكن العودة كانت للقصر الجمهورى
  • هيبة عبد الناصر ومساواته بين المسلمين والأقباط منعتا وقوع أى فتنة طائفية فى عهده والسادات مكن للتيارات الدينية فى الجامعة فاكتوى بنارها
  • قصة فساد قيمتها 2 مليون وراء موضوع سرقة حفار فرنسى فى مصر
  • مبارك كان يكره التنظير ويريد تفسيرات واضحة ومحددة ولم يهتز للأحداث الكبيرة مثل الأمن المركزى وغزو الكويت
  • الرئيس منعنى من السفر عامًا لأنى قلت فى ندوة «الولايات المتحدة تنظر لسوريا باحترام وغير حب وتنظر لمصر بحب وغير احترام»

شعبان خليفة

نواصل معكم فى هذه الحلقة عرض مذكرات د. مصطفى الفقى «الرواية.. رحلة الزمان والمكان» والتى هى كما وصفها كاتبها «ليست صفحات مطوية من مذكرات شخصية، كما أنها ليست سيرة ذاتية، بل تتجاوز ذلك كله لكى تكون تعبيرًا أمينًا عن طريق طويل سلكه صاحب الرواية مخترقًا عهود عبد الناصر مراقبًا، والسادات مشاهدًا، ومبارك مشاركًا، وقد احتمى المؤلف بالصدق والتجرد والموضوعية مؤمنًا بأن دهاء التاريخ لا يرحم، وأن الحياة فى مجملها صعود وهبوط، انتصارات وانتكاسات، إنجازات وإخفاقات».

ما بين الدبلوماسية والدراسات الأكاديمية مضت حياة السفير مصطفى الفقى بعد عودته لمصر من لندن ويذكر من أساتذته د. إبراهيم صقر، ود. رؤوف كحيل الأكاديمى ذائع الصيت وقتها فى جامعة أكسفورد والسفير تحسين بشير المستشار الإعلامى لرئيس الجمهورية، وكذلك د. سمير رضوان وزير المالية الأسبق ود. بطرس غالى الأمين العام للأمم المتحدة ود. عبدالملك عودة وغيرهم وعلاقته العميقة بالبابا شنودة بسبب أطروحاته للدكتوراه عن الحياة السياسية للأقباط حتى إن الرئيس مبارك جعل منه سواء وهو فى القصر الجمهورى أو وهو خارجه مبعوثه الشخصى للبابا فى كل الأزمات. ويروى د. الفقى عن د. عبدالجيل شلبى والعلاقة الوثيقة بين خالد جمال عبدالناصر وجمال انور السادات ورسائل الود والزيارات المتبادلة بينهما.

مصاهرة

كما يروى د. مصطفى الفقى عن علاقة المصاهرة المتبادلة التى جمعت بين رجال الثورة وقادتها حيث تزوج شقيق عبدالناصر بابنة المشير عبدالحكيم عامر وعفت عصمت السادات بابنة شقيق عبدالناصر، كما يفسر د. الفقى فى مذكرات أسباب عدم حدوث فتنة طائفية فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر حتى نكسة 67 بعدالة وهيبة وقوة عبدالناصر وذلك على عكس فترة حكم الرئيس السادات الذى اعاد الإخوان المسلمين للعمل السياسى وفتح الجامعات لحركات الإسلام السياسى ومكنها من السيطرة على الجامعات وحسب تعبير الفقى فإن الرئيس السادات اكتوى بنار دعمه مشروع الإسلام السياسى.

ويتناول فترة عمله من د. بطرس غالى وعمله استاذًا بالجامعة الأمريكية خلال الفترة من 1979 وحتى 1993 والتى لم يقطعها سوى فترة عمله الدبلوماسى بالهند ويبدى تقديرًا كبيرًا للدكتور جلال أمين كما يتناول د. الفقى ملابسات كامب ديفيد واستقالة وزير الخارجية اسماعيل فهمى وصعود نجم بطرس غالى وأسامة الباز بعد ذهابهما مع السادات إلى القدس.

فى بلاد العجائب

فى الفصل الخامس الذى عنوانه دبلوماسى فى بلاد العجائب يكتب د. الفقى تجربته كدبلوماسى فى الهند التى انتقل للعمل بها بقرار من د. بطرس غالى فى بداية العام 1979 وظنها الفقى عقابًا له. وفى الهند قضى اربع سنوات تأكد خلالها حسب قوله من صدق رؤية الفيلسوف العربى "البيرونى" الذى زار الهند قبل عدة قرون وكتب عنها "إنها تجمع كل المتناقضات من الفضيلة للرذيلة ومن الغنى للفقر ومن التقدم للتخلف" وحسب تعبير الفقى فإن "الهند مدرسة الزمان والمكان.. متحف لكل العصور.. أمة كبيرة وحضارة متميزة".

ويروى الفقى قصة اجتماع مع الرئيس مبارك فى أول زيارة له للهند بعد توليه خلفًا للسادات وكان وقت الزيارة يتزامن مع عيد الألوان فى الهند وقد قدم اسامة الباز الفقى للرئيس مبارك الذى سأله عن مغزى العبث الذى يراه مشيرًا لمظاهر الاحتفال بعيد الألوان فكان رد الفقى "بأن مظاهر الاحتفال بعيد الألوان تؤكد معانى الديمقراطية ومفاهيم المساواة دون النظر لاختلاف العرق أو اللون أو الدين أو المستوى الاجتماعى".

ولم تعجب الإجابة الرئيس مبارك لأنه حسب رأى الفقى يكره التنظير ويريد تفسيرات واضحة ومحددة ويروى الفقى زيارات الشيوخ عبدالباسط عبدالصمد والطبلاوى حب الهنود لهما وللأزهر الذى يطالب الفقى بالاهتمام به وبدوره فى هذه البلاد.

نبوءة عراف

هذه الواقعة التى يرويها مصطفى الفقى تؤكد أن الحياة أقدار فلم يدر بخلده الانتقال للقصر الجمهورى، وفى يوليو 1983 طلبت زوجة الدكتور ابراهيم بدران وزير الصحة الأسبق- الذى كان فى زيارة للهند- عرافًا هنديًا كان مشهورًا وقريبًا من نهرو وتم احضار العراف فلما رأى الفقى نظر لوجهه وقال "سوف تكون فى القصر خلال شهرين".

ظن الفقى أنه سيعود مريضًا لمصر بعد شهرين حيث انتهاء فتره عمله ويدخل القصر العينى للعلاج وقد عاد بالفعل بعد شهرين للقصر ولكن ليس القصر العينى بل القصر الجمهورى فى كوبرى القبة ليعمل بجوار الرئيس مبارك، ورغم هذه الرواية يقول الفقى "ومع هذا فإنى أؤمن بأنه (كذب المنجمون ولو صدفوا)".

رسالة الفقى

يقرر الفقى فى مذكراته أن مبارك لم يكن فى يومٍ من الأيام أن توؤل إليه رئاسة الجمهورية والسبب أن شخصية مبارك تميل إلى التوازن المريح والاعتدال الشديد وتجنب المشكلات والابتعاد عن كل ما يثير الجماهير، ويسرد قصة تولى مبارك منصب نائب الرئيس حيث عزمه السادات عزومة خاصة منفردين وكان هو يريد أن يخبر الرئيس السادات برغبته فى العمل سفيرًا فى لندن بعد تقاعده لكن الرئيس السادات فاجأه بإبلاغه باختياره نائبًا له. ويضيف الفقى أن الفريق الجمسى وزير الدفاع وقتها شعر بالضيق من هذا الاختيار وكان يرى أنه الأحق به.

ويكشف الفقى أنه عندما تولى الرئيس مبارك الحكم بشهور قليلة كتب إليه رساله سلمها للدكتور أسامة الباز ينشر الفقى نصها فى مذكراته وأبرز ما جاء فى الرسالة أنها تمثل رؤية شاب مصرى وقتها للمستقبل ويشيد بنزاهة وليبرالية الرئيس الجديد ويطالبه بالتخلى عن رئاسة الحزب الوطنى ويبقى حكمًا بين الجميع ويقترح عليه إعادة تنظيم الأزهر والدفع بوجوه صحفية وإعلامية جديدة وتقليص سلطات الشخصيات المكروهة شعبيًا.

بعد الرسالة بفترة وتحديدًا فى العام 1983 عاد الفقى من الهند واختاره أسامة الباز الذى كان يشغل منصب مدير مكتب الرئيس ليعمل معه فى رئاسة الجمهورية وللمصادفة بعد فترة قصيرة أخبره أسامة الباز أن يقوم بعمله لأنه سيدخل المستشفى للعلاج وقد كان وأتاحت له فترة مرض الباز الاقتراب من الرئيس مبارك حيث كان الرئيس يستعد لإلقاء خطاب افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة وأعد الخطاب فأعجب به مبارك وداعبه: هل أنت من تكتب لأسامة الباز؟ فرد الفقى: لا يا سيادة الرئيس دكتور أسامة الباز يكتب لنفسه.. طلب الرئيس منه اضافة فقرة شكر لصوفى أبو طالب رئيس المجلس لأنه ينتوى تغييره وطالبه بأن لا يخبر أحدا بذلك وقد كان ثم عاد الباز لتولى مهام عمله وعاد الفقى لأدراجه فى الخارجية لكن بعد عامين ونصف اعاده مبارك للعمل ليستمر سكرتيرًا للرئيس لمدة ثمانى سنوات قضاها فى القصر الجمهورى يصفها بأنها اصعب فترات حياته.

قضية فساد

ويكشف الفقى فى مذكراته عن حقيقة سرقة حفار عملاق قيل إن مصر جلبته من فرنسا للمشاركة فى مشروع مترو الأنفاق وانتشر الخبر وكان محل سخرية كبيرة بحجم الحفار ثم بعد تحقيقات كبيرة تبين أن هناك عملية نصب تم فيها دفع 2 مليون جنيه فيها لموظفين أدخلوا الحفار على الورق وسربوا بعد ذلك اختفاءه بينما الحقيقة أنه لم يدخل مصر حفار ولم يختف.

كما يكشف أيضًا واقعة تسببت فى تغيير وزير البترول حيث أخبره طارق حجى مسئول شركة شل فى مصر عن تقرير نشرته مجلة الإيكونوميست عن اتصالات سرية بين شركتى بترول عالميتين والهيئة المصرية للبترول فأبلغ الفقى الرئيس فطلب منه تذكيره مع التغيير الوزارى القريب لتغيير وزير البترول وقد حدث وتأخر التغيير الوزارى حتى تم تغيير وزير البترول.

ويروى الفقى كواليس اختيارات المعينين فى البرلمان واختيار الفنانة أمينة رزق التى ظلت ثلاثة أيام تغلق التليفون فى وجه رئاسة الجمهورية ظنًا أنها معاكسات حتى كلمها الرئيس مبارك بنفسه فكانت فى غاية الفرح، كما أن الفقى كان قناة الاتصال بين الرئيس وبين البابا شنودة وكان الرئيس يختار مسلمين ومسيحيين كأعضاء فى البرلمان ويقول المهم شخصيات تدافع عن الوحدة الوطنية ولا يهم مسلمين أم مسيحيين وطرح اسم فرج فودة للتعيين.

نقطة ضعف مبارك

يؤكد د. مصطفى الفقى فى مذكراته أن الرئيس مبارك كان يشعر بضعف أمام مؤسستين هما المؤسسة الدينية ومؤسسة القضاء ويعطى احترامًا خاصًا وتوقيرًا شديدًا لرجال الدين والقضاة ويروى وقائع معاملته مع شيخى الأزهر جاد الحق على جاد الحق ومحمد سيد طنطاوى رحمهما الله وشيخ الأزهر الحالى الدكتور أحمد الطيب كما كان يعامل البابا شنودة الثالث باحترام كبير وكان مدركًا قوة المؤسسة الدينية الناعمة خارج مصر.

ويروى الفقى أنه اقترح عليه تعيين الشيخ الشعراوى لمشيخة الأزهر فأخبره بأن فؤاد محيى الدين أبلغه أنه عرض الأمر على الشيخ الشعراوى فرفض ويقول الفقى إنه التقى الشيخ الشعراوى وأخبره بذلك فأنكر حدوث ذلك وقال لا يمكن لأحد أن يرفض مشيخة الأزهر. ويروى الفقى وقائع عديدة لتقريبه بين الدولة والكنيسة، مشيرًا إلى أن مصر ليس فيها مسألة قبطية لكن فيها مجرد احداث طائفية فقط تقع أحيانًا.

كما يشيد بدور المستشار فاروق سيف النصر كحلقة وصل بين الرئاسة والقضاء ويؤكد أن الرئيس كان تاركًا الملف كله له ولم يراجع أو يتدخل فى احكام القضاء.

وفى شهادته على مبارك فى الأحداث الكبيرة يؤكد الفقى أنه كان يواجه هذه الأحداث بثبات كبير ولا يهتز وهو ما حدث فى تعامله مع احداث تمرد الأمن المركزى وغزو العراق للكويت وكلاهما كان الفقى إلى جواره فيهما.

حدث فى الطائرة

يروى د. مصطفى الفقى طرائف فى صحبة الرئيس مبارك منها مثلًا أنه فى إحدى المرات أثناء السفر إلى الصين، اهتزت الطائرة التى كانت تقله مع الرئيس الراحل بصورة شديدة، ما جعل الأخير يستغل خوفه ويطلب منه إحضار البريد السياسى والمجىء به إلى صالون الطائرة للاطلاع عليه.

وقال: "كان هذا أمرا صعبا فى ظل الهزات العنيفة، حيث كنت أحرص على ربط الحزام بشدة متصورا أن ذلك تأمين لى وما كان هناك بد أمامى، إلا التوجه إلى الرئيس، وهو يبدو هادئا ومستمتعا ولا يشعر بأى قلق، ثم يقول لى إن الطائرة التى توجد بها الآن مثل الدراجة بالنسبة للطائرة العسكرية، وسوف أحرص عند عودتنا إلى مصر على أن أطلب من أحد الطيارين المقاتلين أن يصحبك فى جولة جوية، يقوم فيها بقلب الطائرة عدة مرات، حتى يتم تطعيمك ضد الخوف من الطيران".

وتابع الفقى أنه رد على الرئيس مبارك وقتها وهو أعصابه مشدودة بسبب اهتزازات الطائرة:

"يا سيادة الرئيس، أرجو ألا تفكر فى ذلك، لأن لياقتى البدنية ليست مثل الطيارين، كما أننى أخشى كثيرا ألاعيب الطيران".

كما روى الدكتور مصطفى الفقى أن الرئيس الراحل مبارك، وهو عندما كان ينادى أحيانا كبير الطيارين فى الطائرة، جمال لطفى، لكى يتفق معه على أن يقول أمامه بخوف وقلق إن هناك سحابة رعدية سوداء مقبلة تجاههم فى الجو، وذلك لكى يتابع مبارك ملامح وجهه.

وأضاف الفقى أنه بعد أن اكتشف أن تلك كانت دعابة من الرئيس الراحل، حسنى مبارك، برر له خوفه قائلا: "يا سيدى الرئيس إننى مواطن من 50 مليونا- عدد سكان مصر بمنتضف الثمانينيات- ولكن أنت رئيس الدولة".

يشير الفقى إلى أن الرئيس مبارك ضحك من رده عليه، ولكن اعتبر الرد نوعا من "المداعبة الخبيثة".

ووصف الفقى "مبارك" كان مستمعا جيدا، ولم يكن عدوانيا، كما تردد عنه، وقال موضحا: "عندما كنت أنقل له الحقيقة كان يسألنى "ألا توجد أخبار جيدة"، وكنت أجيبه بـ"لا"، معقبا: "بعض الناس كانت تحب تقول أخبار وردية، وعلى مدى 8 سنوات، إذا طلب منى الرأى أقوله بصراحة، وصححت صورة الكثيرين لديه".

ويشير إلى أن مبارك منع سفره لمدة عام بسبب قوله فى إحدى الندوات: "الولايات المتحدة تنظر لسوريا باحترام وغير حب وتنظر لمصر بحب وغير احترام".

سلامة الرئيس

ويسرد الفقى أزمات نادرة مع القضاء حدثت إحداها عندما قُتل نجل قاض على يد الحرس لتصرفه برعونة واطلاقه النار فظنوه ارهابيًا وتدخل الرئيس شخصيًا لاحتواء الموضوع ويقرر الفقى أن الحفاظ على حياة الزعيم وروح القائد وسلامة الرئيس هى الأبرز والأهم دومًا.

بعد ثمانى سنوات فى الرئاسة غادر الفقى على وقع قضية لوسى أرتين القصر الجمهورى فماذا حدث بعد مغادرته القصر الجمهورى وما شهادته على أحمد عز وجمال مبارك وثورتى 25 يناير و30 يونيو وضياع حلمه فى رئاسة الجامعة العربية؟!.. وقائع نعرض لها فى الحلقة القادمة من قراءة فى مذكرات مصطفى الفقى.

مذكرات الفقى مبارك شعبان خليفة الأزهر القضاء
البنك الأهلي المصري
البنك الأهلي المصري