في حوار لـ”النهار”..
اللواء أمجد شافعي: بني مزار وليلى غفران من أبرز قضايا العبث بالوعي الجمعي.. وكشفنا جرائم اتجار بالبشر تورط فيها ضباط شرطة
في عالم تتشابك فيه خيوط الجريمة وتتطور أساليب ارتكابها، لا تتوقف المواجهة الأمنية عند ضبط المتهمين، بل تمتد إلى قراءة المشهد وتحليل التفاصيل والبحث عن الخيط الأول الذي يقود إلى الحقيقة، ومن واقع سنوات طويلة قضاها في العمل الأمني والبحث الجنائي، يمتلك اللواء أمجد شافعي مساعد وزير الداخلية الأسبق، سجلًا حافلًا بالتجارب والمحطات التي شهدت التعامل مع عدد من أخطر القضايا الجنائية التي شغلت الرأي العام.
وخلال ندوة خاصة نظمتها جريدة «النهار» لتكريم اللواء أمجد شافعي، فتح أحد أبرز رجال البحث الجنائي صفحات من دفتر المباحث، مستعيدًا كواليس قضايا شهيرة، من بينها مذبحة بني مزار وقضية ابنة المطربة ليلى غفران، وصولًا إلى ملفات الاتجار بالبشر وغسل الأموال، وكشف تفاصيل قضايا تورط فيها ضباط شرطة، مؤكدًا أن مواجهة الجريمة لا تعرف استثناءات، وأن القانون يجب أن يطبق على الجميع.
وتطرق الحوار إلى فلسفة العمل الجنائي، وأهمية المنطق وسرعة البديهة في كشف الجرائم، وكيف يمكن لتفصيلة صغيرة أن تقود إلى حل لغز ظل غامضًا لفترات طويلة، مستعرضًا عددًا من المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرته طوال سنوات عمله.
صائد الجرائم يفتح خزائن أسرار أخطر القضايا الجنائية.. ويكشف كواليس سقوط ضباط شرطة في قبضة العدالة
«من المنطق أن نترك مساحة للا منطق داخل عمق المنطق».. قاعدة رجال المباحث
■ في البداية، نرحب بحضرتك، معالي اللواء أمجد الشافعي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، ونشكرك على قبول الدعوة. سنتحدث خلال هذا اللقاء عن محطات مهمة في تاريخك الشرطي، خاصة أنك عملت في عدد من الإدارات والقطاعات المختلفة بوزارة الداخلية، منها المباحث الجنائية ومباحث الآداب وغيرها، ما أخطر قضية واجهتها خلال مشوارك الأمني؟ وما السر الذي كشف غموضها؟
وصف قضية بأنها الأخطر يتضمن جوانب متعددة؛ فهل المقصود الأخطر جنائيًا أم سياسيًا أم اجتماعيًا أم أمنيًا؟
سبق أن تناولت أخطر قضية حققت فيها على مدار حلقتين، وأطلقت عليها اسم «ذو الحيثين»، وهي بالنسبة لي أخطر جريمة من الناحية الأمنية؛ لأنها تمثل الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، والأبيض والأسود، واللص والشريف.
أنا أتشرف بانتمائي إلى وزارة الداخلية، وهي وزارة نعمل فيها من أجل الدفاع عن أمن كل مواطن. وعندما نجد شخصًا من داخل الوزارة حاد عن الحق وخرق القانون، فلا بد أن تطوله يد العدالة. وفي النهاية، أنا ووزارة الداخلية في مواجهة هذه التجاوزات، وهذه هي أخطر قضية بالنسبة لي.
أما على المستوى الاجتماعي، فهناك قضية أخرى سبق أن خصصت لها حلقة وأطلقت عليها اسم «الصدمة».
«الصدمة».. جريمة هزت أسرة من الطبقة الراقية
■ ما تفاصيل هذه القضية؟
خلال فترة عملي في منطقة الدقي، وهي منطقة يسكنها أشخاص يتمتعون بمستوى اجتماعي وفكري راقٍ نسبيًا، كانت هناك أسرة مكونة من زوج يعمل مديرًا إقليميًا بإحدى الشركات متعددة الجنسيات، وزوجة تنتمي إلى عائلة عريقة، ولا تقل عن الزوج في المستوى الاجتماعي أو الكفاءة.
تعرفت على هذه الأسرة عام 1991، ثم انقطعت العلاقة بيننا، وتجدد التواصل مرة أخرى عام 2007. وفوجئت بزوجتي تخبرني بأن سيدة اتصلت بهاتف المنزل، وقالت إنها تريد التحدث معي بشكل ضروري، وتركت رقم هاتفها.
اتصلت بالسيدة، فوجدتها منهارة تمامًا وغير قادرة على الحديث من شدة البكاء، واكتشفت فيما بعد أن زوجها، الذي كان يتمتع بهذه المكانة الاجتماعية، متهم بالاعتداء على ابنه الذي يبلغ من العمر 15 عامًا، وابنته التي تبلغ من العمر 18 عامًا.
كانت الزوجة قد اكتشفت الواقعة من خلال جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بزوجها، بعدما عثرت على صور ومقاطع فيديو قالت إنها توثق تلك الوقائع. والأدهى أن واقعة الاعتداء على الابن جرى تصويرها بالفيديو، وكان هناك أشخاص شاهدوا ما حدث خلال حفل.
وعندما عاد الزوج إلى المنزل واكتشف أن جهاز الكمبيوتر مفتوح، سأل زوجته: «أنتِ فتحتي اللاب توب بتاعي؟»، ثم هددها بأنه سيقول إنها مريضة نفسيًا وتتخيل حدوث هذه الأشياء. وسألها عما تريده، فأجابته بأنها تريد الطلاق، وتم الانفصال بالفعل.
بعد ذلك اتصلت بي الزوجة وأخبرتني بما حدث، وقالت إنها تحتاج إلى مساعدتي وتريد معرفة ما يمكنها فعله. وهنا سألتها لأول مرة: هل حصلتِ على صور أو مقاطع فيديو على فلاشة؟ فأجابت بالنفي، وهو ما يعني عدم وجود دليل مادي بحوزتها.
كانت هناك تطورات أخرى؛ إذ اعترف الابن لي بما حدث، واصطحبته إلى الطبيب لتلقي العلاج. أما الابنة، فكانت متعلقة بوالدها، وكانت الصدمة الأكبر فيما قالته لوالدتها: «ما أنتِ عارفة».
الابنة خريجة الجامعة الأمريكية، وقالت لوالدتها إنها درست أن الأم قد تكون على علم بما يحدث، لكنها تخفي الأمر حفاظًا على حياتها الزوجية، وإن هذه قاعدة موجودة في الكتب، لكنها من الصعب أن تكون موجودة في الحياة الواقعية.
رفضت الابنة العلاج والاستماع إلى أي حديث من والدتها، وكانت تعترف بما حدث وتقول لها: «أنا مش هبطل علاقتي معاه». واستمر الأمر حتى علمت أن والدها تزوج بعد انفصاله عن والدتها، فقطعت علاقتها به، وكأنها شعرت بالخيانة.
طلبت من الأم أن تتصل بي بعد يومين، وبدأت أفكر في الإجراءات القانونية التي يمكن اتخاذها. جلست أدرس الأمر من جميع جوانبه: ماذا يمكننا أن نفعل قانونيًا في ظل عدم وجود دليل؟ وهل يمكن للشرطة إجراء تحريات؟ وهل هناك شهود؟
كانت هناك مخاوف من أن يؤدي اتخاذ الإجراءات إلى إثارة ضجة حول الابن والابنة، والتأثير على مستقبلهما، وفي النهاية، وبحسابات الورقة والقلم، كانت معادلة صعبة.
■ هل كان من الممكن عرض الابن والابنة على الطبيب الشرعي لإثبات صحة الواقعة؟
هنا تظهر إشكالية أخرى، فهما تعرضا للاعتداء، ولا يوجد أثر بيولوجي على الأب، وبالتالي لم يكن هناك دليل مادي يمكن الاستناد إليه لإدانته، خاصة أن الاعتداء، وفقًا للرواية التي عرضت عليّ، لم يترك آثارًا بيولوجية يمكن الاستناد إليها لإثبات الواقعة.
مذبحة بني مزار.. القضية التي شغلت الرأي العام وأثارت جدلًا واسعًا
■دعنا ننتقل إلى واحدة من أخطر القضايا التي شغلت الرأي العام، وهي قضية بني مزار. سبق أن تحدثت عن جمع جميع الأدلة التي تتيح عرض المتهم على المحكمة، لكن المحكمة كان لها رأي آخر. كيف تتذكر هذه القضية؟ ومتى تشعرون بأن أيديكم مغلولة؟
السؤال يجيب عن نفسه؛ فهذا حكم محكمة، فكيف لي أن أغيره؟ هنا تكون يدي مغلولة، خاصة أن القضية قُيدت ضد مجهول، رغم أن قاتل محمد كان موجودًا وفقًا لما توصلنا إليه خلال التحريات.
ومن يريد معرفة تفاصيل أكثر يمكنه الرجوع إلى الفيديوهات التي تناولت القضية مع الإعلامي وائل الإبراشي. كانت لدينا معلومات عن المتهم، وأنه إذا عاد إلى مصر فسوف يتعرض للقتل، بعدما هرب خارج البلاد إلى الإمارات، حيث كان يقيم مع أسرته.
قضية بني مزار من القضايا الجنائية المعروفة، لكنها كانت قضية صاحبة عقل؛ فقد كُتب فيها ما لم نره في أي قضية أخرى.
وأريد أن أسألكم أنتم كصحفيين: كيف تفسرون ما حدث؟ المجتمع بأسره كان يرى أن المتهم بريء، والمحكمة جزء من هذا المجتمع.
لم يسبق لي أن درست قضية كما درست قضية بني مزار؛ فهي قضية فريدة وخاصة من نوعها. وكان هناك ضابط حضر المعاينة والتصوير، ودرست القضية من جميع النواحي القانونية.
كما أن النائب العام في ذلك الوقت، المستشار عبد المجيد محمود، طعن على حكم البراءة، وكانت هناك عبارة وردت في القضية تعكس خطورة ما حدث.
وهنا أريد أن أتحدث عن نظام المحلفين في بعض الدول الغربية. هناك نظام يُختار فيه 25 شخصًا من أفراد المجتمع بصورة عشوائية، ومن مختلف الطبقات والفئات، ويستمعون إلى النيابة وهي توضح الاتهامات الموجهة إلى المتهم وأسبابها.
ثم يدرس هؤلاء الأشخاص القضية، ويجيبون عن سؤال واحد: هل هذا الشخص مذنب أم لا؟ ولماذا سموا محلفين؟ لأنهم يحلفون على قول الحق.
وعندما يقرر المحلفون أن المتهم مذنب، ينطق القاضي بالحكم استنادًا إلى قناعتهم، وليس إلى قناعته الشخصية وحدها.
أما في مصر، فلدينا قانون حصّن قناعة القاضي الجنائي بضوابط قانونية، وكأنها موجودة داخل خزنة فولاذية. وعندما طُعن على الحكم، كان الطعن وفقًا للقانون والأصول القانونية، من خلال مراجعة قناعة المحكمة التي انتهت إلى براءة المتهم.
■لكن من أين استمد القاضي هذه القناعة؟
قضاة الجنايات أصحاب خبرة كبيرة، وليس من السهل خداعهم. وكانت هناك أدلة كثيرة في القضية، وفقًا لما توصلنا إليه؛ فقد كان هناك دم على ملابس المتهم، وتمثيل للجريمة، واعترافات، كما عُثر على أعضاء ذكورية لزكريا دُفنت بواسطة المتهم.
ورغم ذلك، انتهت المحكمة إلى تبرئة المتهم.
وأضرب مثالًا لتوضيح ما حدث: تخيلوا أن هناك برجًا مكونًا من 20 طابقًا، ونريد هدمه باستخدام معدات مثل اللودر بضربة واحدة. إذا جاءت الضربة في الأساس، فسوف ينهار البناء كله.
وهذا ما حدث في قضية بني مزار؛ إذ إن محضر التحريات الذي أعدته المباحث تضمن تفاصيل القضية، وفي نهايته طلبنا الإذن بتفتيش مسكن محمد وما يحوزه، للوصول إلى الأدلة المتعلقة بالقضية.
وبناءً على هذا الإذن، تم ضبط كل ما يتعلق بالجريمة، ومنه الملابس التي كانت عليها آثار دماء.
لكن المحكمة لم تطمئن إلى التحريات والأدلة، وهنا جاءت القاعدة القانونية المستقرة: «ما بُني على باطل فهو باطل».
وبالتالي، رغم كل هذه الأدلة التي تحدثنا عنها، انتهت محكمة النقض إلى تأييد البراءة.
■كيف تعمل محكمة النقض في مثل هذه الحالات؟
تحدثنا عن أن هناك خزنة فولاذية تحمي قناعة القاضي، لكن محكمة النقض لا تعيد تقييم الأدلة بالطريقة نفسها التي تنظر بها محكمة الموضوع إلى القضية، وإنما تراقب مدى تطبيق محكمة الجنايات للقانون بصورة صحيحة.
القانون المصري قوي ومؤسس على قواعد قانونية، وهناك رجال قانون يتمتعون بعقلية فريدة، لكنني أرى أن القوانين في الوقت الحالي أصبحت مثل أغاني المهرجانات.
وعندما ترى محكمة النقض أن محكمة الجنايات أخطأت في تطبيق القانون، تتم إعادة نظر القضية أمام دائرة أخرى، وفقًا للصلاحيات والإجراءات القانونية.
لكن يجب أن نفهم أن الحكم بالبراءة لا يعني بالضرورة أن المحكمة قررت أن المتهم بريء من الناحية الواقعية، وإنما يرتبط بما انتهت إليه المحكمة من وجود خطأ في الإجراءات أو تطبيق القانون.
وهذه القضية تستحق الدراسة.
■هناك جانب آخر في القضية يتعلق بالوقت الذي استغرقته الجريمة؛ فقد أثبتت التحريات أن الجريمة وقعت خلال ساعة واحدة، بينما أشارت الخبرات إلى أنها تحتاج إلى ساعتين ونصف على الأقل. كيف فسرتم هذا التناقض؟
في بداية البحث الجنائي، كانت هناك علامة استفهام كبيرة تتعلق بالوقت، وكان لا بد من حلها. فالوقت الذي حدده الطب الشرعي كان من الساعة العاشرة مساءً وحتى الفجر.
لكن عندما اعترف المتهم، فسر لنا هذه النقطة.
كان الولد مدركًا لما يفعله، وينتمي إلى أسرة فقيرة للغاية، وكان أفراد الأسرة ينامون جميعًا تحت بطانية واحدة، سواء على الكنبة أو السرير.
وضع الولد خطة محكمة للغاية؛ دخل ومعه سكين وساطور، واعتدى على أول أربعة باستخدام الساطور دفعة واحدة، وخلال خمس ثوانٍ، وكانت الضربة تؤدي إلى كسر في الجمجمة وشلل في الدماغ.
وبعد ذلك بدأ في تمزيق الأعضاء التناسلية.
ومن الممكن تصور أن قتل عشرة أشخاص خلال ساعة واحدة لم يستغرق وقتًا طويلًا، خاصة أن الولد كان يعاني حالة من الهستيريا المرتبطة برؤية الدم، وكان يريد القتل مرة أخرى لمشاهدة الدم.
كان يريد قتل أفراد بيت واحد، لكنه قتل ثلاث أسر بحكم معرفته بهم وبمداخلهم ومخارجهم.
أما لماذا لم يستكمل قتل الأسرة الرابعة، فلأنه كان مدركًا لما يفعله، وسمع قرآن الفجر، فتراجع عما كان يفعله بعدما شعر بأن أمره سينكشف.
من قضايا الآداب إلى الاتجار بالبشر.. كيف كشفنا شبكات إجرامية تورط فيها ضباط؟
■حضرتك كنت من أوائل الضباط الذين اكتشفوا أو ضموا جرائم الاتجار بالبشر إلى نطاق عمل قضايا الآداب. كيف حدث ذلك؟
أنا لا أحبذ ولا أميل إلى الجرائم التي تخص الآداب، لكن الظروف أو النصيب لعبا دورهما، ووجدت نفسي مكلفًا بالعمل في إدارة مباحث الآداب، حتى أترك فيها بصمة من بصمات أمجد الشافعي.
وكان من الممكن أن أعمل على ضم جرائم الاتجار بالبشر وغسل الأموال إلى ملفات قضايا الآداب.
وهنا يجب أن نوضح أن الاتجار بالبشر له عناصر وشروط، من بينها الإيواء والإعاشة. فعلى سبيل المثال، قد تكون هناك سيدة فقيرة لا تستطيع توفير قوت يومها، فيقوم شخص بإحضارها وإلباسها وإطعامها، ثم يتيح لأي شخص الدخول عليها في أي وقت مقابل استغلالها.
أما غسل الأموال، فقد اكتشفنا وجود ممتلكات مسجلة باسم سيدة تدير شبكة، وهو ما يرتبط بوقائع غسل الأموال.
وهناك واقعة شهيرة بالنسبة لي، لكنها تحمل جانبًا سلبيًا.
دخل إلى مكتبي مستشار في إحدى المحاكم، وقال لي: «أنا معايا سواق تاكسي بره، محتاج إنك تسمعه».
سألته: هل هذا بلاغ؟ فقال لي: «اللي تشوفه، لكن ضميري يحتم عليّ إنك تسمع ما سيقوله السائق».
دخل السائق، وقال إنه استقل معه التاكسي سيدة من فتيات الليل، أو أن مظهرها كان يدل على ذلك. طلبت منه توصيلها إلى مكان معين، والانتظار حتى تصعد إلى إحدى العمارات لتوصيل شيء داخل حقيبة يد، ثم تنزل فورًا.
وبعد تكرار الأمر للمرة الثالثة، شعر السائق بأنه سيظل طوال اليوم يوصل أشياء إلى أماكن مختلفة معها، فقال لها إنه لا يستطيع الاستمرار بهذه الطريقة.
فعرضت عليه مبلغًا أكبر مما يتوقع، وقالت له إنه يمكن أن يعمل معها كل يوم.
وافق السائق، ثم تلقت السيدة مكالمة هاتفية من شخص سألها عن رقم التاكسي، فأعطته الرقم.
بعد ذلك توجهت إلى السائق وسألته عن اسمه، فاستغرب من كثرة الأسئلة، وسألها: «أنتِ بتقولي اسم لمين؟».
فقالت له: «ده جوزي الباشا».
سألها: «مين الباشا ده؟»، فأعطته الهاتف وقالت له: «كلم الباشا».
فسمع صوت شخص يقول له: «أنا النقيب فلان الفلاني، ودي المدام بتاعتي، تخلي بالك منها وتوصلها المكان اللي هي عاوزاه، وإلا يومك هيبقى أسود».
فسأله السائق: «طيب مين حضرتك؟»، فأجابه بأنه معاون مباحث، وذكر اسمه وبياناته.
وبعدما أوصل السائق السيدة في نهاية اليوم، أعطته مبلغًا ماليًا لم يكن يحلم بالحصول عليه.
بعد ذلك ذهب إلى القسم الذي أخبره الرجل بأنه يعمل فيه، وسأل عن اسمه، واكتشف أن الشخص بالفعل معاون مباحث.
وهنا كانت مهمتي أن أكتشف الحقيقة.
اكتشفت أنه متزوج من السيدة رسميًا بوثيقة زواج، وأنه شاب قادم من الريف يبلغ من العمر 23 عامًا. والمصيبة، وفقًا لما توصلنا إليه، أنها لم تكن على علاقة به وحده، بل كان هناك ضابط آخر زميل له، وكانت على علاقة به أيضًا دون زواج.
وبعد عدة أيام، بدأ السائق يشك في السيدة، بعدما لاحظ أنها تصعد إلى شقق يُشتبه في ارتباطها بممارسة الأعمال المنافية للآداب.
وبعد أن اطمأنت إليه، طلبت منه أن يصعد بحقيبة إلى مكان معين، ليكتشف أنه يحمل ممنوعات. وعرضت عليه زيادة الأجرة، لكنه خاف وقال لها إنه قد يتعرض للقبض عليه.
وأضاف أنه يعرف مستشارًا كان من زبائنه، فحكى له ما حدث، وهو الذي أحضره إلى مكتبي.
طلبت منه رقم هاتف السيدة، وقلت للمستشار: «أنا مش أقل منك ضمير، وهعمل اللي عليّ».
بدأت الاستعلام عن الضابطين، وتبين أنهما بالفعل من وزارة الداخلية، لكنهما لا يعلمان أنني والوزارة لا نتعامل مع مثل هذه الوقائع باستهانة.
طلبت إذن النيابة العامة، وبدأنا مراقبة الهواتف، كما كشفت الاستعلامات في سجلات الأحوال المدنية أنها سبق لها الزواج أربع مرات، من بينهم أحد أقارب المشير عبد الحكيم عامر، وكان الزوج الثاني ابن سفير.
كانت تختار الأشخاص الذين يمكن أن تستفيد منهم، ويسهلون عليها المهمة التي تقوم بها.
وفي أحد الأيام، كانت هناك عاصفة ترابية، واتصل بها أحد الأشخاص لطلبها، لكنها لم تكن تريد النزول، إلا أن المبلغ وصل إلى 50 ألف جنيه، فنزلت بالفعل.
كانت تقيم في مدينتي، واكتشفنا أن لديها ممتلكات وشققًا كثيرة، وأن من بين أزواجها السابقين طليقًا لشخصية مشهورة جدًا، يمتلك سلسلة محلات معروفة.
وكان هناك شخص آخر يتعامل معها للمرة الأولى، رغم معرفته بها من خلال المعاملات التجارية، وقال لها: «تعالي وهبسطك».
وهنا ظهرت أمامنا شخصية وصفناها بأنها «الحوت الأبيض»، وكان من بين تفاصيل الواقعة أن السيدة كانت تعيش في مكانها، تأكل وتنام، ويدخل عليها أشخاص دون أن تعرف من يكونون.
اتخذت الإجراءات القانونية، ونفذت الضبط بالتنسيق مع مدير إدارة مدينتي، وكان الضباط معي على الهاتف.
حررت لها قضية آداب جنحة، وقضية اتجار بالبشر جناية.
وبدأت التحريات معها، وكان اسمها إنجي. وكان لديها هاتف محمول يحتوي على مواد محفوظة، من بينها صور مخلة لها مع زوجها الضابط.
طلبت منها أن تخبرني بكل تفاصيل عملها، لكنها أنكرت كل شيء، وواجهتها بما توصلنا إليه، لكنها استمرت في الإنكار.
وأخبرتها بأنني سأدمر حياتها، فتم حبسها على ذمة قضية الاتجار بالبشر.
قالت لي: «أنت عملت لي جناية»، لكنها لم تعترف أيضًا.
أما باقي القضايا، فقد صدر فيها حكم بحبسها 15 سنة، ونفذت العقوبة، ثم خرجت وعادت إلى العمل مرة أخرى باسم إنجي حمادة.
تطور الجريمة.. من القتل التقليدي إلى النصب والابتزاز الإلكتروني

■حدثنا عن أبرز التحولات في الجريمة التي رصدتها خلال عملك في مختلف قطاعات وزارة الداخلية؟
عندما كنت ملازمًا أول، كانت تُعرض عليّ الجرائم نفسها التي تحدث في الوقت الحالي، لكنها لم تكن تُكتشف أو تظهر بالصورة التي نراها الآن، بينما أصبحت الجرائم تُعرف بصورة أكبر بسبب وسائل الإعلام.
وأتذكر أن أول قضية عملت عليها عندما أصبحت ضابط مباحث كانت خاصة بفتاة تبلغ من العمر 15 عامًا، عُثر عليها مقتولة، وكان الشك يدور حول والدها، وبالفعل تبين تورطه في الواقعة.
أما الجديد مع تطور الجريمة، فهو ظهور جرائم النصب الإلكتروني والابتزاز الإلكتروني، التي أصبحت من أبرز التحديات في الوقت الحالي.
قضية ابنة ليلى غفران.. كيف تحولت التحقيقات إلى معركة مع العبث بالوعي الجمعي؟
■نريد أن نتحدث عن قضية ابنة المطربة ليلى غفران عام 2008، والمتهم فيها محمود العيسوي. فقد اعترف في البداية، ثم تراجع عن اعترافه، لكن حضرتك ذكرت أن الاعترافات ما زالت موجودة، وأن القضية مفتوحة، وأن المتهم نفسه ممتن لكم. فما تفاصيل هذه القضية؟
أنا أقول إن قضية بني مزار كانت أول مظهر من مظاهر تغييب العقول والعبث بالوعي الجمعي للمجتمع، وكان بطلها الرئيس السادات، رحمه الله عليه.
أما قضية ابنة ليلى غفران، فكانت مظهرًا آخر من مظاهر العبث بالوعي العقلي والجمعي، وكان بطلها الصحافة.
بدأ الأمر عندما علم أحد الصحفيين، أثناء وجوده بالمحكمة، أن هناك شيئًا يشبه البودرة داخل غرفة المعيشة «الليفنج روم»، ومن هنا بدأت القصة تتدرج إلى شيء آخر منقطع النظير.
وعندما وصلت إليّ القضية، تعاملت معها بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع قضية بني مزار.
وللأسف، كانت هناك أخطاء متراكمة من أشخاص ليسوا من الضباط، ومن بينهم وكيل النيابة الذي كان يحقق في القضية، وحدثت افتراءات صحفية لم يكن لها أي أساس من الصحة.
أثناء التحقيق في القضية، كنت أرسل ضابطًا أقل مني رتبة، وكان في أغلب الوقت الرائد تامر خليل، للتحقيق في هذه الوقائع، كما كنت أصطحب مصور الفيديو الخاص بي.
وقاموا بتصوير مسرح الجريمة بكل تفاصيله، بما في ذلك الجثتان وآثار الدماء التي سقطت من المتهم على الشجرة.
هذه القضية لم تستغرق وقتًا طويلًا بسبب الهاتف المحمول الذي سرقه المتهم، وهي التكنولوجيا التي تختصر علينا وقت البحث والتحري.
واعترف المتهم اعترافًا تفصيليًا، وكان شابًا صايعًا، وشرح كيفية ارتكاب جريمة القتل، كما اعترف بسرقة مبلغ بسيط من على رخامة المطبخ، بالإضافة إلى الهاتف المحمول.
لكن وكيل النيابة سأله: «جسمك ضئيل، هل الضباط ضربوك أو ضغطوا عليك أثناء التحقيق؟»، رغم أن ما كان مثبتًا أمامه في المحضر هو اعتراف المتهم.
وهنا فتح وكيل النيابة أمامه بابًا للتراجع عن اعترافه.
بعد ذلك انتقل وكيل النيابة إلى مسرح الجريمة لإجراء المعاينة وتمثيل الواقعة، وهناك فوجئ بوجود وكالات أنباء مصرية وأجنبية تحمل كاميراتها وتنتظر تصوير تمثيل مسرح الجريمة.
ولم يُسمح بتصوير تمثيل الجريمة، لكن المتهم انتابته حالة لا شعورية تُسمى تكرار الحدث، فبدأ يعيد ما حدث، واعترف بكل شيء.
فسأله وكيل النيابة مرة أخرى: «أنت سرقت بس، لكن ما قتلتش؟».
فرد المتهم: «أنا قتلته وسرقت، أنت اللي قلت إني ما قتلتش، لكن أنا قتلت».
وكان هناك رئيس نيابة عاقل وصاحب خبرة، يسند زميله الأصغر سنًا، لأنهم كانوا يشعرون بأنه ليس على مستوى الكفاءة المطلوبة.
خرج رئيس النيابة وقال لوكالات الأنباء: «تعالوا نعرض الشريط ده تاني».
ومن هنا تواصلوا معي، وبالاتفاق مع المصور والرائد تامر خليل، تم استبدال الشريط الموجود بشريط فارغ، ثم أُحضر الشريط الذي يحتوي على تفاصيل الواقعة كاملة ووُضع على المكتب.
بعد ذلك تواصلنا مع الوزير حبيب العادلي، وطلب نسخة لنفسه ونسخة للنائب العام.
ومعنى ذلك أن وكيل النيابة أصبح في ورطة كبيرة.
وبعد كل هذه التفاصيل، ظهرت رواية أخرى تتعلق بوجود ميراث، وأن الهدف كان حرمان الفتاة من الحصول على نصيبها في الميراث.
ومن بين الأمور التي أتذكرها في هذه القضية، أن نقابة الصحفيين أصدرت اعتذارًا لأسرة الفتاتين، وكان ذلك أول وآخر اعتذار صدر عن النقابة في مثل هذه الواقعة.
قاعدة العمل في البحث الجنائي

■بعد كل هذه السنوات من العمل في البحث الجنائي، ما القاعدة التي لا يمكن أن يتخلى عنها رجل المباحث؟
هناك قاعدة أعتبرها من أهم قواعد رجال المباحث: «من المنطق أن نترك مساحة للا منطق داخل عمق المنطق».
فرجل البحث الجنائي لا يتعامل مع الوقائع باعتبارها مجرد أحداث متتابعة، وإنما عليه أن يضع كل الاحتمالات أمامه، وألا يستبعد أي تفصيلة قبل فحصها. فقد تكون المعلومة التي تبدو غير منطقية في البداية هي المفتاح الحقيقي للوصول إلى الجاني.
وهنا تظهر أهمية الخبرة والقدرة على الربط بين التفاصيل، وعدم التسرع في الوصول إلى النتائج.
■ما أكثر المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتك خلال عملك بالمباحث؟
هناك مواقف كثيرة لا يمكن أن أنساها، ومن بينها واقعة أثناء عملي بمباحث قسم الدقي، عندما ضبطنا واحدة من أكبر قضايا شبكات الأعمال المنافية للآداب، وكانت زعيمة الشبكة زوجة أحد قيادات الشرطة.
كان هذا القيادي قد اختفى من العمل الشرطي بصورة مفاجئة، دون أن يخرج على المعاش، وفوجئت به يطلب مقابلتي داخل المكتب، حتى يدخل لزوجته الطعام داخل الحجز.
كان موقفًا غريبًا للغاية، ولا يمكن أن أنساه على الإطلاق؛ لأنه كشف لي جانبًا من المفارقات التي قد يواجهها رجل المباحث خلال عمله، عندما تتشابك العلاقات الشخصية مع الوقائع الجنائية، ويصبح تطبيق القانون اختبارًا حقيقيًا للجميع.


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)






