النهار
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 03:21 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
والأمن يفحص.. فيديو لأشخاص بآلات حادة يتعدون على صاحب محل وكسروا محتويات في قنا جامعة المنوفية تبحث مع تنظيم الاتصالات الأمن السيبراني وتدريب كوادرها وائل زعير من بورصة لندن: مصر تفرض حضورها السياحى.. وخطة للتحرك بقوة لجذب السائح البريطاني تعليم بني سويف يكرم أحمد عدلي لحصوله على المركز السابع بتحدي القراءة بعد شكوى مواطن.. محافظ بني سويف يوجه بتوفير علاج لمريض سرطان الرئة وكيل تعليم البحيرة يتفقد «علي الفار» قبل مسابقة «أكفأ مدرسة ثانوي» ”النقل الدولي” بتجارية الإسكندرية تضع مصر على خريطة الموانئ الأوروبية التأمين الصحي يوضح خطوات حجز واستخراج نموذج 111 للكشف الطبي.. والرسوم 50 جنيهًا سفارة السنغال تكرم سيمور نصيروف تقديرًا لدعمه الطلاب السنغاليين بمصر نبيل فهمي: الإعلام العربي شريك أساسي في تشكيل الوعي ومواجهة التحديات.. ودعم القضية الفلسطينية أولوية التأمين الصحي يحسم الجدل بشأن حقن الهيموفيليا: العلاج متوفر بجميع الفروع ولا أزمة في الأرصدة الاستراتيجية ضبط 2.5 طن من السلع الغذائية مجهولة المصدر داخل مخزن بالإسماعيلية

عربي ودولي

من الهامش إلى قاعة التشريع.. كيف صار الصوت العربي والمسلم رقماً صعباً في معادلة واشنطن؟

عشرينيات القرن الماضي.. شاب لبناني نحيل يكتب في شقة صغيرة بنيويورك كتاباً سيصبح من أكثر كتب الشعر مبيعاً في التاريخ الأمريكي، لم يكن جبران خليل جبران يعلم أن ديوانه "النبي" سيُقرأ في حفلات زفاف الأمريكيين وجنازاتهم على مدار أكثر من قرن، وفي الحقبة نفسها طفل لبناني آخر يكبر في ولاية لويزيانا ؛ يترك بصمة مميزة بين رواد جراحة القلب في أمريكا والعالم، إنه الدكتور مايكل دبغي، الطبيب العربي الذي نُسب إليه ابتكار أدوات وتقنيات أنقذت حياة الملايين.

وعلى الخطى نفسها، حين احتاجت وكالة ناسا إلى من يساعد في اختيار مواقع هبوط رحلات أبولو على سطح القمر، كان بين خبرائها الجيولوجي المصري الدكتورفاروق الباز، الذي كتب اسمه على أبرز إنجازات ناسا.

حتى جاء الحدث الذي أبهر العالم أجمعه وغير مسار البحث العلمي، بذهاب أكبر جائزة علمية في العالم، للعالم المصري أحمد زويل، الذي حصل على نوبل في الكيمياء عام 1999؛ ليكون العربي الأول الذي ينالها في مجال العلوم.

هؤلاء العرب صنعوا أثراً عميقاً في الحياة الأمريكية، في مجالات مختلفة الأدب والطب والعلوم والفن، بينما صناعة القرار السياسي الأمريكي ظلت لقرون حكرًا على الدم الأمريكي الأبيض، مع بعض الطفرات التي خرجت عن السرب المعتاد للثقافة السياسية في الولايات المتحدة؛ لكن حتى لك الطفرات ظلت بعيدة عن أحلام وطموحات العربي الإمريكي المسلم.

ليلة الثالث من نوفمبر 2026.. بدا أن هذه المعادلة تتغير

في ديربورن، المدينة التي يسميها كثيرون "عاصمة أمريكا العربية"، تابعت الجالية النتائج وهي ترى أبناءها لا يطرقون أبواب السلطة كناخبين من أبناء المدينة، بينما طرق العرب أبواب السلطة كمشرعين ومؤثريين ينافسون على أحقيتهم في مقاعد السلطة.

ثلاثة أسماء عربية حملوا رسالة واحدة: عصر "التمثيل الرمزي"، الذي يُستدعى فيه وجه العرب أو المسلمين لتزيين وإثبات صورة التنوع، قد انتهى، وبدأ زمن آخر عنوانه: العرب يمتلكون بجدارة أدوات التأثير الفعلي في صناعة القرار.

فجاءت النتائج بعد معركة شرسة، وإسقاطات مغلفة بغطرسة السلطة الأمريكية العظمى؛ بفوز ثلاثة أسماء عربية؛ ليكون للعرب مساحة رسمية دولية داخل الكونجرس الأمريكي.

ثلاث حكايات.. وطريق واحد إلى واشنطن

عبدول السيد، الطبيب ابن المهاجر المصري، يفوز بمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يجلس في المجلس في تاريخه.

دخل إلى عالم السياسة من المستشفى والمختبر؛ ليحقق العدالة الصحية للمواطن الأمريكي، حيث تولّى إدارة الصحة في مدينة ديترويت حين كانت المدينة تحاول النهوض من إفلاسها. ومن هناك صاغ خطاباً يتحدث عن التأمين الصحي الشامل والأجور العادلة والعدالة البيئية، وهي قضايا يفهمها عامل المصنع في فلينت كما يفهمها الطالب الجامعي في آن آربر والمهاجر في ديربورن. وبهذا التحالف العريض بين النقابات والشباب التقدميين والجاليات المهاجرة، عبر السيد من المحلية إلى الفضاء الوطني.

آدم حموي، جاء من غرف العمليات في مناطق النزاع، ذلك الجراح الذي خدم في الجيش الأمريكي، ثم أمضى سنوات في البعثات الطبية الإنسانية من الشرق الأوسط إلى قطاع غزة، حمل إلى حملته الانتخابية رصيداً نادراً يجمع بين الخدمة العسكرية والرعاية الصحية والعمل الإنساني. وفوزه يعكس صعود نمط جديد من المرشحين، وهم المهنيين الذين بنوا ثقة الناس فيم قبل أن يطلبوا أصواتهم في صناديق الإقتراع.

رشيدة طليب، هي الخيط الذي ربط الماضي القريب بالحاضر، أول امرأة فلسطينية أمريكية تدخل الكونجرس، وإحدى أول امرأتين مسلمتين فيه إلى جانب، لم تعد مفاجأة انتخابية بل ثابتاً سياسياً. وسرّ استمرارها علاقة لم تنقطع مع قواعدها الشعبية في ديترويت وديربورن، وجرأة غير مسبوقة في طرح ملفات الحقوق المدنية والمساعدات الخارجية والحقوق الفلسطينية داخل أروقة الكابيتول.

وللدقة، فإن العربي المسلم ليس مترادف في المشهد الأمريكي، فقد عرفت واشنطن ساسة عرباً مسيحيين بارزين، مثل جورج ميتشيل، زعيم الأغلبية الأسبق في مجلس الشيوخ والنائب نيك رحال أيضًا. كما تضم الجالية المسلمة كتلاً واسعة من الأمريكيين الأفارقة والآسيويين، ولكن هنا إلتقى المسارين اليوم عند نقطة واحدة: من الهامش إلى مركز القوى.

قرن من الطريق.. إلى الكونجرس

لم يأتِ هذا الحضور من فراغ؛ فالموجات الأولى من المهاجرين العرب، وصلت أواخر القرن التاسع عشر وانشغلت بالتجارة والزراعة وبناء لقمة العيش، بعيداً عن السياسة، حتى أغلق قانون الهجرة عام 1924 الأبواب أمام موجات جديدة.

وبعد الحرب العالمية الثانية، جاءت هجرات أكثر تعليماً حملت معها نشاطاً نقابياً وحقوقياً، ومنها خرج كثير من العلماء والأطباء الذين صنعوا أسماءهم في الجامعات والمستشفيات الأمريكية.

ثم جاء الحادي عشر من سبتمبر 2001 ليقلب المشهد رأسًا على عقب، حيث وجد العرب والمسلمون أنفسهم فجأة في دائرة الاشتباه والتدقيق الأمني والتمييز، ولكن الصدمة أنتجت عكس ما توقعه كثيرون: بدلاً من الانكفاء، تحولت مؤسسات مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) والمعهد العربي الأمريكي (AAI) من موقع الدفاع إلى الحشد القانوني والسياسي، وبعد خمس سنوات فقط من سبتمبر اللعين، في عام 2006، انتخبت مينيسوتا كيث إليسون أول مسلم في تاريخ الكونجرس.

أما الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين، فقد استخلص الدرس الأهم: الحقوق المدنية لا تُحمى من خارج القاعة؛ فانخرط المئات منهم في المجالس البلدية والتعليمية وبرلمانات الولايات، وصعدوا السلّم درجة درجة، حتى صار الكونجرس الخطوة التالية الطبيعية لا الحلم البعيد.

من الحضور إلى التأثير

هنا يبقى السؤال الجوهري.. ماذا يعني هذا الحضور داخل المؤسسة التشريعية؟

النواب العرب والمسلمون لم يعودوا يكتفون بالمقاعد الهامشية، بل يتطلعون إلى لجان العلاقات الخارجية والمخصصات المالية والقضاء، حيث تُرسم وجهة المساعدات الخارجية وتُراجع صفقات السلاح وتُراقب الانتهاكات الحقوقية.

وتمتد إلى طبيعة النقاش نفسه؛ وبالتحالف مع التكتل التقدمي في الكونجرس، نجح هؤلاء في فتح ملفات ظلت طويلاً خارج دائرة الجدل العلني، من مساءلة السياسات الإسرائيلية إلى المطالبة بتفعيل "قانون ليهي" الذي يحظر تقديم المساعدات الأمنية الأمريكية لوحدات عسكرية أجنبية متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

لذلك نقطة القوة الأعمق ربما تكمن في قدرتهم على ربط قضايا جالياتهم بالقضايا الأمريكية الكبرى: حقوق العمال، والرعاية الصحية، والمساواة العرقية؛ بهذا لم يعودوا ممثلين لـ"أقلية"، بل شركاء أصيلين في التحالفات الانتخابية الواسعة.

كتلة لا يضمنها أحد

إذا كانت انتخابات 2026 قد أثبتت شيئاً.. فهو أن الصوت العربي والمسلم لم يعد رصيداً مضموناً في جيب أي حزب.

حسب الإحصائيات، يُقدّر المعهد العربي الأمريكي عدد الأمريكيين من أصول عربية بنحو 3.7 مليون نسمة، فيما يقدّر مركز بيو للأبحاث عدد المسلمين الأمريكيين بنحو 3.45 مليون. والأهم من الحجم هو الجغرافيا، فتركّز مئات الآلاف منهم في ميشيغان، ولا سيما في مقاطعة واين ومدينة ديربورن، إلى جانب حضورهم في نيوجيرسي وبنسلفانيا، الذي يمنحهم ثقلاً مضاعفاً في ولايات تُحسم فيها السباقات بفوارق ضئيلة.

وقد أظهر هؤلاء الناخبون مرونة لافتة في المكافأة والعقاب، موزعين أصواتهم وفق مواقف المرشحين من السياسة الخارجية والحقوق المدنية والاقتصاد المحلي، والنتيجة أن الحملات الانتخابية باتت مضطرة إلى تخصيص موارد ومكاتب ميدانية للتواصل معهم مباشرة، بدلاً من افتراض ولائهم.

الهوية: عبء أم قوة؟

ربما لا يعني كل ذلك أن الطريق صار ممهداً، فما زال المرشحون من أصول عربية ومسلمة يواجهون حملات تشكك في ولائهم الوطني، وخطاباً معادياً للإسلام وللسلام يُستدعى عند كل منافسة حامية.

إلا أن الجيل الجديد اختار استراتيجية مختلفة عن أسلافه، فلم يختبئ خلف الهوية، ولم يختزل ذاته، بل خاض معاركه ببرامج تخاطب كل ناخب في دوائره، دون أن يتنازل عن اعتزازه بأصوله العربية المسلمة، لذا فالهوية هنا ليست تهمة يُدافع عنها، بل أصبحت جزء من القصة الأمريكية.

من "النبي" إلى الكابيتول

في عام 1926.. وجّه جبران رسالة إلى الشباب الأمريكيين من أصول سورية، دعاهم فيها إلى أن يعتزوا بجذورهم، وأن يقفوا في الوقت نفسه إلى جانب بناة أمريكا كشركاء لا ضيوفاً، يحملون إليها ما ورثوه من حضارتهم الأولى.

وبعد مئة عام تقريباً، يبدو أن تلك الدعوة وجدت من يلبيها في المكان الذي لم يصله جبران ولا دبغي ولا زويل، قاعة التشريع، فما حدث في الثالث من نوفمبر ليس ختامًا لرحلة هجرة امتدت أكثر من قرن؛ بل بداية فصل جديد في الرحلة، ومع تزايد انخراط الشباب ونضج المؤسسات المدنية، تنتقل الجالية العربية والمسلمة من موقع من يرفع المطالب إلى موقع صياغة السياسات.

اليوم في ديربورن، حيث كان الآباء يعلّقون صور وطنهم الأول على جدران محالّهم الصغيرة، يكتب أبنائهم فصلاً آخر من الحكاية، فصلاً لا يسألون فيه عن مكانهم في أمريكا، بل يشاركون في رسم شكل أمريكا الجديد.

موضوعات متعلقة