مساعد مدير أمن أسوان الأسبق لـ«النهار»: النصاب أخطر من القاتل.. لا يوجد في العمل الشرطي شيء اسمه ضابط يعمل بمفرده
مساعد مدير أمن أسوان الأسبق لـ«النهار»:
- كل تفصيلة صغيرة في مسرح الجريمة قد تكون الخيط الذي يقود إلى كشف أعقد الألغاز الجنائية.
- النصاب المحترف قد يبيع للمواطن سيارة مسروقة بلوحات ورخصة سليمة تخص سيارة أخرى مطابقة لها في الموديل واللون.
- قد يجد المشتري نفسه متهمًا في قضية تزوير أو قيادة سيارة مسروقة بسبب إهماله مطابقة أرقام الشاسيه والموتور.
- التحري المسبق من الجهات الرسمية هو الدرع الذي يحمي المواطنين من دهاء النصابين.
- الضابط الحق هو من يمتلك بصيرة لرؤية الدوافع الاجتماعية والإنسانية خلف بعض الجرائم، دون الإخلال بأمن المجتمع.
- هناك حالات كثيرة تستوجب النصح والتقويم قبل إنزال سيف العقاب.
في عالم الجريمة المنظمة والمباحث الجنائية، لا مجال للصدفة أو الخطأ؛ فكل تفصيلة، مهما بدت صغيرة في نظر الشخص العادي، قد تتحول إلى خيط يقود إلى كشف أعقد الجرائم، وبين أروقة البحث الجنائي وقطاع شرطة السياحة والآثار، خاض رجال الأمن معارك لا تظهر تفاصيلها للرأي العام، واضعين حماية أمن الوطن ومواجهة الجريمة في صدارة مهامهم.
من بين هؤلاء اللواء خالد كمال، مساعد مدير أمن أسوان الأسبق، والمحامي حاليًا، الذي توّج مسيرته الأمنية بالحصول على نوط الامتياز من الطبقة الأولى من رئيس الجمهورية، تقديرًا لجهوده وتفانيه في أداء مهامه.
وفي حواره مع «النهار»، يفتح اللواء خالد كمال ملفات من مسيرته المهنية، كاشفًا عن كواليس إدارة فرق البحث الجنائي، والفروق بين الدوافع التي تقود إلى ارتكاب جرائم القتل وأساليب الاحتيال التي يعتمد عليها المحتالون للتلاعب بضحاياهم، كما يستعيد تفاصيل واحدة من أغرب القضايا التي واجهها داخل أحد الفنادق الكبرى بوسط العاصمة، ويتحدث عن مواقف اختبرت قدرته على الموازنة بين تطبيق القانون ومراعاة الظروف الإنسانية، مؤكدًا أن مواجهة الجريمة لا تنفصل عن فهم دوافع مرتكبيها، دون التفريط في حق المجتمع أو أمانة العدالة، إلى نص الحوار:
عملتَ في قطاعي البحث الجنائي ومباحث شرطة السياحة، وهما مجالان يختلفان في طبيعة المهام والضحايا وأنماط الجرائم.. كيف انعكس هذا التنوع على أسلوبك الأمني
في الحقيقة، لم يتغير أسلوب عملي أو منهجي الأمني بين قطاع وآخر، فالقاعدة الذهبية التي حكمت مسيرتي هي العمل بالقلب والإخلاص. الضابط المحترف لا ينظر إلى القضية باعتبارها مجرد ملف أوراق أو رقم في سجلات القسم، بل يجب أن يتقمص دور المجني عليه، فعندما أتولى التحقيق في واقعة سرقة أو اعتداء، أضع نفسي مكان الضحية، وأبحث بضمير حي، وأقاتل من أجل استرداد حقه، وكأنني أنا الشخص الذي تعرض للسرقة أو الاعتداء.
ما الفارق بين التعامل مع القاتل والنصاب؟ وأيهما أصعب في ضبطه؟
النصاب بلا شك هو الأصعب، فالفارق بينه وبين مرتكب جريمة القتل شاسع، والنصاب من أصعب المجرمين الذين يمكن أن يواجههم ضابط الشرطة في أي مكان بالعالم، لأنه يعتمد اعتمادًا كليًا على سلاح غير مرئي، هو ذكاؤه الحاد، فهو يتمتع بقوة ملاحظة استثنائية، وسرعة بديهة فائقة، وقدرة كبيرة على إدارة الحوار وتوجيهه لصالحه.
والنصاب يهتم كثيرًا بمظهره، وهذا ما يُعرف في لغة السوق وعالم الجريمة بـ«عدة النصب»: البدلة الأنيقة، والساعة الفاخرة، والسيارة الفارهة، والكلمات المنمقة، كل هذه أدوات يستخدمها لتخدير ضحيته وكسب ثقتها، فهو يخطط لجريمته بدقة متناهية، ويحسب حساب كل خطوة، بل يضع خططًا بديلة للهروب إذا انكشف أمره، فالنصب ليس جريمة وليدة اللحظة، وإنما مهنة يحترفها هذا المجرم ويتعامل معها باعتبارها وظيفة.
وعلى النقيض، نادرًا ما يكون مرتكب جريمة القتل مجرمًا محترفًا بطبيعته، باستثناء ظاهرة «القاتل المأجور»، التي أرى أنها شبه انتهت وتلاشت في مجتمعنا، فجريمة القتل، في الغالب الأعم، تكون وليدة دافع وقتي، لحظة غضب عارمة، أو رغبة في الانتقام، أو مشاجرة تطورت بصورة غير مخطط لها، وغالبًا لا يكون لدى القاتل تخطيط مسبق للهروب أو تضليل العدالة بالاحترافية نفسها التي يمتلكها النصاب، لذلك، ورغم بشاعة جريمة القتل، يظل الإيقاع بالنصاب هو التحدي الأكبر، لأنه يتطلب من ضابط المباحث أن يكون أكثر ذكاءً ودهاءً من المجرم نفسه.
بعيدًا عن الصورة الدرامية لضابط المباحث باعتباره «الذئب المنفرد» الذي يحل القضية بمفرده، كيف تُدار التحقيقات في الجرائم الكبرى على أرض الواقع؟ وما الخطوات التي تبدأ من لحظة تلقي البلاغ وحتى الوصول إلى المشتبه به؟
في العمل الشرطي الحقيقي والمحترف، وتحديدًا في البلاغات والجرائم الكبرى، لا يوجد شيء اسمه ضابط يعمل بمفرده، فبمجرد ورود البلاغ، ينتقل مدير الإدارة شخصيًا إلى مسرح الجريمة، ويتم على الفور تشكيل فريق بحث جنائي متكامل.
ويُعيَّن رئيس لفريق البحث، قد يكون رئيس المباحث أو مفتش المباحث أو مدير المباحث نفسه، بحسب حساسية القضية وحجمها، وتتمثل أولى مهامه في وضع خطة بحث شاملة ومحكمة تتضمن جميع السيناريوهات المحتملة، ثم يبدأ في توزيع المهام والأدوار على الضباط والمجموعات المشاركة، بحيث تعمل كل مجموعة في مسار متوازٍ لتوفير الوقت والجهد.
على سبيل المثال، يُكلَّف أحد الضباط بحصر وتفريغ كاميرات المراقبة في محيط مسرح الجريمة والشوارع المؤدية إليه، بينما يتولى ضابط آخر تتبع خط سير المجني عليه خلال الساعات أو الأيام التي سبقت الجريمة، لمعرفة الأشخاص الذين التقاهم والأماكن التي ذهب إليها. وتتولى مجموعة ثالثة جمع التحريات السرية، وسماع أقوال الشهود، واستجواب الجيران والمحيطين بمسرح الواقعة، في حين تختص مجموعة رابعة بتتبع المكالمات الهاتفية والاتصالات التقنية.
كل ضابط يتولى ملفًا محددًا، وفي النهاية تُجمع كل هذه المعلومات لدى رئيس فريق البحث، الذي يعمل على تجميع قطع اللغز وتكوين الصورة الكاملة، وصولًا إلى تحديد الجاني.
خلال مسيرتك الأمنية، تعاملت مع آلاف القضايا، لكن هناك وقائع تظل عالقة في الذاكرة بسبب غرابتها وتفاصيلها غير المتوقعة.. ما القضية التي لا تزال تتذكرها حتى اليوم؟
أتذكر قضية تعود إلى عام 2004، حين كنت أشغل منصب وكيل مباحث جرائم المال، وكانت مسؤولياتي تشمل جرائم سرقات المساكن والمتاجر والسيارات، وجرائم النصب والنشل، كما كانت تتداخل مهامنا مع شرطة السياحة إذا كان المجني عليه أجنبيًا أو وقعت الجريمة داخل منشأة سياحية أو أثرية.
تلقينا وقتها بلاغًا شديد الحساسية، وقعت أحداثه داخل أحد الفنادق الكبرى ذات الخمس نجوم في منطقة وسط البلد بالقاهرة. لم يكن المجني عليه شخصًا عاديًا، بل شخصية أجنبية غير عربية، مرموقة وتتمتع بمكانة وحيثية حساسة للغاية. ونظرًا إلى طبيعة شخصيته، انتقل رئيس مباحث السياحة فورًا إلى الفندق، وصُعّد البلاغ، وشُكّل فريق بحث موسع شاركت فيه جهات سيادية وأمنية عديدة.
أبلغ المجني عليه أن شخصًا استضافه داخل غرفته بالفندق اعتدى عليه، وأصابه بجرح قطعي في يده باستخدام شفرة حادة «كاتر»، ثم سرق مقتنياته الثمينة، التي شملت محفظة نقوده وساعة يده الفاخرة، إلى جانب شيء آخر شديد الغرابة؛ فقد سرق حذاءه أيضًا!
مفاتيح اللغز
سرقة الحذاء تبدو تفصيلًا غير مألوف في جريمة من هذا النوع. كيف تعاملتم مع هذا التفصيل؟ وهل كان له دور في توجيه التحقيقات؟
سرقة الحذاء كانت نقطة الانطلاق ومفتاح اللغز الأول. ففي علم البحث الجنائي، اللص الذي يسرق داخل فندق يكون عادةً في عجلة من أمره، ولذلك يستولي على الأشياء الثمينة والخفيفة، مثل المحفظة والساعة، لأنه يستطيع إخفاءها بسهولة داخل ملابسه والخروج دون إثارة الشبهات. أما أن يسرق حذاءً جديدًا ويغادر به، فهذا أمر غير معتاد، وقد لفت انتباهنا بشدة وأثار تساؤلات حول شخصية الجاني ودوافعه.
هل واجهتكم صعوبات خلال الاستماع إلى أقوال المجني عليه؟
بالفعل، ظهرت عقبة ثانية خلال استجواب المجني عليه، وبحكم خبرتي ودراستي لعلم لغة الجسد، لاحظت فورًا أنه يراوغ ويحاول إخفاء بعض التفاصيل، سألناه: من هذا الشخص؟ ولماذا استضفته في غرفتك الخاصة؟ فأجاب بتردد شديد، مدعيًا أنه مجرد صديق تعرف عليه مؤخرًا ودعاه لتناول مشروب.
كان واضحًا أنه يخشى الفضيحة، خاصة أن ممثلي سفارة بلده كانوا موجودين، وكان يتهرب من الاعتراف بأنه اصطحب هذا الشخص بنية إقامة علاقة غير سوية، وهو السر الذي استغله الجاني للإيقاع بضحيته وابتزازه وسرقته.
كيف تمكنتم من تحديد هوية المشتبه به، رغم تحفظ المجني عليه؟
رغم تحفظ المجني عليه، تمكن فريق البحث من الوصول إلى صورة للمشتبه به، بعدما أفاد بأنه التقى به في كازينو للقمار ملحق بالفندق. وجرى تفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالكازينو، وعُرضت الصور على المجني عليه، الذي تعرف عليه فورًا وصاح مؤكدًا: «نعم.. هو هذا الشخص!».
وبحسب السجلات الرسمية لإدارة الكازينو، فإن الشخص الظاهر في الصورة دخل باستخدام جواز سفر أجنبي عربي، وسجل بيانات تشير إلى أنه ملياردير ورجل أعمال خليجي معروف، في تلك اللحظة، بدا وكأن فريق البحث وصل إلى نحو 70% من حل القضية، ولم يتبق سوى ضبط هذا الرجل الذي اتهم بارتكاب الجريمة.
المفاجأة الصادمة
وكانت المفاجأة الكبرى عندما وقعت عيناي على صورة المشتبه به المستخرجة من الكازينوـوبمجرد أن نظرت إليها، قلت لفريق البحث: «يا إخوانا.. هذا الشخص ليس أجنبيًا ولا عربيًا ولا رجل أعمال! هذا مصري صميم، واسمه كذا وكذا، وهو مسجل خطر عندي في الدفاتر!».
كيف استطاع شخص مصري ومسجل خطر دخول كازينو مخصص للأجانب ومحظور على المصريين دخوله وفقًا للقانون؟
هذا الجاني ينتمي إلى فئة من المجرمين تُعرف في أوساط السياحة باسم «الخرتية»، وهم أشخاص يمتلكون قدرة كبيرة على التودد إلى السائحين الأجانب، واصطحابهم في جولات سياحية، مثل ركوب الخيل وزيارة البازارات، مقابل الحصول على عمولات.
لكن هذا المتهم تحديدًا كان يتخذ مسارًا أكثر إجرامًا؛ إذ كان يتصيد السائحين الأثرياء وكبار السن، أو الباحثين عن علاقات غير سوية، بهدف ابتزازهم وسرقتهم، مستغلًا علمه بأنهم قد يخشون الإبلاغ عما تعرضوا له خوفًا من الفضيحة.
رغم تعرف المجني عليه على وجه المشتبه به، ظهرت تناقضات في أوصافه الجسدية ونتائج الفحوص الفنية.. كيف تعاملتم مع هذه العقبات؟
رغم تأكدي من هوية المتهم المصري، واجهتنا عقبة أخرى، فالمجني عليه كان قد أدلى في محضره الأول، وقبل رؤية الصورة، بأوصاف جسدية للجاني، وقال إنه طويل القامة، قمحي البشرة، وشعره متوسط الطولن لكن أوصاف الشخص المسجل خطر الذي أعرفه كانت مختلفة تمامًا؛ فهو قصير القامة، شديد البياض ومع ذلك، كان وجه الشخص الظاهر في الصورة مطابقًا لوجه المسجل خطر الذي أعرفه، وهنا ظهر التناقض: كيف يمكن أن يتطابق الوجه بينما تختلف الأوصاف الجسدية؟
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أظهرت مضاهاة البصمات المرفوعة من الأكواب الموجودة في غرفة الفندق عدم تطابقها مع البصمات المسجلة للمشتبه به في أرشيف الأمن العام، والأغرب أن تحريات قطاع الجوازات أثبتت أن الاسم الأجنبي المستخدم لدخول الكازينو لم يسجل أي حركة دخول إلى الأراضي المصرية من الأساس.
في ظل هذه التناقضات، ما الذي دفعك إلى استدعاء المتهم ومواجهته؟
رغم كل هذه التناقضات، تمسكت بحدسي الأمني ومعرفتي السابقة بالمجرمين، وقررت استدعاء المتهم المصري للتحقيق معه، استخدمت أسلوبًا لم يثر ريبة المتهم، فاتصلت به هاتفيًا وطلبت منه الحضور إلى المكتب.
وبالفعل، حضر المتهم، لكنه أنكر تمامًا معرفته بالشخصية المرموقة أو ذهابه إلى غرفته بالفندق. وعندما سألناه عن كيفية دخوله الكازينو رغم كونه مصريًا، اعترف بالحيلة التي استخدمها. فقد استغل معرفته برجل أعمال عربي ثري يتردد على الكازينو، ووقف بجواره عند الدخول، فأخبر رجل الأعمال أمن الكازينو بأن هذا الشاب المصري ابن عمه ويحمل الجنسية نفسها، ولإكمال الخدعة، أعطى المتهم لأمن الكازينو اسم شخص حقيقي من أقارب رجل الأعمال، رغم أن هذا القريب لم يكن موجودًا في مصر أصلًا. وهكذا تمكن من دخول الكازينو منتحلًا صفة أجنبي.
بعد اكتشاف حيلة دخول الكازينو، هل،انتهت الشكوك حوله باعتباره مرتكب الواقعة؟
هنا عادت القضية إلى نقطة البداية؛ فقد أثبتت التحريات أن المشتبه به الرئيسي الذي تعرف عليه المجني عليه في الصورة ليست له علاقة بالواقعة، وكان علينا إعادة البحث من جديد. وبعد شهر كامل من الحادث، حدثت المفاجأة الكبرى، ولعبت الصدفة دورًا مهمًا.
كنت موجودًا في الفندق ذات يوم لاستكمال البحث، ولاحظت شخصًا يجلس في البهو، تتطابق ملامحه وأوصافه مع الشخص الذي اتهمه الدبلوماسي الأجنبي بسرقته. والأهم أنه كان يرتدي الساعة نفسها التي أبلغ المجني عليه بسرقتها، والأغرب أنه كان يرتدي أيضًا الحذاء المسروق نفسه!
ماذا فعلت عندما رأيت هذا الشخص؟ وكيف تأكدت من أنه مرتكب الجريمة؟
توجهت إليه وطلبت منه بهدوء أن يصطحبني إلى أحد المكاتب، حتى لا نلفت انتباه الموجودين في الفندق. وهناك واجهته بالأمر، فاعترف تفصيليًا بارتكاب الواقعة. كما تعرف المجني عليه على المسروقات، لكن أهم شيء بينها لم يكن بحوزة المتهم وقتها، وهي المحفظة التي كانت تحتوي على أوراق ثبوتية في غاية الأهمية.
مواجهة الموت
بعد اعتراف المتهم والتعرف على المسروقات، انتقلتم إلى منزله لاستعادة المحفظة. كيف تحولت عملية الضبط إلى مواجهة خطيرة مع الأهالي؟
توجهت برفقة قوة أمنية إلى منزل المتهم في منطقة الشرابية، وبالفعل تمكنا من العثور على محفظة الدبلوماسي الأجنبي بعد تفتيش المسكن. لكن أثناء استعدادنا لمغادرة المنزل، فُتح باب الشقة المجاورة وخرج والد المتهم، وما إن أدرك أن رجال المباحث يستعدون للقبض على نجله، حتى بدأ الصراخ والاستغاثة بأهالي المنطقة، مدعيًا أن هناك من يحاول اختطاف ابنه.
كيف كان المشهد داخل المنطقة بعد استغاثة والد المتهم؟
في المناطق الشعبية المغلقة، تكون هناك حمية وفزعة بين الأهالي والجيران. وفي ثوانٍ معدودة، تجمع عدد كبير من السكان، وأغلقوا البوابة الرئيسية للمنزل. وجدنا أنفسنا، كقوة أمنية، محاصرين في الداخل، بينما كان الأهالي الغاضبون يندفعون نحونا للاعتداء علينا وتخليص المتهم بالقوة.
كيف تصرفت في هذه اللحظة، خاصة مع تعرض القوة الأمنية للاعتداء ومحاولة الأهالي تخليص المتهم؟
تجمهر الناس حولنا وبدأوا في الاعتداء علينا بالضرب المبرح، فما كان مني إلا أن ألقيت بنفسي على المتهم وأحكمت قبضتي عليه، مستفيدًا من ممارستي السابقة لرياضة المصارعة، حتى لا يتمكن من الهرب.
وفي الوقت نفسه، تحدث الضابط المسؤول عن القوة الأمنية إلى الأهالي بحزم شديد، وشرح للعقلاء منهم حقيقة الواقعة، مؤكدًا أن القانون سيأخذ مجراه، وأنه إذا كان المتهم بريئًا، فالنيابة العامة والمحكمة قادرتان على تبرئة ساحته. وفي النهاية، وجدت هذه الكلمات آذانًا مصغية، وتمكنت القوة الأمنية من إخراج المتهم من المنطقة بصعوبة بالغة.
ومع تراكم الأدلة وانهيار حجج المتهم، لم يجد أمامه مفرًا من الإدلاء باعتراف تفصيلي بالجريمة، لتُغلق بذلك واحدة من أغرب القضايا التي شهدتها الفنادق الكبرى.
بحكم خبرتك في مكافحة النصب والاحتيال، ما أبرز التحذيرات القانونية التي توجهها للمواطنين عند شراء السيارات أو الشقق السكنية؟
اللواء خالد كمال: النصابون يستغلون جهل البعض بالإجراءات القانونية وتسرعهم في إتمام المعاملات. على سبيل المثال، عند شراء سيارة مستعملة، يهتم المشتري عادةً بفحص حالة المحرك والعفشة وطلاء السيارة، لكنه قد يغفل عن خطوة بالغة الأهمية، وهي مطابقة رقم الشاسيه ورقم الموتور المحفورين على السيارة مع الأرقام المدونة في الرخصة.
فالنصاب المحترف قد يأتي بسيارة مجهولة المصدر أو مسروقة، ويثبت عليها لوحات معدنية تخص سيارة أخرى مطابقة لها في الموديل واللون، ويقدم للمشتري رخصة سليمة، لكنها في الحقيقة تخص السيارة الأصلية وليس السيارة المعروضة للبيع. وقد يستخدم المشتري السيارة حتى انتهاء ترخيصها، وعندما يتوجه إلى المرور لنقل الملكية وإجراء الفحص الفني، يكتشف عدم تطابق أرقام الشاسيه والموتور، ليجد نفسه متهمًا في قضية تزوير أو قيادة سيارة مسروقة.
ما الإجراءات التي تنصح المواطنين باتباعها لتجنب الوقوع في مثل هذه الوقائع؟
عند شراء أي أصل، لا تكتفِ بالاطلاع على بطاقة الرقم القومي للبائع أو رخصة تسيير المركبة، بل يجب أن تتوجه بنفسك إلى الجهات الرسمية للاستعلام والتحقق. اذهب إلى وحدة المرور للتأكد من بصمة الشاسيه، وإلى البنك للتأكد من عدم وجود قروض، وإلى الحي للاستعلام عن مخالفات البناء أو قرارات الإزالة المتعلقة بالشقة. فالتحري المسبق هو الدرع الذي يحمي المشتري من الوقوع في فخاخ النصابين.
هل حدث أن تغلبت إنسانيتك على الصرامة المهنية، واضطررت إلى التعامل بروح القانون مع متهم أو مجرم؟
حدث هذا كثيرًا جدًا. نحن في النهاية بشر، والضابط الحق هو من يمتلك البصيرة التي تمكنه من رؤية الدوافع الاجتماعية والإنسانية وراء بعض الجرائم، بشرط ألا يخل ذلك بأمن المجتمع. فهناك حالات كثيرة تستوجب النصح والتقويم قبل إنزال سيف العقاب.
هل تتذكر واقعة جسدت فيها هذا المبدأ؟
أتذكر شخصًا كان يتاجر في المواد المخدرة، ومن خلال تحرياتي ومتابعتي لظروفه الأسرية، علمت أنه أب لعدة أطفال صغار، وأن أحدهم من ذوي الاحتياجات الخاصة ويحتاج إلى نفقات علاج ورعاية باهظة. أدركت أن هذا الرجل دفعته الحاجة الشديدة والفقر إلى سلوك هذا الطريق المحرم والاتجار في المواد المخدرة، لتوفير احتياجات أطفاله وعلاج ابنه.
كيف تعاملت مع هذا الموقف، خاصة أنك كنت تدرك ظروفه الأسرية؟
اللواء خالد كمال: استدعيته سرًا، ونصحته وحذرته بشدة. قلت له إنني أعلم ما يفعله، وأعرف ظروف طفله، وطالبته بالتوقف فورًا عن هذا النشاط المدمر. أنذرته مرة واثنتين وثلاث مرات، وكنت أحاول منحه فرصة للتراجع والبحث عن عمل شريف، حفاظًا على مستقبل أطفاله. لكنه في المرة الثالثة لم يستجب للنصيحة، وكان قد اعتاد جني المال الحرام السريع، فلم يكن أمامي خيار سوى تطبيق القانون، فتم القبض عليه متلبسًا وتحرير قضية اتجار بالمخدرات ضده.
ماذا حدث عندما التقيت به مجددًا يوم المحاكمة؟
اللواء خالد كمال: في يوم المحاكمة، كنت موجودًا في أروقة المحكمة للإدلاء بشهادتي. جاءني المتهم مكبلًا، وبرفقته شقيقه الذي تولى إدارة نشاط تجارة المخدرات بعده. اقترب مني المتهم باكيًا، وراح يتوسل إليّ قائلًا: «أرجوك يا باشا، أنت تعلم ظروفي وحالة طفلي المريض، أرجوك قف بجانبي في شهادتك وخفف عني».
نظرت إليه بحزم وقلت له: «الشهادة أمانة أمام الله، ولا يمكنني أن أشهد زورًا. سأقف أمام القاضي وأقول الحقيقة كاملة: لقد حذرتك ثلاث مرات لتتوقف من أجل طفلك، وأنت من اخترت هذا المصير. أليس هذا ما حدث؟». فأطرق برأسه معترفًا: «نعم، حدث».


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)






